البرادعي في حديث خاص لـالأهرام‏

 

 

في أول حديث يدلي به الدبلوماسي المصري الدكتور محمد البرادعي لصحيفة عربية أو أجنبية بعد اعتمادالمؤتمرالعام التاسع والأربعين بالإجماع تعيينه مديرا عاما للوكالة الدولية للطاقة الذرية لفترة ولاية ثالثة خص به صحيفةالأهرام‏,‏ التقيته في مكتبه علي هامش المؤتمر العام بالمركز الدولي للمؤتمرات بالعاصمة النمساوية‏,‏ وتحدث إلينا حول العديد من الموضوعات الخاصة بتحديات منع الانتشار النووي علي المستوي العالمي والملفات النووية المهمة المشتعلة بالشرق الأوسط وإيران وكوريا الشمالية والقوي العظمي وتأثيرها في مسائل منع الانتشار‏,‏ وجاء حوارنا كالتالي‏:‏

ما هي خطط الوكالة في المرحلة المقبلة؟

وما هي التحديات التي تواجهها؟

هناك تحديات كثيرة تواجهنا في الفترة المقبلة‏,‏ أولها بالطبع المسائل الخاصة بانتشار السلاح النووي أو المخاوف من انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط‏ كما نعلم أن إسرائيل مازالت خارج اتفاقية منع انتشار السلاح النووي‏,‏ وليس هناك أي حوار حول الأمن في الشرق الأوسط‏,‏ وهناك مخاوف كثيرة مازالت بالنسبة لنيات إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي‏,‏ وهذه أحد التحديات الكبيرة التي تواجهنا‏ وكذلك في منطقة شرق آسيا حيث إن كوريا الشمالية مازالت تشكل تهديدا لنظام منع الانتشار‏,‏ بالإضافة إلي أنه لم يحدث تقدم حتي الآن بالنسبة للدول التي تملك سلاحا نوويا لتنفذ التزاماتها نحو نزع هذا السلاح والتي التزمت بها منذ عام‏1970‏ عندما عقدت اتفاقية منع الانتشار النووي‏.‏

ما هي آخر تطورات ملف كوريا الشمالية؟

هناك تفاؤل حاليا بالنسبة لموضوع كوريا الشمالية‏,‏ وهناك اتفاق علي العناصر الأساسية التي يجب أن تشكل تسوية شاملة للموضوع الكوري ‏.‏موضوع كوريا الشمالية مثل موضوع إيران لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي‏,‏ فالبرنامج النووي الجزء الذي نراه علي السطح‏,‏ إنما هو يتعلق في المقام الأول والأخير بعمليات الأمن الإقليمي والأمن القومي كما تراه الدولة‏.‏

متي سيعود المفتشون إلي كوريا الشمالية؟

هذا يتوقف علي كيفية الاتفاق علي تفاصيل البيان المشترك للمحادثات السياسية‏.‏

آمل أن يكون خلال هذا العام أو بداية العام المقبل‏,‏ وأنا من جانبي علي اتصال بجميع الأطراف وأحاول أن نعود مرة أخري‏,‏ لأنه عندما نعود ونتقدم في عملنا ونتأكد أن برنامج كوريا الشمالية أصبح مخصصا للأغراض السلمية ونفكك السلاح النووي التي أعلنت أنها تحوزه في الوقت الحالي‏,‏ ستكون هذه الخطوة جيدة في بناء السلم والأمن في منطقة شرق آسيا التي تعتبر مليئة بالتوتر حاليا بسبب السلاح النووي الكوري‏.‏

ولكن كيف يكون البرنامج الكوري مخصصا للأغراض السلمية‏,‏ وقد اعترفوا بالفعل بامتلاكهم أسلحة نووية؟

عندما نعود مرة أخري سنفكك هذا السلاح النووي‏,‏ وستتخلي كوريا الشمالية عنه‏,‏ ونتأكد كما تم في جنوب إفريقيا في الماضي أن السلاح النووي في كوريا الشمالية قد تم تفكيكه‏.‏

بالنسبة لإيران يعتبر البعض أن قرار مجلس المحافظين غير قانوني‏,‏ والبعض الآخر يعتبره قانونيا‏,‏ فما تعليق سيادتك علي ذلك؟

