في حوار شامل وصريح أجراه الكاتب والباحث الجزائري المهندس غريبي مراد عبد الملك:هذه رؤيتي للعراق الجديد

 

 

توطئة

كيف هو العراق اليوم؟

كيف يعيش العراقيون؟

ما الذي يحركهم ويؤثر فيهم؟

ما الذي يريده أهل الرافدين؟

ما هي تطلعاتهم؟

ما هي أحزانهم وأوجاعهم؟

ماذا عن الإرهاب والسياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والفكر والدين والوطن في العراق؟

وما الذي يقصد بالعراق الجديد؟

أفكار وحقائق في هذا الحوار مع الأستاذ نـــزار حيدر، مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن.

غريبي مراد عبد الملك  

السؤال الأول:

يبدو الحديث عن العراق مجازفة، لأغلب من يرغب في ذلك، من غير أهله.  

فكل بلد له سماته التي تميزه عن غيره، من الجغرافيا والتركيبة البشرية والتاريخ الإنساني، إلى الثقافة والحضارة مرورا بالسياسة والاجتماع، وما إلى ذلك.

والعراق بخصوصيته، يجتذب العقول والقلوب للغوص في عمقه التاريخي والإنساني والثقافي والحضاري؟.

من هنا نستهل حوارنا مع الأستاذ حيدر، بالسؤال التالي: ماذا يعني العراق بالنسبة للأستاذ نــــــــزار حيدر؟.

الجواب:

كما لا يجوز لمن يريد أن يغوص في بحر لجي، إلا أن يكون ماهرا في فنون الغوص والسباحة، والا، فان مجازفته انتحار، كذلك لا يجوز لمن يريد أن يغوص في خصوصيات بلد ما، إلا أن يكون ماهرا في فن المعرفة، عارفا بماضي البلد وحاضره، وبكل تفاصيله، والا فانه سينتحر إذ غاص في أعماقه من دون معرفة، كما انه سيظلم نفسه ويظلم شعب ذلك البلد الذي يغوص فيه من دون معرفة.

وكما أن على الغواص أن يزيد من استعداداته، كلما تعرف على العمق الحقيقي للبحر الذي ينوي الغوص فيه، كذلك فان على الباحث عن الحقيقة، الذي يريد أن ينصف بلدا ما، في البحث والتحليل والقراءة والدراسة، أن يستعد لكل ذلك، ويزيد من أخذ الاحتياطيات المعرفية، كلما علم بالعمق التاريخي والحضاري للبلد الذي يريد الغوص فيه، حتى تأتي دراسته منصفة، لا يظلم فيها أحد، ولا يظلمه أحد فيها وفي حالة بلد كالعراق، فان من يريد أن يدرسه عليه أن يستعد كثيرا ويوسع من آفاق بحثه، لتأتي نتائج بحثه منصفة وصحيحة وحقيقية، لما يمثل العراق من بعد تاريخي وعمق معرفي، يمتد إلى آلاف السنين وان ما يؤسف له حقا، هو أن اغلب من أراد أن يدرس العراق، لم يأخذ استعداداته المعرفية اللازمة والكافية، ولذلك لم تأت نتائج بحوثه صحيحة، فظلموا أنفسهم، وظلموا العراق وشعبه.

لقد انبرى كل من هب ودب للكتابة عن العراق، وان أكثرهم لم يتجشم عناء حتى قراءة تاريخه الحديث فضلا عن القديم، وبإحصائية علمية بسيطة، نهتدي إلى أن العراق هو من أكثر القضايا التي يتصدى للكتابة عنها الكتاب والباحثون، من دون معرفة مسبقة، ولهذا فانه من أكثر القضايا التي ظلمت وظلم أهلها.

بالنسبة لي، فان العراق هو انتمائي الحضاري والديني والمذهبي والوطني والقومي، لأن العراق هو العمق الاستراتيجي الحقيقي لكل هذه الانتماءات فالعراق هو بلد الحضارات، ومهد الرسالات السماوية، ومنبت المدارس الفكرية والسياسية والأصولية والفقهية، كما أنه حاضنة المذاهب الدينية التي تأسست وترعرعت في ربوعه، وعلى رأسها مذهب أئمة أهل بيت النبوة والرسالة(عليهم السلام) فهو عش مدرسة آل البيت عليهم السلام، وفيه أقيمت أول وآخر حكومة صالحة منتخبة من قبل الناس، مثلت العدل الإلهي على الإطلاق {بعد دولة الرسول الكريم في المدينة المنورة} ألا وهي حكومة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

أما العراق العربي، فلا يمكن لأحد أن يزايد عليه أبدا، فهو عمق العروبة النقي من دون تعصب قومي أو عنصرية عربية، ولذلك احتضن العراق كل القوميات الأخرى من دون حساسية، لأن عروبة أهله صافية من التعصب الأعمى والعنصرية البغيضة، ولذلك ساهم في نتاج عروبته ولغته العربية الصافية، حتى غير العرب من علماء وفقهاء وزعماء مدارس في اللغة والنحو.  

السؤال الثاني:

سماحة الأستاذ؛ منذ سقوط النظام الغاشم في ربيع 2003 والى يومنا هذا، كتبتم مقالات عديدة، حول الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، بما فيها من استشرافات مستقبلية لهذا العهد الجديد.

أية فلسفة أو ترشيد تحاولون إظهارها؟.

الجواب:

لقد حاولت بكل ما كتبته أن أميط اللثام عن مجموعة حقائق، وهي كالتالي؛

أولا: أن أضع النقاط على حروف المشكلة الحقيقية التي عاشها العراق الجديد منذ التأسيس ولحد سقوط الصنم، والتي تتمثل بالطائفية السياسية والعنصرية بأسوأ صورها وأقبح أشكالها، تمثلت بحكم الأقلية وتهميش الأغلبية، أولا، ثم إقصائها عن السلطة والحياة تاليا، في خطة قتل وتدمير متعمدة ومدروسة، استمرت أكثر من ثمانين عاما.

وإنما حاولت أن أوضح حقيقة هذا الأمر، لأني أعتبره أس المشاكل التي مر بها العراق طوال عمره الحديث، والانكى في هذه المشكلة، هو أن الأغلب الأعم لا يريد الاعتراف بهذه المشكلة، ما يعني، في الحقيقة، تهربه من إيجاد الحل الجاد لها، فان مثل من يتهرب من تشخيص أسس المشكلة وجذورها، ثم يجلس على الطاولة باحثا عن حلول، كمن يرفض الاعتراف بإصابته بداء عضال، ثم يطلب من الطبيب أن يصف له الدواء الناجع.

أنا أكره أن ألف وأدور، وأكره المجاملة على حساب الحق، وأكره الفلسفة والسفسطة عند الحديث عن قضايا العراق وحقوق العراقيين، فأنا، في كل ذلك، أحب الحديث المباشر، ولذلك قررت أن أختصر المسافة وأختزل الزمن وأوفر معاناة البحث عن المواطن العراقي المسكين، فبادرت إلى وضع الإصبع على الجرح، وان كنت أعرف جيدا بأنه سيؤلمنا جميعا، إلا أن ألم الشفاء، مهما كان عظيما، أفضل من ألم المرض مهما كان بسيطا، فالأول يطمئن إليه الإنسان لأنه ينتهي به إلى الشفاء والعافية والصحة، ولذلك يتحمله ويصبر عليه، تحمل الأم ألم المخاض، أما الآخر، فلا يزيد الإنسان إلا يأسا وقنوطا، ولذلك لا يصبر عليه طويلا.

ثانيا؛ لا يمكن بناء العراق الجديد، إلا بالاعتراف بكل مكوناته الاثنية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية، فالعراق المتعدد على مختلف الأصعدة، سوف لن يشهد الاستقرار والرفاهية، إلا إذا امن أهله بهذه التعددية واعترفوا بها وبنوا على أساسها قناعاتهم.

فعلى الأغلبية الشيعية، أن تتعلم من درس الماضي فلا تطغى بحجة المظلومية التي تعرضت لها.

وعلى الأقلية السنية أن لا تظل تحن إلى الماضي، وتبكي على الأطلال التي اندرست بسقوط النظام البائد، وعليها أن تتيقن بأن الماضي ولى والى الأبد، ولا يمكن لعقارب الساعة في العراق أن تعود إلى الخلف أبدا، مهما كان الثمن، وعليها أن تفك ارتباطها، العاطفي على الأقل، بالماضي الأسود ولا تصر على الانتماء إليه، بمناسبة أو من دون مناسبة،  فالزمن تبدل، ولا بد لها أن تستوعب ما يجري في العراق الجديد.

كما أن على الأقليات الأخرى، الاثنية والدينية وغيرها، أن لا تبطر أو تطغى وتسعى للتمدد إلى خارج حدود حقوقها، مستغلة الظلامات التي تعرضت لها.

على جميع العراقيين، أن يكون شعارهم المفضل هو الآية المباركة التي تختصر فلسفة العدل بقولها{لا تظلمون ولا تظلمون} (بفتح التاء وكسر اللام في الأولى، وضم التاء وفتح اللام في الثانية) فلكل حق في العراق، لا يجوز أن يتمدد به ليتجاوز على حقوق الآخرين.

ثالثا؛ العراق بلد الحضارة والدين والمدنية والخيرات، يمتلك كل مقومات النهوض، من العقل المبدع والعمق التاريخي والإمكانيات اللازمة، إلا انه يفتقر إلى شئ واحد فقط، هو الذي حال بينه وبين النهوض والتنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ألا وهو الحكومة الصالحة والعادلة، التي تصب همها من أجل تحقيق هدف التنمية، فلا تميز بين المواطنين على أي أساس، ولا تنحاز إلى فئة دون أخرى، ولا تسرق ولا تعتدي على حقوق الناس، ولا تميز في العطاء، ولا تفرق بين منطقة وأخرى.

لقد ابتلي العراق بحكومات فاسدة وأنظمة شمولية وحكام جائرين، عاثوا في البلاد الفساد، وأهدروا خيراتها، وباعوا الوطن للأجنبي، فشح البترول ومشتقاته في بلد البترول، وانعدم الماء في بلاد ما بين النهرين، وجاع الناس في أرض السواد، وانتشرت الأمية والجهل والتخلف في بلد الحضارة والعلم وصناعة الكتابة والرسم والترقيم، وهكذا، وكلنا يعرف، أن لكل كنية من كنى العراق المذكرة أعلاه، معنى حقيقي وواقعي يمتد في عمق التاريخ، إلا أن حكام الجور حولوا البلاد إلى تابع صغير في المنظومة الاستعمارية الكبرى.

من هنا، أنا أعتقد بأن من المهم أن يحل العراقيون المعضلة السياسية أولا، فيقيموا الحكم الصالح والعادل، وعندها سنرى، بكل تأكيد، وقد أصبح العراق المصداق الواقعي الجلي لقول الله عز وجل في محكم كتابه الكريم{وألو استقاموا على الطريقة، لأسقيناهم ماءا غدقا}.    

السؤال الثالث:

التقاطع بين الماضي القريب الأسود، والحاضر المتأزم، يقود إلى عدم الاستقرار والأمن والتنمية والتفاؤل في العراق. 

ما هو المخرج والخلاص، في نظركم، من هذا المخاض العسير؟.

الجواب:

برأيي، فان الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه لتقدم العملية السياسية برمتها، هو المدخل الحقيقي للخلاص من المأزق، لأن التقدم بالعملية السياسية إلى الأمام سينزل اليأس والهزيمة في نفوس كل من لا زال يحلم بالعودة بالعراق إلى سابق عهده، هذا الحلم الذي يدفعه لممارسة الإرهاب بكل أشكالهن أو دعمه وتأييده على الأقل.  

إن التقدم هذا سيكرس نظرية {تقادم الزمن} التي أثبتت أنها المفصل الاستراتيجي، بين زمنين، الماضي والحاضر، في كل حالات التغيير الجذري التي تشهده الأمم والشعوب، منذ أن خلق الله تعالى الإنسان، ولحد اليوم.

خذ مثلا على ذلك، مرحلة التأسيس الإسلامي الأولى على عهد رسول الله (ص) والتي كان فيها المسلمون عند مفترق طرق، بين أن يستسلموا لإرهاب المشركين من قريش، أو أن يعظوا على الجراح ويتحملوا ويواجهوا التحديات، للوصول إلى الهدف المنشود، والذي كان يتمثل وقتها بتثبيت الرسالة، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.

فكان صبر المسلمين وتحملهم هو العنصر الحاسم في هزيمة المشركين، لأنه كرس نظرية {تقادم الزمن} فكلما كان الزمن يتقدم إلى الأمام خطوة، كان المشركون يتراجعوا إلى الوراء بقدرها، حتى كتب الله تعالى لهم النصر المؤزر في نهاية المطاف.  

هذه المعادلة التي يطلقون عليها في علم السياسة الحديث، مصطلح {سياسة عض الأصابع} فيقولون، من يصرخ أولا، فسيخسر المعركة، ولذلك، لا يخطر على بال العراقيين أن يصرخوا أولا، ولا آخرا، قبل أن يروا الإرهابيين وقد توالت صرخاتهم، إيذانا بالهزيمة المنكرة، أمام صبر العراقيين وجلدهم وعنادهم.

إن (تقادم الزمن) عنصر هام في تحقيق التحولات الكبرى في حياة الشعوب دائما، ولن يستثنى العراق والعراقيون منه.

هناك نقطة هامة أخرى في هذا الصدد، ألا وهي؛ إن على الحكومة العراقية، أن تتحدى الإرهاب بالعمل الايجابي، من خلال مضاعفة وتيرة تقديم الخدمات للناس، وعلى مختلف الأصعدة، حتى يتزامن البناء الجديد مع عمليات التخريب التي ينفذها الإرهابيون، فلا تدع الحكومة مجالا لتراكم نتائج أعمالهم الإجرامية، ليفهم الجميع بأن الإرهاب لن يثني العراقيين، ولن يشغلهم عن العمل لأهدافهم، بالضبط، كما فعل العراقيون في ملحمة الانتخابات السابقة، عندما بذل الإرهابيون (ومن تخندق خلفهم) كل جهدهم لإفشالها من خلال إرعاب الناس والحيلولة دون ذهابهم إلى صندوق الاقتراع، إلا أن إصرار العراقيين، أفشل خططهم، وساعد على تقدم العملية السياسية إلى الأمام، فلو كان العراقيون، مثلا، أصغوا إلى نداءات الوسواس الخناس، وانهزموا أمام تهديدات الإرهابيين، وقبلوا بتأجيل الانتخابات، بحجة أن ذلك سيقلل من اندفاع الإرهابيين، لكانوا اليوم يعضون على أصابعهم ندما، إذ كانوا قد خسروا تقدم العملية السياسية، ولم يربحوا الأمن، ولكانوا قد قدموا للإرهابيين النصر على طبق من ذهب.   

السؤال الرابع:  

أستاذي الفاضل نــــــــزار، أين تكمن قوة العراق، في تصوركم؟. 

الجواب:

إن قوة العراق بتعدديته الفريدة، وبهذا التوازن الاستراتيجي بين الانشداد للماضي، بكل ما فيه من حضارة ودين وتاريخ فكري وثقافي عريق، والانتماء للحاضر والمستقبل، بما يحمل في طياته من آفاق حضارية ومدنية واسعة جدا.

على المستوى الأول، نحن نعرف أن الحضارات لا يصنعها شعب بمفرده، أو أمة لوحدها، لأن الحضارات نتاج تلاقح عقلي وفكري وثقافي، يمتد على مسافة طويلة من الزمن.

حتى حضارة الإسلام، لم يشيدها قوم واحد، أو بنتها شريحة واحدة، إنما ساهم فيها العربي والفارسي والحبشي والكردي والتركي، وكل من دخل الإسلام وامن به كدين سماوي حضاري، يحمل في ثناياه، كل مقومات الحضارة والتجديد، على مر العصور وفي كل مكان.

ولأن العراق يحتضن كل هذا التنوع والتعددية، في الانتماءات على مختلف الأصعدة، لذلك، فان الشعب العراقي يعد من الشعوب النادرة التي تحمل في ذاتها القابلية على الإنتاج (الفكري) والتجديد (الحضاري) والتطوير(المدني) ولهذا السبب، ربما، استعصى العراق على الهضم من قبل كل الطغاة والغزاة الذين مروا في تاريخه، كما أنه استعصى على الانزلاق في مهاوي التفتت، لأن التعددية، دائما وأبدا، كانت، ولا تزال، مصدر قوة للفرد والمجتمع، بالإضافة إلى البلد.

على المستوى الثاني، فان العراق استعصى على الانسلاخ من الماضي، لوعي العراقي بأهمية الانتماء إليه، فان أمة بلا تاريخ، لهي أمة في مهب الريح، تهوي به في كل واد سحيق، ولقد رأينا مصير الأمم والشعوب التي تنكرت لماضيها فترة من الزمن، لتجد نفسها لقمة سائغة لكل من هب ودب.

كما أنه يرفض الوقوف عند التاريخ، مهما عظمت أهمية هذه المحطة منه أو تلك، لأن شعبا بلا حاضر متجدد،ومستقبل رحب، لهو شعب مشلول عاجز، مثله كمثل الماء الذي يركن إلى بركة، رافضا الحركة والتغير، سيتحول بالتأكيد إلى ماء آسن، وتتغير رائحته وطعمه، بمرور الزمن، وبالتالي يتحول إلى وبال على الناس، بدلا من أن يكون نافعا لهم، يمنحهم الحياة ويعينهم على قضاء حوائجهم.    