وهل هناك جديد من الأطراف المعنية بعد صدور القرار؟

القرار أقر بأغلبية أعضاء مجلس محافظي الوكالة‏,‏ وبالطبع فالقرار له صفة قانونية لأنه أقر طبقا لمواثيق وإجراءات الوكالة‏,‏ هذا ليس هو الموضوع في كل الأحوال‏,‏ لكن الموضوع هو ماذا بعد هذا القرار؟

ومن الأهمية بمكان أن تعود جميع الأطراف إلي التفاوض مرة أخرى‏,‏ وأن تعود إيران إلي التفاوض مع الاتحاد الأوروبي‏,‏ ومن خلال الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة لبناء الثقة بين إيران والمجتمع الدولي‏ ومن ناحية أخري أن نستمر في عملنا في إيران حتي يمكن أن نتأكد أن جميع الأنشطة النووية مخصصة للأغراض السلمية‏.

‏إننا لم نتوصل بعد إلي نتيجة فيما يتعلق بطبيعة هذا البرنامج‏,‏ وما إذا كان مخصصا فقط للأغراض السلمية‏.‏

آمل أن نكثف أنشطتنا في الأسابيع القليلة المقبلة حتي نتأكد ونستطيع أن نقدم تأكيدات للمجتمع الدولي بأن هذا البرنامج مخصص للأغراض السلمية‏.‏ وقد أكد لي المسئولون الإيرانيون في الأسبوعين الماضيين أنهم سيستمرون في التعاون مع الوكالة‏,‏ وأنهم سيحاولون من خلال تعاونهم أن نتأكد أن برنامجهم مخصص للأغراض السلمية‏.‏

هل هناك جديد من إيران أو من أطراف أخرى بعد صدور القرار؟

نحن ننتظر رد فعل إيران‏,‏ فقد ذكروا أنهم سيقومون بالرد في الأيام المقبلة‏,‏ آمل أن يكون رد الفعل الإيراني متوازنا وألا يؤدي إلي التصعيد‏.‏

في اتصالاتي مع المسئولين الإيرانيين أكدت لهم أنه من الأهمية ومن مصلحة إيران أن تستمر في التعاون معنا وأن تعود مرة أخرى إلي مائدة المفاوضات‏.‏ هناك الكثير من الدول مثل الصين وروسيا وجنوب إفريقيا تقوم بأنشطة كثيرة من وراء الستار لمحاولة إعادة إيران والاتحاد الأوروبي مرة أخري إلي مائدة التفاوض‏ فأنا مازلت متفائلا بأن هناك فرصة لحل هذا الموضوع عن طريق التفاوض‏,‏ وهذا الموضوع لن يحل إلا عن طريق التفاوض لأنه مثل موضوع كوريا الشمالية يتعلق بالأمن الإقليمي‏,‏ والعقوبات الاقتصادية المفروضة علي إيران‏,‏ وبتقديم إيران تأكيدات أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية‏,‏ ولابد أن يجلس الأطراف جميعا علي مائدة المفاوضات لحل هذا الموضوع‏.‏

بالنسبة للشرق الأوسط كان من المقرر عقد منتدي من أجل جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية تحت رعاية الوكالة ولم يعقد‏..‏ فما السبب في ذلك؟

للأسف الأطراف ـ الدول العربية وإسرائيل ـ لم تتفق علي جدول أعمال هذا المنتدي‏,‏ أنا بالطبع آسف علي ذلك لأننا كوكالة حاولنا الكثير أن يأخذ المنتدي مكانه ويعقد ويدخل حيز التنفيذ‏,‏ لكن للأسف كان هناك تعنت من الأطراف فيما يتعلق بالاتفاق‏.‏

أنا في رأيي أن هذه فرصة ممتازة لعقد هذا المنتدي‏,‏ لأن هذه ستكون أول مرة تجلس فيها الدول العربية مع إسرائيل لتناقش الخطوات اللازمة التي يجب اتخاذها لإنشاء منطقة منزوعة السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط‏.‏