السؤال الخامس:

كيف تبدو الأمور في ظل الجدل حول الفيدرالية، ومسودة الدستور عامة والاستفتاء خاصة؟.

الجواب:

لقد حسم الجدل على هذه الأمور إلى درجة كبيرة، بعد أن تم تقديم مسودة الدستور من قبل الجمعية الوطنية، إلى الأمم المتحدة، ليتم اعتمادها بشكل رسمي، فتطبع وتوزع على العراقيين.  

يبقى أن ننتظر ما سيقوله الشعب العرقي يوم الاستفتاء في الخامس عشر من الشهر القادم(تشرين الأول) فرأيه سيكون الفيصل في قبول أو رفض هذه المسودة التي اعتمدها ممثليه المنتخبين، وكلي ثقة من أن العراقيين سيدرسون ويناقشون المسودة جيدا، وسيقولوا رأيهم بوعي ومسؤولية.

السؤال السادس:  

وماذا عن الأوساط الإعلامية التي تروج لمحاولات كردية وشيعية، للانفصال عن العراق، وتحقيق الاستقلال الذاتي؟.

الجواب:  

بالله عليك أسالك، هل يعقل أن يفكر رئيس بلد ما، بالانفصال؟ وهل يعقل أن يفكر رئيس وزراء بلد ما، بالانفصال كذلك؟.

إن الكرد والشيعة اليوم، هم السلطة في العراق الجديد، فكيف يمكن أن يفكروا بالانفصال؟ وهل يفكر بهذه الطريقة من يشترك بإدارة البلد، فيترك الحصة الكبيرة من أجل حصة أصغر؟ إلا أن يكون مجنونا، وهو غير الشيعة والكرد بكل تأكيد.

إن ما يروج له الإعلام العنصري والطائفي البغيض، بهذا الصدد، إنما يروج لما يقوله الإرهابيون، لتسويق أنفسهم عند من غسلوا أدمغتهم، واستدرجوهم إلى فخ ممارسة الإرهاب الذي وقع فيه كثيرون.

انه يروج لأمنياته التي تدور في خلده، لأنهم لا يريدون أن يروا عراقا واحدا متحدا قويا، وكلنا يعرف فان الانفصال ضعف، وتمزيق العراق انهيار في عالم الاتحاد والقرية الصغيرة، والكتل الكبيرة، والتي تزداد نموا يوما بعد آخر.

إنهم يخافون من العراق الكبير، ولذلك يروجون لفكرة الانفصال، وكأنهم يشجعون عليها وينظرون لها، سعيا منهم لدفع العراقيين إلى الانفصال عن بعضهم.

إنهم يتمنون أن يقسم العراق ليكون لدول الجوار لقمة سائغة، إنهم يريدون العراق، كأغلب دول المنطقة، كانتونات صغيرة لا تتعدى شعوبها عدد أصغر مدينة عراقية، ليبرروا وجودهم كدول لعوائل مالكة، تستحوذ على كل شيء.  

لقد تم التأكيد في أكثر من مادة قانونية وفقرة دستورية، على وحدة العراق، كما أن قبول الشيعة والكرد بتقاسم الثروة مع بقية شركاء الوطن، دليل عقلي ومنطقي وواقعي كبير على رفضهم الانفصال، وحرصهم على وحدة البلاد.

إن من يريد الانفصال، لا يشارك الآخرين ثرواته، وكلنا يعرف جيدا فان أكبر مخزون للنفط والغاز في العالم، موجود في المنطقة الشيعية والكردية، فألا يكفي ذلك دليل على حرص من دون مسودة الدستور، على وحدة العراق؟.

إن الذي يهدد هذه الوحدة، هم الإرهابيون، وكل من يردد ما يقولونه، أو يدعمهم أو يسكت عن جرائمهم البشعة.

عندما يشعر العراقيون بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، ومتكافئون في الفرص، لا يمنع القانون أحدهم من تسنم أي منصب سيادي، بسبب لون أو جنس أو عنصر أو دين أو مذهب، ولا يميز بينهم الدستور على أي أساس، فكلهم مواطنون من الدرجة الأولى، بغض النظر عن انتماءاتهم بكل أشكالها، عندها لا أحد سيفكر بالانفصال أبد.

السؤال السابع:  

الفيدرالية وسنة العراق، هل هي العقبة والعقدة الشائكة، في تقدم الاستقرار السياسي العراقي؟. 

وأين تكمن المشكلة لدى سنة العراق، إذا كانت الفيدرالية تتصف بكل تلك الميزات الايجابية التي ذكرتها في أحد مقالاتك، حول الفيدرالية والأقاليم؟.

الجواب: 

حتى لا نظلم العرب السنة في العراق، أود أن أضع النقاط التالية على الحروف أدناه؛

أولا؛ لم يثبت للعراقيين، بأن من يفاوض باسم السنة العرب، هم من يمثلهم بالفعل، فضلا عن أن المفاوضين أنفسهم مختلفين فيما بينهم إلى درجة الانشقاق. 

أنا شخصيا أستلم يوميا العديد من الرسائل الالكترونية من سياسيين ومثقفين ومسؤولي مؤسسات المجتمع المدني، وغيرهم، من المناطق السنية، خاصة من العاصمة بغداد والموصل، وأحيانا من الرمادي وصلاح الدين، فضلا عن كركوك، يؤكدون فيها رفضهم لمواقف (المفاوضين) المفترضين عنهم، بل أن بعضهم يعتبر هؤلاء (لصوص مواقف) و(تجار فاشلين باسم شريحة مهمة من شرائح المجتمع العراقي) على حد تعبير الكثير من هذه الرسائل.  

لذلك، فان من الخطأ الكبير، برأيي، تحميل السنة العرب مواقف هؤلاء. 

ثانيا؛ المشكلة أن موقف هذه الشريحة ارتهن بين مطرقة الإرهابيين من أيتام النظام البائد والتكفيريين، وبين سندان (المفاوضين) المترددة والانتهازية التي تحن إلى الماضي الأسود.

وبين المطرقة والسندان، ضاع صوت السنة العرب، واختطف رأيهم الحقيقي، واغتيل موقفهم الصحيح.  

أتمنى أن تمنح الظروف الأمنية، المجال بشكل أوسع، أمام هذه الشريحة لتعبر عن موقفها الوطني الحقيقي، وعندها سنكتشف حجم أكذوبة( المفاوضين) وكيف أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، أو أقل من ذلك بكثير.  

والا، هل يعقل أنه لا يوجد غير البعثيين والقتلة والمجرمين من يمثل السنة العرب؟.

وهل يعقل بأن صور الطاغية الذليل، وحدها التي تمثل هؤلاء؟.

بالتأكيد كلا، فان أغلب هذه الشريحة يئست من عودة عهد الطاغية، مهما بذل الإرهابيون وأيتام النظام من جهد دموي.

على العراقيين، مساعدة هذه الشريحة للتعبير بشكل أصدق وأكثر واقعية عن رأيها من الأحداث وموقفها من تفاصيل العملية السياسية.

إن هولاء (المفاوضين) المفترضين لم ينتخبهم أحد ولم يفوضهم طرف، إنما تم تعيينهم من قبل الأطراف السياسية التي فازت بالانتخابات، وبعد تجربة الأشهر الماضية، أعتقد انه ثبت لهؤلاء خطأ اختيارهم لهذه المجموعة، خاصة، بعد أن فوض (المفاوضون) السفير الاميركي في بغداد (الذي أهداهم مبلغ 50 ألف دولار لكل واحد منهم للمشاركة بلجنة صياغة الدستور) للتفاوض بالنيابة عنهم.

ثالثا؛ لقد أبرقت هذه المجموعة وأرعدت، كونها قادرة على التأثير على (المسلحين) إذا ما اشتركوا في العملية السياسية واقتنعوا بالنتائج، إلا أن الأحداث الإرهابية الدموية الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك من أن هؤلاء لا يمتلكون أية أوراق ضغط على أية شريحة من شرائح العرب السنة، لا بالسلب ولا بالإيجاب، ما يعني أنهم كذبوا على أنفسهم قبل أن يكذبوا على الآخرين، ولقد رأيناهم كيف كانوا يتعاملون إعلاميا مع التطورات السياسية، فبدلا من أن يوجهوا خطابهم السياسي للمجموعات المسلحة انطلاقا من قناعاتهم السياسية، رأيناهم يحرصون على أن تتناغم قناعاتهم مع الخطاب الإرهابي العنصري والتكفيري لهذه المجموعات، وبمعنى آخر، لقد كانوا الناطقين الرسميين للإرهابيين ولجرائمهم، من دون أن يسعوا إلى إقناع الإرهابيين بأجنداتهم السياسية. 

النقطة المهمة جدا التي يجب الالتفات إليها هي، أن زعماء المجموعات الإرهابية، ليسوا من العراقيين وإنما من قذارات العرب التي تجمعت من هنا وهناك لتقاتل ضد الشعب العراقي الناهض للتو من تحت ركام النظام الشمولي، ما يعني أن هؤلاء (المفاوضين) ليس لهم أي تأثير على هؤلاء، وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن الإرهابيين يتلفعون بالدين وبالفتوى الدينية الطائفية لتنفيذ جرائمهم، بمعنى آخر، أنهم يمثلون التيار(الديني) على وجه التحديد، وليس التيار القومي أو العروبي، عندها سنتيقن بأن(المفاوضين) الذين يمثلون التيار القومي والعروبي( على حد زعمهم) لا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن يتركوا أي أثر على الإرهابيين، فالإرهابي لا يأخذ فتواه التحضيرية للقتل واستباحة الدماء من هؤلاء، أبدا، فهؤلاء، بكلمة أخرى، خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل.  

أما القوميون العنصريون من هذه المجموعات الإرهابية، من أيتام النظام البائد، فإنهم يعتبرون نماذج (كالمفاوضين) مرتدون عن مبادئهم بسبب الخوف أو الطمع، فكيف لهم أن يؤثروا على قناعاتهم؟.  

تأسيسا على ذلك، أعتقد أن على القوى السياسية، أن تغير معيار اختيارها لـ (المفاوضين) إذا ما احتاجوا إليهم مستقبلا، إذ ينبغي أن لا يكون المعيار قدرتهم على التأثير على الإرهابيين، وإنما ينبغي أن يكون المعيار هو مدى إيمانهم بالعملية السياسية والديمقراطية، ليضيفوا شيئا جديدا بالفعل، عندما يتم اختيارهم للالتحاق بلجنة أو مجلس، فأكذوبة التأثير على الإرهابيين من دون واقع، ستضر بالعملية السياسية أكثر من أن تنفعها.

رابعا؛ لقد كانت حجة (الفيدرالية) و(هوية العراق) حصان طروادة الذي امتطاه (المفاوضين) أما نقطة الخلاف الحقيقية التي ظلت إلى الآن محل خلاف بينهم وبين الآخرين، فهو موضوع النص على اجتثاث الفكر الشمولي في مسودة الدستور، لأنهم يشعرون بأن المعني بها، هم أنفسهم قبل الآخرين.

إن بعض هؤلاء (المفاوضين) كانوا خدما عند الطاغية الذليل وأولاده القتلة، وأن بعضهم ظل حتى آخر لحظة قبل سقوط الصنم، يدعو للطاغية من على منابر الجمعة، وأن بعضهم الآخر كان يحمي الجلاد في حله وترحاله، تارة بالقلم وأخرى بالخطاب، وثالثة بالتجسس، وهكذا دواليك، فهل يعقل أن أمثال هؤلاء سيقبلون بتدوين دستور جديد لعراق جديد؟

وهل من المعقول أن نتصور أن أمثال هؤلاء يقبلون بفكرة اجتثاث البعث، وهم أول من سيتضرر منه؟

وهل يمكن أن نصدق منهم أنهم سيفكون ارتباطهم يوما ما مع الإرهابيين وأيتام النظام البائد؟.

ولان الشجاعة خانتهم عن قول الحقيقة والكشف عن أصل نقطة الخلاف، لذلك امتطوا حصان الفيدرالية وهوية العراق، على اعتبارهما أمور يمكن الخوض فيها، ولا يستهجن الناس الحديث عنها، لذلك رفعوا صوتهم عند الحديث عنها، وخفضوا صوتهم عند الحديث عن أصل نقطة الخلاف، إلا أن العراقيين أذكى وأنبه من أن تنطلي عليهم مثل هذه الألاعيب التي تعودوا عليها مدة نيف وثلاثين عاما خلت.

السؤال الثامن:

تحت وطأة الإرهاب، ينمو الانطباع بضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة التي تقود إلى حالة الأمن والاستقرار والتنمية، ناهيك عن التدابير الأمنية المشددة، والحركات السياسية الوحدوية داخل العراق.

ما هي بنظركم، سماحة الأستاذ، الخطوات اللازمة على صعيد الاجتماع العراقي؟ أي كيف يمكن تفعيل دور المواطن العراقي، امنيا وسياسيا، في ظل هذا الخبال الشامل؟.

الجواب:

لقد ثبت للعراقيين خلال الثلاثين شهرا الماضية، أمرين مهمين؛     

الأول؛ هو أن الإرهاب يستهدف المواطن العراقي فردا فردا، وتاليا، يستهدف العراق الجديد الذي يسعى العراقيون لبنائه على أنقاض النظام الشمولي البائد. 

الثاني؛ هو أنه لا يمكن التصدي للإرهاب بالاعتماد على جهة معينة، أبدا، سواء كانت هذه الجهة الحكومة العراقية أو القوات متعددة الجنسيات، أو أية جهة أخرى.

تأسيسا على هذين الأمرين، أرى أن على العراقيين، فردا فردا كذلك، أن يتحملوا مسؤولية التصدي للإرهاب، فلا يعتمدوا على أية جهة، وان أول شروط هذا التصدي (الشعبي) هو التحلي بالحس الأمني العالي، ليتجنب العراقيون الفخاخ التي ينصبها الإرهابيون لهم، خاصة في مواسم التجمعات الشعبية الكبيرة، كالمناسبات الدينية وأمثالها.

أما على الصعيد السياسي، فيلزم العراقيين أن يواصلوا حضورهم في الساحة السياسية لمدة طويلة أخرى، لحين وضع العربة السياسية على سكتها الصحيحة والسليمة، أما الآن، إذ لا زال الموقف السياسي مضطربا إلى درجة كبيرة، فان كل المخاطر السياسية لا زالت ماثلة للعيان، ابتداءا من احتمالات عودة القتلة والمجرمين إلى سدة الحكم، وان كان بوجوه وأسماء وعناوين مختلفة، مرورا بمحاولات البعض الالتفاف على الديمقراطية الوليدة والسعي لإجهاضها، وليس انتهاءا بنمو الظاهرة الصدامية لدى بعض من تصدى للمشهد السياسي العراقي بعد سقوط الصنم.

على العراقيين أن يكونوا أكثر نباهة وحرصا على حاضر بلادهم ومستقبل أجيالهم، وعليهم أن يناموا بعين واحدة، فلقد نبه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى ذلك بقوله{من نام، لم ينم عنه} فحذار حذار أن ينام العراقيون، أو يغفوا في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العراق، والا فان الثمن سيكون هذه المرة، لا سامح الله، غاليا جدا.

السؤال التاسع:

سماحة الأستاذ حيدر، تواجه الآن العلاقة بين السياسة الاقتصادية الداخلية، من جهة، وبين الخدمات الاجتماعية من جهة أخرى في العراق، تحفظات عديدة، حيث شهدت عدة محافظات بالجنوب والشمال، احتجاجات صاخبة وغضب عارم على الأداء الخدماتي الحكومي، وأعرب العديد من المواطنين، عبر وسائل الإعلام، عن تذمرهم من الأوضاع السيئة التي يعيشونها.

ما هي الأسباب، بنظركم، فيما عدا الإرهاب المنظم والاحتلال؟.  

الجواب:

المسألة، هي أن المواطن العراقي للان لم يلمس تغيرا كبيرا طرأ على حياته اليومية، لا على الصعيد الأمني ولا على الصعيد الاقتصادي والمعيشي.  

نعم، انه أتخم بالوعود المعسولة، من دون فعل حقيقي كبير، وهذا ما دفع بالكثيرين إلى إبداء التذمر من كل ذلك، فيما عبر البعض عن تذمره، بالتظاهرات السلمية التي شهدتها العديد من مدن العراق، سواء في الشمال أو الجنوب.  

حتى المرجعية الدينية في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة، بدأت تتذمر من هذا التسويف المزعج في تقديم الخدمات للناس، الذي يبدو من المسؤولين في الحكومة.

لم يتحد العراقيون كل الظروف القاسية والصعبة، ليصلوا إلى صندوق الاقتراع في يوم الملحمة الانتخابية، من أجل أن يتربع فلان أو علان، على كرسي الوزارة أو المسؤولية، وإنما جازفوا من أجل أن يعمل من تسنم موقعا بأصواتهم، على تحسين أحوالهم المعاشية، فالعراقي ليس بحاجة إلى حكام، انه بحاجة إلى خدام، يسهرون الليل ويواصلونه بالنهار من أجل تقديم خدمة أفضل للمواطن العراقي الذي ضحى بكل شئ، من دون أن يغنم شيئا.

فإلى متى يبقى المواطن العراقي أول من يضحي وآخر من يستفيد؟ هذا، إذا كانت هناك استفادة يجنيها من هذه التضحية؟.