إن عدم وجود حوار حول الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بالتوازي مع عملية السلام هو ثغرة كبيرة لابد أن تنتبه إليها الدول العربية‏,‏ وأن ينتبه إليها المجتمع الدولي لأننا لا نستطيع أن نبني السلام في الشرق الأوسط دون نظام يتوازي مع إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل علي الحد من السلاح الإقليمي‏.‏

الدول العربية تهدر البلايين علي الأسلحة التقليدية في منطقة الشرق الأوسط‏ ولا يكفي أن نقول إن إسرائيل خارج الاتفاقية هذا صحيح‏,‏ لكن يجب أن نفكر في استراتيجية نستطيع أن نحقق معها كيف نستطيع أن ننتقل من هذه النقطة إلي ما نود أن نراه في المنطقة‏,‏ وهو شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل‏.‏

هل يري الدكتور محمد البرادعي أن هناك إمكانا للتوصل إلي تقريب وجهات النظر بين إسرائيل والعرب في فترة الولاية الجديدة؟

بالطبع نحن نحاول‏,‏ إنما كما يقولون أنا أستطيع أن أجلب الحصان إلي حلبة السباق لكنني لا أستطيع أن أفرض عليه أن يقوم بالجري‏,‏ وهذا بالطبع ما نقوم به‏,‏ إنما المسئولية في المقام الأول والأخير تقع علي الدول الأطراف في المنطقة‏,‏ أعتقد أن هناك بعض التفاؤل في الوقت الحالي خاصة بعد انسحاب إسرائيل من غزة‏,‏ فضلا عن أن العلاقات أكثر دفئا بين إسرائيل ومصر‏,‏ وإسرائيل والأردن‏.‏

ما موقف الوكالة من انضمام إسرائيل إلي معاهدة منع الانتشار النووي؟

بالطبع نحن من الناحية القانونية ليس لدينا صلاحيات علي الدول التي خارج الاتفاقية‏,‏ نحن منظمة تلتزم بما عهدت إلينا به الدول الأعضاء‏.‏

الدول الأعضاء ذكرت لنا أنه يجب علينا أن نقوم بالتفتيش علي الدول التي انضمت إلي اتفاقية منع الانتشار النووي‏,‏ وهذا ما نقوم به‏,‏ وهناك الكثيرون الذين يقولون لماذا تقوم الوكالة بالتفتيش علي إيران وليس علي إسرائيل علي سبيل المثال‏,‏ فهذا ليس قرارنا‏.‏

لكن هناك من يعتقد أن التوقيع علي المعاهدة بمثابة عقوبة لأنه لو أن إيران وكوريا لم توقعا لما كانتا تحاسبان بهذه الصورة؟

هذا صحيح إنما من الناحية الأخري لابد أن نفهم أن اتجاه المجتمع الدولي من عام‏1970‏ عندما عقدت اتفاقية منع الانتشار النووي أن العالم لابد أن يسير نحو الإخلاء‏.‏

إخلاء العالم بالكامل من السلاح النووي حيث إن هناك خيارين‏,‏ إما أن نري زيادة عدد في الدول التي تملك السلاح النووي وهذا في رأيي هو بداية النهاية للبشرية لأن احتمالات استخدام إحدي هذه الدول السلاح النووي ستكون أكبر بكثير إذا كان لدينا ليس فقط‏8‏ أو‏9‏ دول‏,‏ وإنما‏20‏ أو‏30‏ دولة‏.‏

مازلت أري أن الحل هو الضغط علي الدول التي لديها سلاح نووي‏,‏ سواء داخل الاتفاقية الدول الخمس المعترف بها علي أنها دول نووية أو علي الدول التي خارج الاتفاقية وهي‏:‏ الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية‏.‏

الحل ليس أن تخرج الدول العربية من اتفاقية السلام النووي‏,‏ وأن نبدأ سباقا لانتشار السلاح النووي في المنطقة‏,‏ لكن الحل هو أن نعمل علي إيجاد الظروف لدخول إسرائيل إلي الاتفاقية ودخول الهند وباكستان وتخليهما عن سلاحهما النووي وتخلي الولايات المتحدة وروسيا وغيرها كذلك عن السلاح النووي‏,‏ هذا هو الطريق.