إن ما يؤسف له حقا، هو أن السلطة بالنسبة إلى كثيرين، تحولت إلى موقع تشريفي وامتياز وفرصة لملء الجيوب وإتخام البطون المتكرشة على حساب لقمة عيش المواطن المسكين، إنها بالنسبة لهؤلاء، فرصتهم التاريخية والذهبية للاعتداء على المال العام، ولقد رأينا كيف أن بعضهم استعجل السرقة، فجمع خلال أشهر قليلة فقط قضاها في الوزارة، الملايين من الدولارات، من دون أن يجرؤ أحد على السؤال منه، من أين لك هذا؟ وان أدراج هيئة النزاهة العامة، التي امتلأت بملفات الفساد الإداري والمالي، خير شاهد ودليل على ذلك، والذي نأمل أن تسنح الفرصة للمخلصين من أجل ملاحقتها يوما ما والكشف عنها.

السؤال العاشر:

كلنا يعلم أنه يصيب الإدارة الخدماتية، بشكل خاص، القرارات البطيئة والبيروقراطية، إضافة إلى السلوكيات اللاأخلاقية، كالرشوة، العشائرية، الطائفية والمساومات، وما إلى ذلك مما يندى له الجبين.

ما السبيل الأنجع والأسرع للحد من تفاقم هذه الأزمة الإدارية الرهيبة؟. 

الجواب:

لا شك أن لهذه الأمراض والسلوكيات اللاأخلاقية، تأثيرها السلبي الكبير على الوضع في العراق، انه الإرهاب الإداري والاقتصادي المعشعش في جسد الدولة العراقية ومفاصلها وأجهزتها، ولذلك نرى كل هذا التردي الواضح في الخدمات، والبطء في إعادة البناء، والتماهل في التصدي للارهلبيين القتلة، لأن الجهاز القضائي، على وجه التحديد، من أكثر الأجهزة المتورطة بهذه الأمراض، ما شله وحال بينه وبين أداء واجباته على أحسن وجه، ونحن نعرف جيدا بأن أهم جهاز في البلدان الديمقراطية هو القضاء، فهو المفصل الأهم في الدولة، سترقى الدولة بنفسها إذا كان نزيها، وستتحطم إذا كان فاسدا، وهذا هو حال العراق اليوم، فالجهاز القضائي هو صائد المفسدين، فكيف به إذا كان عشا لهم؟

فبالتأكيد سينطبق عليه المثل الذي يقول{حاميها حراميها} أليس كذلك؟.

أما الحل برأيي، فهو، أن يتم دعم مفوضية النزاهة أكثر فأكثر، من خلال توفير الحماية الأمنية والمالية اللازمة لتقوم بواجبها على أحسن وجه.

كما ينبغي أن تتصدى مؤسسات المجتمع المدني لمهامها، بقوة أكبر وعزيمة أشد، فلها الدور الأكبر في الكشف عن هذه الأمراض القاتلة.

ولا ننسى هنا دور الإعلام الحر الحريص، الذي يمكنه أن يكون اللسان الناطق عن حال العراقيين، والسيف البتار على رقاب مرضى النفوس، من الذين لوثوا الدولة بالأمراض الخطيرة المشار إليها في السؤال.

السؤال الحادي عشر:

هل يمكن تعلم شئ من تطورات السلوك الاجتماعي الذي شهدته كل من اليابان وألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة فيما يعرف ببناء العراق الجديد؟.

الجواب:

نعم، إنها من التجارب الإنسانية التي أثبتت أن بالامكان تشييد الديمقراطية على أنقاض الأنظمة الشمولية الاستبدادية الديكتاتورية، إذا ما قررت الشعوب ذلك.

فإلى شعوب العالم العربي والإسلامي، والى عموم شعوب العالم الثالث أقول؛لا تيأسوا من التغيير، ولا تقنطوا من الإصلاح، فالأنظمة الطاغوتية، مهما تجبرت وعلت، إلا أنها ستظل أصغر شأنا من إرادتكم القوية العازمة على التغيير، وستبقى أحقر من أن تستطيع كسر شوكتكم.

إن ما تحتاجه الشعوب المقهورة من أجل الإصلاح والتغيير، هو أن تثابر وتصبر من أجل أن تنال مناها، وعليها أن لا تقتنع برتوش التغيير الكاذبة التي تهتدي إليها الأنظمة المستبدة كلما مرت بأزمة، كمسرحية الانتخابات التي شهدتها مؤخرا مصر الكنانة، أو كالتغييرات المخادعة في أجهزة الحكومة التي بادر إليها مؤخرا ملك الأردن، أو كالقرارات القرقوشية التي أعلن عنها ملك السعودية الجديد، وكأن تغييرا حقيقيا وإصلاحا جذريا بدأت تشهده هذه الدول، وكلنا يعلم بأنها ليست أكثر من محاولات لذر الرماد في العيون، أما جوهر الحقيقة فلم يتبدل منه شيئا.  

على الشعوب التواقة إلى التغيير، أن تتسلح بالوعي السياسي، لترفض كل الرتوش المخادعة، وعليها أن لا تقبل بأقل من التغيير الحقيقي الذي يقاس كنهه بالمشاركة الفعلية للناس بالعملية السياسية في البلاد، وما دون ذلك هراء وكذب وتسطيح للوعي وضحك على الذقون، ينبغي للشعوب أن لا تنخدع به أبدا، وهي تبحث عن الإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري.

فإلى متى تبقى هذه الشعوب تساق من قبل أجهزة الحاكم الأوحد، ظل الله في الأرض؟ والى متى ستظل هذه الشعوب تقبل بالتهميش والإقصاء، بانتظار أن يكبر ولي العهد أو ابن الحاكم ليسوسها بعد موت الأب؟ وكأن أرحام الأمهات لم تنجب غير هذه العائلة الحاكمة أو تلك؟ أو كأن الله تعالى منح لهذا الحاكم أو ذاك امتيازا عقليا أو درجة سامية لا يحق للآخرين منافسته عليها، وتاليا على السلطة؟ أو كأن الحاكم هو ولي النعمة الحقيقي، وهو القاهر فوق رعيته، ولذلك على الناس أن يطيعوه، أصاب في القرار أو أخطأ؟.

كفانا أنظمة شمولية، وكفانا أجهزة أمنية إرهابية، هي الحاكمة الحقيقية في طول البلاد وعرضها، فلنعيد للمواطن إنسانيته، ليشارك في العملية السياسية بشكل حقيقي.

السؤال الثاني عشر:

كيف تنظرون، سماحتكم، لمسألة الحوار مع أناس لا يفهمون لغة الحوار، ويرفضونها أساسا، على المستوى الإسلامي العام والعراقي خصوصا؟.

الجواب:

أعتقد أن الحوار مطلوب في كل الحالات، حتى مع أولئك الذين لا يفهمون هذه اللغة، على الأقل من باب المعذرة وإلقاء الحجة.

لقد تعلمنا ذلك من القران الكريم الذي ينقل لنا محاججة بين فريقين، الأول ظل يسعى للحوار وإبلاغ الرسالة حتى لمن كان يصم آذانه حتى لا يسمع منهم شيئا، فعندما لامهم الفريق الثاني بقولهم (لم تعضون قوما الله مهلكهم)أجاب الفريق الأول بقوله(معذرة إلى الله).

كذلك علمنا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ذلك عندما كان يصر على محاورة الآخرين، حتى إذا رفضوا الإصغاء إليه، ممن أشهروا سيوفهم لمقاتلته، في محاولة منه لإلقاء الحجة، ويعتذر إلى الله تعالى منهم، ليفهم العالم بأنه على حق، ويكون الآخرين على بينة مما سيتطور إليه الموقف.

وفي يوم عاشوراء، في ساحة الحرب في كربلاء، ظل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه الغر الميامين، يعضون جيش الطاغية يزيد، مع علمهم بأنهم لم ولن يتعضوا بكلمة حق أبدا، لأنهم أشربوا النفاق والعناد والكفر بما جاء به محمد (ص)، ولسان حالهم قول الله عز وجل(أفأنت تنقذ من في النار) حتى آخر لحظة، فرفض الإمام أن يبدأهم بقتال، حتى رمى أحدهم معسكره بسهم، عندها قال الإمام لأصحابه{استعدوا للقتال، فهذه رسل القوم إليكم}.

المشكلة، إذن، ليس في الحوار مع الآخر الذي يرفض هذا المبدأ الحضاري ويصر على الاحتكام إلى القوة، إنما المشكلة فيمن لا يريد أن يفهم أهمية الحوار في مثل حالة العراق، على وجه التحديد، وتتعقد المشكلة أكثر، عندما يفسر البعض أن الإصرار على الحوار قبل أن يقع السيف بين الفريقين، هو بسبب الضعف أو الخواء في الأدلة،بالضبط كما كان حال البعض زمن الإمام علي عليه السلام، إلا انه في كل مرة كانت تطورات الموقف تثبت لكل ذي عين بصيرة أو ألقى السمع وهو شهيد، بأن إصرار الإمام على الحوار لم يكن سببه ضعف في الموقف أو خواء في الحجة والمنطق أبدا، وإنما الدافع وراء ذلك هو إصرار الإمام على حقن الدماء وصيانة وحدة الأمة والحيلولة دون اقتتال الناس فيما بينهم.

أقولها بصراحة، إن إصرار الأكثرية من العراقيين على الحوار، ليس بسبب الضعف أو الخوف أو التردد، وإنما سببه الحرص الشديد على حقن الدماء وتوفير الأرواح، وان أخشى ما أخشاه، هو أن من يفسر الأمور بطريقة خاطئة، سيصل إلى هذه النتيجة في وقت متأخر، وربما بعد فوات الأوان، فإذا طفح الكيل، فسوف لن يبق الضحايا حجرا سالما، إذ سوف لن يوفروا قطرة دم واحدة لإرهابي أو لمن يدعمه، وان كان بسكوته المخزي.

السؤال الثالث عشر:

بنظركم، ما هي المسافة بين الإيمان والواقع؟ وكيف يمكن تجاوز هذه الهزة في النموذج العراقي؟.

الجواب:

في الحقيقة، ليس هنالك مسافة كبيرة بين الأيمان والواقع، فكل ما يفرضه الواقع، يصدقه الإيمان، إلا ما خرج بدليل،وقليل ما هو، والسبب في ذلك واضح وبسيط، ألا وهو، أن الواقع عادة، يرسمه وعي الناس بالحياة، أما عندما يفرض واقع سئ ما عليهم، ولأي سبب كان، فان قادة الأمة وعلماءها وطلائعها، يبادرون فورا إلى تصحيح الخطأ وتعديل الخلل، وان كلفهم ذلك انهارا من الدمار والكثير من التضحيات، كما هو شأن الشعب العراقي اليوم، بالرغم من كل الجهود التي بذلها النظام الشمولي البائد، من أجل فرض واقع مرير عليه، إلا أننا رأينا النتيجة والمآل الذي انتهى إليه الطاغية الذليل، وأين انتهى به المقام بعد عز السلطة، لأن فرض الواقع شذوذ لا يمكن أن نصطلح عليه صفة (الواقع).

السؤال التاسع عشر:

وكيف تفسرون الازدواجية بين الشعار والممارسة، لدى بعض النخب العراقية؟.

الجواب:

إنها واحدة من أخطر الأمراض التي تبتلى بها النخب (المثقفة) على وجه التحديد.  

أعتقد، أن جذر هذه المشكلة يعود بالدرجة الأساس إلى ظروف العراق الحالية، فمن جانب تعتقد هذه النخب أن من حقها أن تحتسي من كأس السلطة، بعد طول نضال وجهاد، كأبسط استحقاق لتضحياتها، فيما ترى من جانب آخر، أن الوصول إلى هذا المبتغى صعب المنال لا يمكن أن يتحقق إذا أرادت أن تتشبث بتلك المبادئ والشعارات التي طالما رفعتها وتمسكت بها أيام النضال السلبي، ولذلك نراها تبدأ بالعد العكسي، في محاولة منها لتحقيق بعض المنى. 

وإذا أضفنا إلى ذلك، المحاصصات المتنوعة التي لجأ إليها{كرها}الممسكون بالسلطة الجديدة، عندها يمكن أن نتحسس الظروف التي تضطر الكثير من النخب إلى الازدواجية للحصول على جزء من الكعكة، ولنتذكر دائما، بأنه ليس كل الناس على مستوى واحد من الالتزام المبدئي، كما أن التفسير المختلف لـ (المبدئية) هو الذي يرسم كل هذا الفارق بين مختلف النخب.

السؤال الخامس عشر:

يقول المثل الشعبي الألماني {الذي يستريح يصدأ} انطلاقا من هذا المثل، وتماشيا مع حقيقة أن الحراك السياسي والاقتصادي يحتاج إلى الاستقرار.بنظركم، هل الثقافة كذلك؟ أم هي القلب النابض في هذا الكل؟.  

الجواب:

الإنتاج الفكري والثقافي، على وجه التحديد، لا يمكن أن يستريح، فإذا كان لكل محارب استراحة، فان استراحة الفكر هو أن ينتج ويجدد ويبدع.

نعم، إن الثقافة هي العقل النابض بالحياة، ومثلها في المنظومة الاجتماعية العامة، مثل القلب في جسم الإنسان، فهل لك أن تتصور إنسانا حيا إذا توقف قلبه عن النبض بالحياة؟ وهل يمكننا أن نتصور قلبا يمر بفترة استراحة المحارب؟.

إن أمة بلا ثقافة، أو بثقافة فاسدة، أو سطحية أو متخلفة، كمثل إنسان يسري في جسمه دم فاسد أو ملوث، لا بد له، إذا أراد أن يستمر في الحياة، أن يستبدله بدم نقي طاهر.

صحيح، أن استبدال الثقافة ليس بالأمر الهين أو السهل، لأنها نتاج تراكمات تمتد في عمق التاريخ، ولكن لا بد من استبدالها أو إصلاحها أو على الأقل تجديدها، إذا ما أصيب شعب ما بالتلوث الثقافي أو بفساد الثقافة، هذا إذا أراد أن يستمر في الحياة، ويعيش الأمل والسعادة والتقدم والتنمية.

إن أي إغفال للثقافة، يصيب الأمة بالتخلف والتقهقر، ولذلك نرى أن الأنظمة الشمولية تتعمد تجهيل الناس لتستغفلهم، لتحكمهم، والى هذا المعنى أشار القرآن الكريم، عند حديثه عن بني إسرائيل وقصتهم مع الطاغية فرعون؛

يقول الله عز وجل{فاستخف قومه فأطاعوه} أي أن طرفي المعادلة الاجتماعية، هي كالتالي؛تجهيل متعمد من قبل الحاكم للشعب، ينتج عنه استخفافه بعقول الناس، ينتهي بطاعة الناس له طاعة عمياء، ولذلك عندما قال لهم الطاغوت بأنه هو ربهم الأعلى، قال الناس سمعا وطاعة، لأن إدراك الناس لا يمكن أن يستوعب خطأ الحاكم، الذي يتصورونه على حق طوال الوقت، فهل يمكن أن يكذب عليهم الحاكم، إذا قال لهم بأنه ربهم الأعلى؟

حاشا وكلا. سياسة التجهيل هذه، توسل بها كل الطغاة على مر التاريخ، لأن التجربة الإنسانية أثبتت استحالة الجمع بين الاستبداد والوعي، وبين النظام الشمولي والثقافة العالية، وبين الديكتاتورية والحكم الفردي والإدراك العالي لدى الناس، ولذلك، فان أول خطوة يقدم عليها الطاغوت لحظة أن يقرر الإمساك بالسلطة، هو أن يلغي الثقافة ويغتال الوعي ويحبس الإدراك عند الناس، عندها تركن العقول إلى النوم، والضمائر إلى السبات، ويتمتع الوعي بإجازة طويلة الأمد، فتغيب المعارضة، وتمحى كلمة{لا} من قاموس الشعب، عندئذ يصول ويجول الحاكم، بلا رادع أو منافس.

من هنا، أعتقد أن الثقافة لا يمكن أن تتمتع باستراحة المحارب قيد أنملة، لأن ذلك يعني الموت الذي لا يجوز أن يركن إليه شعب يريد أن يحيا حياة كريمة.

وفي حالة العراق، فبعد عقود التجهيل القسري والعمدي، وبعد الحصار الثقافي والفكري الذي ضربته الأنظمة الشمولية على العراقيين، فمنعت عنهم الكتاب والصحيفة والمجلة ومحطات التلفزة والانترنيت والإذاعة، وكل وسائل الاتصال الجمعي، وحرمتهم من الخطيب والباحث والمفكر والفقيه، فان العراقيين اليوم بحاجة إلى نهضة فكرية وثقافية شاملة، أعتقد أن من المهم أن تتميز بما يلي:

أولا؛ الشمولية، فلا تقتصر النهضة على نوع واحد من أنواع الثقافة، بل يجب أن تشمل الثقافة الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والأدبية وكل شئ، من أجل أن نساعد المواطن العراقي على توسيع مداركه العقلية، وكما هو معلوم، فان هذا الهدف لا يمكن تحقيقه بنوع واحد من الثقافة، أي بأحادية البعد الثقافي، والا فسنكرر تجربة الأنظمة الشمولية الفاشلة مرة أخرى.

ثانيا؛ كما يلزم أن تسخر لهذه النهضة، كل الوسائل العلمية والتكنولوجية، حتى نحققها على المستويين، الكمي والكيفي.  

ثالثا؛ كذلك، يلزم أن تشمل هذه النهضة حواس الإنسان الثلاث، {السمعية والبصرية واللمسية} إن صح التعبير، إذ يلزم أن يقرأ الإنسان ويسمع ويشاهد، ثم يبدأ بتحريك عقله ووعيه ليختار الصحيح ويحكم على الخطأ، عملا بقول الله عز وجل{الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك اللذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}.