هل ترى سيادتك أن النظام الحالي عادل؟

بالطبع ليس عادلا وليس كاملا‏,‏ وأنا أوجه دائما انتقادات أنه لابد من بذل جميع الجهود لبناء نظام للأمن الدولي يمد مظلة الأمن إلي جميع الدول‏,‏ وألا تكون فقط بعض الدول تعتمد علي نظام الردع النووي‏ وهناك غالبية من الدول تشعر بأن أمنها مهدد لأن هناك عدم توازن فيما تملكه من أسلحة وعدم توازن في مواردها الاقتصادية وفي التنمية الاقتصادية‏ ويجب أن نفهم أن إغفالها لم يجعلها تختفي‏,‏ وهذه المسائل ستظل أمام أعيننا‏,‏ وستظل تهدد وجودنا ما لم نأخذ المبادرة ونتوصل إلي حل لها اليوم قبل الغد‏.‏

هذا يقودنا إلي أن الضغط لابد أن يكون من الولايات المتحدة كما ضغطت علي كوريا الشمالية وإيران‏,‏ فمن المفروض أن تضغط علي إسرائيل لكي تنضم إلي المعاهدة؟

أنا لا أعتقد للأسف أن أي دولة ستنضم لمعاهدة منع الانتشار النووي عن طريق عملية الضغط رأينا هذا في الهند وباكستان‏,‏ ونأمل أن تقوم إسرائيل بالانضمام إلي اتفاقية منع الانتشار‏,‏ ولكي نكون واقعيين أعتقد أن انضمام إسرائيل للاتفاقية سيكون ضمن نظام الأمن الإقليمي وفي إطار السلام في منطقة الشرق الأوسط‏.‏

بالطبع لابد أن تكون دائما الرسالة الموجهة للشرق الأوسط هي أن أملنا أن يكون هناك شرق أوسط خال من السلاح النووي‏.‏

تحدث السيد كوفي أنان عن الإصلاحات في منظمة الأمم المتحدة‏,‏ أين تقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية من هذه الإصلاحات؟

بالطبع عملنا مرتبط إلي حد كبير بالأمم المتحدة لأن نظام منع الانتشار يقوم في النهاية علي الاعتماد علي مجلس الأمن إذا ما أخلت إحدي الدول بالتزاماتها‏.‏

مجلس الأمن في الوقت الحالي غير فعال في كثير من الأحيان‏,‏ هناك الكثير من المسائل التي ترتبط بالأمن الدولي والأمن الإقليمي لابد أن تعالج بطريقة مختلفة‏.‏

بعدم ازدواجية علي الأقل؟

عندما نتكلم عن الازدواجية يجب أن نفهم لماذا توجد الازدواجية‏,‏ فالازدواجية مبنية علي عدم وجود توازن في القوى‏,‏ وإذا أردنا أن نتخلي عن ازدواجية المعايير لابد أن يكون هناك توازن قوي‏ وهذا يرجع مرة أخرى إلي أن جميع الدول العربية‏,‏ لابد أن تبني بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية‏.‏

عندها ستكون في مركز أقوي بكثير لأن تدافع عن مصالحها ولن تكون هناك ازدواجية في المعايير‏.‏في واقع الأمر أنا مستاء لما تم حتي الآن فيما يتعلق بإصلاح الأمم المتحدة‏,‏ وكوفي أنان يشاركني هذا‏ لكننا كموظفين دوليين يجب ألا نيأس‏,‏ بل يجب أن نستمر في العمل وفي الحديث وفي الإقناع حتي تفهم دول المجتمع الدولي أن مصلحتها ليست في أن تنظر إلي هذه المسائل في إطار نظرة أنانية مطلقة‏,‏ وإنما أن تنظر أنه في إطار العالم الجديد الذي نعيش فيه سننجح كلنا معا أو سنفشل كلنا معا‏,‏ ليس هناك إمكان لأن ينجح البعض وأن يفشل البعض‏.‏

المصدر : الاهرام المصرية - 3- 10-2005 - أجرى الحوار فى فينيا : مصطفى عبدالله