رابعا؛ إن على الإنسان أن يرفض مبدأ تفكير الآخرين بالنيابة عنه، الذي يشيعه البعض من أجل استغفال الإنسان، بحجة عدم قدرته على التفكير، أو انشغاله بلقمة العيش، أو ما إلى ذلك من الحجج الواهية، إذ لكل إنسان قدرة على التفكير، ضاقت أم اتسعت، إلا أن المهم أن لا نقتلها في عقله، ولا نغتالها في وجدانه، بل يجب أن نساعده على تنميتها واستنهاضها من أجل أن تظل تتحرك على أرض الواقع، وبذلك نضمن تنميتها شيئا فشيئا.

خامسا؛ وأخيرا، فان العراق بحاجة إلى ثقافة انقلابية جذرية بكل معنى الكلمة، لتأتي على أنقاض الثقافة المسمومة التي خلفها النظام الشمولي البائد، ولتكنس مخلفاتها بالكامل والى الأبد، ثقافة تعتمد قيم المسؤولية والالتزام والتعددية واحترام الآخر والحوار والجدال بالتي هي أحسن والشراكة الحقيقية بين أبناء الوطن الواحد، وعدم التمييز بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الدين أو المذهب أو الانتماء الحزبي أو الفكري أو الثقافي، ثقافة تحترم الإنسان وتعطف على الصغير وتوقر الكبير وتمنح المرأة حقوقها من دون تهميش أو استصغار أو النظر لها بدونية، ثقافة تنبذ العنف والإرهاب بكل أشكاله، حتى اللساني منه(على حد قول الإمام الشيرازي الراحل) والتعسف والتزمت والإكراه والإقصاء والاغتيال السياسي.   

السؤال السادس عشر: 

نسمع من المسؤولين والسياسيين والعلماء والخطباء والمثقفين العراقيين، كلمات حول الوحدة العراقية، ونبذ التعصب ومعالجة المشاكل الاجتماعية، إلا أن الوضع يزداد سوءا ويسير بالعكس تماما؟.

فما تعليقكم على هذه الظاهرة العربية أكثر مما هي عراقية؟. 

الجواب:

لا أحد يختلف على أهمية إشاعة هذه القيم بين الناس، فبها يحيا الناس، وبها يبنون المجتمع المدني، إلا أن المشكلة هو في اختيار الأسلوب الأفضل لتحقيق هذه القيم، وإذا تذكرنا بأن البعض يفسر الدعوة إلى هذه القيم على أنها جبن وتخاذل من قبل من يدعو لها، نفهم لماذا تتعقد المسؤولية في بلد كالعراق الذي يحاول شعبه أن ينهض من تحت ركام أعتى نظام شمولي ديكتاتوري عرفه التاريخ.

   شخصيا، لا أشك بنوايا من ينادي ويتحدث بهذه الأمور، ولذلك أعتقد بأن لعنصر الزمن الذي أقسم به الله عز وجل في أكثر من آية، دور حاسم في إنجاز ذلك على أرض الواقع، إذ ليس في العراق من يحمل عصا موسى عليه السلام، ليقول للشئ كن فيكون بإذن الله تعالى.

كما أن على المسؤولين والمتصدين، أن يكونوا أكثر حسما وجدية في التعامل مع الملفات الهامة التي تهم حياة المواطن العراقي في الصميم، كالأمن والمعاش والخدمات الأساسية، إذ لا يعقل أن يظل الدم العراقي يسفك بهذه الطريق مدة أطول؟ كما لا يجوز أن يظل المواطن العراقي بلا ماء أو كهرباء أو بحصة تموينية ناقصة، مدة أطول.

السؤال السابع عشر:

لماذا نجد أن الإعلام الإسلامي الراهن، يدور في حلقة مفرغة، والموجود منه ليس إبداعا، إنما هو إعادة صياغة لمواد إعلامية غربية، بينما الإعلام الغربي يحرك واقعه ومجتمعاته نحو الإبداع والتجديد والوحدة والتعايش وثقافة الاختلاف والتسامح بشكل أكبر وأفضل؟.

الجواب:

في الحقيقة، هنالك عدة أسباب لهذه الظاهرة، وهي كالتالي؛

أولا؛ لأنه إعلام مؤمم، أما لأنظمة أو لأحزاب، وكما هو معلوم جيدا، فان الإعلام المؤمم لا يمكن أن يبدع أبدا، لأنه محكوم بالأطر الضيقة والخطوط الحمراء، دائما.

أما في الدول المتحضرة، فان الإعلام حر إلى درجة كبيرة، لا تمتلكه الدولة أو الحزب الحاكم، مثلا.

الذي نتمناه، هو أن نشهد في العراق الجديد، إعلاما حرا، لا تتدخل في شؤونه السلطة أو الحزب الحاكم، ليتمكن من الإبداع وتطوير نفسه وتجديدها، ولقد استبشرنا خيرا بالنصوص الدستورية التي وردت في مسودة الدستور الدائم، والتي أكدت على هذا الأمر، وان كنا قد بدأنا نلمس (تأميما) ما للإعلام العراقي ومؤسساته من قبل الحكومة الحالية، والذي نتمنى أن يكون مؤقتا، وليس أكثر من سحابة صيف عن قريب تقشع بإذن الله تعالى، لأن الاستمرار بهذه الطريقة، نذير شؤم جديد وخطير على مستقبل الإعلام.

ثالثا؛ المشكلة الأخرى، هي أن هذا الإعلام، ولكونه مؤمما، فهو لا يعتمد الكفاءة في اختيار العاملين في صفوفه، وإنما يعتمد المحاصصة والمحسوبية والحزبية الضيقة و(الامعية) التي تعني البحث عمن يكون مع المالك على أي حال، مستعدا للتبرير والدفاع المستميت، وان كان على حساب الحقيقة، كلما اقتضت الضرورة ذلك، أو تلقى إشارة من المالك توصي بذلك.

إذا أردنا أن ننهض بالإعلام، علينا أن نمنحه الحرية أولا، وإرادة اختيار الأكفأ ثانيا، ثم نوفر له الحماية اللازمة لينشر المعلومة من دون ملاحقة، ويقول رأيه بلا جلد.

أما مسؤولية من يتصدى لمهمة الإعلام، فعليه أولا أن يعلم بأنه في أخطر موقع، فهو في موقع سلطة حقيقية، ليست الرابعة، وإنما الأولى، فالأعلام المسؤول الحر الكفوء، بامكانه أن يهلك ملوكا ويستخلف آخرين، إذا أحسن الأداء، وتمكن من ناصية المسؤولية.

السؤال الثامن عشر:

هل هنالك تعارض أو تناقض بين المفاهيم التالية؛

الوطنية، القومية والدين؟.

الجواب:

إذا تم التعامل مع هذه القيم بموازنة صحيحة، فليس هنالك أي تعارض فيما بينها، أما إذا طغى أحدهما على الآخر، فإنها ستصطدم لا محالة.

ولذلك، فان الدين، الذي يتقدم كل المفاهيم الأخرى، أقر مفهوم الوطنية، بقول رسول الله (ص) {حب الوطن من الإيمان} كما أنه أقر الانتماء القومي ولم ينكره، بدليل قول الله عز وجل {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}.

المسؤولية الإنسانية، إذن، تتلخص في الوصول بالبشر إلى مرحلة التعايش من خلال التعارف بين مختلف الشعوب والأقوام، فلقد اقتضت إرادة الله عز وجل أن تقوم الحياة على أساس التنوع في كل شئ، بالعنصر واللون واللغة، وفي كل شئ خلقه الله تعالى، والى هذا المعنى أشار القران الكريم بقول الله عز وجل {ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم}.

إن التعصب للعنصر أو اللون أو الانتماء على حساب العلاقة الإنسانية مع الآخر، هو الذي يولد التناقض والصدام بين الأمم والشعوب، أما إذا تم اعتماد الموازنة الصحيحة، فسنعود إلى مجتمع المدينة الذي تعايش فيه كل الناس، بغض النظر عن دينهم ولونهم وقوميتهم، بل وحتى انتمائهم الوطني، فتعايش المسلمون واليهود والمسيحيون، إلى جانب الأسود والأصفر والأبيض، إلى جانب المدني والمكي، وهكذا، ولا يقولن أحد بأن ذلك تاريخ مضى لا يمكن تكراره، وأقول، ألم يتعايش الناس في الهند مثلا، وهي التي تحتضن على أرضها مئات الأديان والمذاهب والقوميات والألوان، وكل أنواع التنوع؟ لدرجة، أن فيها من يعبد الله تعالى ويوحده، كما أن فيها من يعبد البقر ويقدسه، فكيف استطاع الهنود أن يتعايشوا فيما بينهم، على اختلافهم وتنوعهم المعقد، ولا نستطيع نحن أن نتعايش مع تنوعنا البسيط؟.

إنها الإرادة والوعي الإنساني الذي يفرض التعايش على الإنسان، أما الجهل، فبالتأكيد، لا ينتج إلا صداما متجددا ودائما، والعياذ بالله.

السؤال التاسع عشر:

في الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام منذ أيام مضت، يظهر حجم الكارثة التي شهدتها مدينة الكاظمية اثر سقوط جسر الأئمة عليهم السلام، والذي راح ضحيته قرابة ألف شهيد، حيث تواردت الأنباء، أن الزحام الذي أدى إلى سقوط الجسر كان نتيجة إشاعات قام بها إرهابيون في أوساط الزائرين لمرقد الإمام الكاظم عليه السلام.

أرجو من سماحتكم التعليق على هذه المأساة الجديدة لشيعة أهل البيت عليهم السلام في العالم ككل وفي العراق بالأخص، وتوجيه كلمة لوسائل الإعلام العربية التي تصب الزيت على النار، بدل إصلاح ذات البين، من خلفيتها الحاقدة على شيعة المسلمين؟.

الجواب:

ليس من المستغرب أبدا أن يتعرض شيعة أهل بيت النبوة والرسالة لمثل هذه البلاءات، فــ {القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة} كما يقول الإمام علي بن الحسين السجاد، زين العابدين، عليهما السلام، وهو يجيب على سؤال محب اعتصر قلبه من الألم على ما حل بأهل بيت النبوة والرسالة في العاشر من المحرم عام 61 للهجرة في كربلاء، على يد جيش الضلالة، جيش الطاغي يزيد بن معاوية كذلك، ليس غريبا أن يتعامل الإعلام الطائفي المضلل بهذه الطريقة المسمومة التي ظل يتعامل بها طوال التاريخ مع الأحداث التي تمر على شيعة مدرسة أهل البيت عليهم السلام.  

لقد كشفت هذه المأساة الإنسانية المروعة، حجم الأزمة التي يعيشها ضمير العرب والمسلمين بشكل عام، إلا ما خرج بدليل، فعندما لا تحرك مثل هذه المأساة شعرة في جسم الإنسان العربي والمسلم، هذا يعني بأنه يعيش أزمة ضمير حقيقية، وعليه أن يشكك في انتمائه إلى دين رسول الله (ص) الذي يقول{من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين، فليس منهم}.

كما كشف الحادث، عن مدى هشاشة الحكومة العراقية المؤقتة، التي تبارى أعضاؤها لتصفية حساباتهم مع الآخر، في أول اختبار مصداقية للتحالف القائم بينهم، بعدما تركوا مواقعهم كوزراء في حكومة ائتلافية، ليتحدثوا باسم أحزابهم وتنظيماتهم وانتماءاتهم، في الوقت الذي كان عليهم، أن يتماسكوا ويترفعوا عن الحزبيات، ويشد بعضهم أزر بعض، في مواجهة الأزمة.

آخرون، حاولوا استغلال الأزمة لتصفية حساباتهم مع الشعائر الحسينية، على وجه التحديد، وهم فلول من اليسار المنقرض وبعض أعداء الدين، ناسين أو متناسين، بأن الإرهاب يستهدف (العراقي) في كل الحالات، وليس فقط عندما يتجمهر في مكان ما لإحياء مناسبة ما، انه مستهدف في الحكومة وفي المدرسة وفي طابور التسجيل في صفوف الشرطة العراقية الجديدة وعند مسطبة العمال وفي محله وفي كل مكان، فهل يعقل بأن نطلب من العراقي أن يجلس في منزله ويغلق الباب عليه، ليتقي شر المفخخات والأحزمة الناسفة؟ أم أن نطلب من الحكومة تحمل مسؤولياتها في حماية أرواح المواطنين في كل آن ومكان؟.

ولا ننسى أن الإرهاب يستهدف أصل العملية السياسية الجديدة في العراق، فلماذا لا نسلم الإرهابيين مفاتيح الأمور ونعيد الطاغية الذليل إلى السلطة، لنخلص من القصة من أساسها؟ هذا إذا أردنا أن نذعن لمنطق المهزومين.

طبعا، نستثني، هنا، قول الحريصين على أرواح الناس حقا، ممن ناشدوا المرجعيات الدينية، على وجه التحديد، للتدخل ايجابيا من أجل تنظيم مثل هذه التجمعات المليونية، توفيرا لأرواح الأبرياء من عبث الإرهابيين، إذ لا يعقل أن يظل الدم العراقي يراق، من دون أفق منظور لنهاية القصة المأساوية.

ومن باب (لكل قاعدة شواذ) والتزاما بقول الله عز وجل في محكم كتابه الكريم{ولا تنسوا الفضل بينكم}، ومن أجل أن لا نعمم ما قلناه آنفا، أود هنا أن أحيي الشعوب التي تعاطفت مع أسر الضحايا، ومع العراقيين بشكل عام، خاصة شعوب الخليج التي أثبتت مرة أخرى، بأنها المصداق الحقيقي والعملي لحديث رسول الله (ص) الذي يقول{ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى}.فإلى كل من عبر عن تعاطفه مع المأساة وضحاياها، نقول لهم، مرحا، وجزاكم الله تعالى خير جزاء المحسنين، ولا أراكم أي سوء أو مكروه.  

أما العراقيون، أهل المصاب الجلل، فلقد أثبتوا مرة أخرى بأنهم لحمة واحدة، لا تثنيهم الشدائد، ولا تكسر عودهم المصائب، وإنهم كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا في مواجهة رياح العنف والإرهاب، التي مهما ارتكبت من جرائم، فسوف لن تثني من عزيمة العراقيين الذين صمموا على أن يواصلوا المشوار من أجل بناء عراق جديد، عماده الأخوة والمساواة والحرية والكرامة والوحدة الوطنية.

لقد علمت وقفتهم التاريخية الكبرى، العالم دروس الإخاء والإيثار والتعاون، وستظل تلك الصور الشعبية الرائعة، نبراسا على مدى التاريخ، تهتدي بها الأجيال.   

السؤال العشرون:

ما هو قولكم للشباب العراقي الذي يفكر في مستقبله القابع بين قوسين أو أدنى؟ كيف يعمل لذلك المستقبل المنشود، وهو رهينة معوقات الإرهاب والاحتلال وعقبات الحاضر العديدة؟.

الجواب:

الشباب هو الجيل الجديد في كل عصر، فهو أمل المستقبل، وقيادته المرتقبة.

وبالنسبة إلى شباب العراق، فانه جيل المحنة الذي ينهض من تحت ركام أعقد مرحلة مر بها العراق، ولذلك فانه المستقبل الذي يختزن في ذاكرته ووعيه الكثير من المآسي والتجارب والظواهر.

انه بقية السيف الذي سيكون أصلب عودا من كثير من أجيال الشباب في هذا العالم، ومنه العالم العربي والإسلامي.

فبينما كان أقرانه في المناطق الأخرى من هذا العالم، منشغل بكل ما يساعده على الميوعة والترف والتحلل، كان شباب العراق مشغولون بمناظر القتل اليومي الذي يتعرض له العراقيون، ومنهم الشباب بعمر الورود، سواء في عهد الطاغية الذليل أو منذ سقوط الصنم ولحد الآن، وان كل ذلك سيقوي عوده ويصلب إرادته ويبني شخصيته، التي نأمل أن تتعلم من التجربة، ما يعينها على أن تكون شخصية قوة قادرة على النهوض ليس بنفسها فحسب، وإنما بأمتها وشعبها الذي ينتظر منها أن تقوده إلى بر الأمان والاستقرار.

نتمنى أن تصنع الظروف القاسية التي مر بها الشباب، جيل صلب العود، قوي الإرادة، ثاقب البصر، قادر على تحمل أعباء المسؤولية التي ورثها من جيل الشهداء الذي ضحى بحياته من أجل أن يحيا الجيل الجديد.

على شباب العراق أن يتذكر دائما بأنه الجيل الذي سيرث العز من جيل مجاهد مضى، والذي كان شعاره، قول رسول الله (ص){جاهدوا، تورثوا أبناءكم عزا} فعليه تقع مسؤولية الاحتفاظ بالعز الذي سيرثه من جيل الشهداء الذي مضى.

على الشباب أن لا يدعوا لليأس والقنوط مدخلا قي حياتهم، وان عليهم أن يتسلحوا بسلاح الإيمان والعلم والأخلاق والفضيلة والعمل الصالح، ليكون قدوة لشباب العالم الذي تاه في عالم المادة، ولم يعد يجد لنفسه قرارا يذكر.

إن مرحلة الشباب هي من أهم وأخطر مراحل الإنسان، أي إنسان، ولذلك على شباب العراق استغلال هذه المرحلة أفضل استغلال، وان عليهم أن يكسبوا المهارات العلمية والتكنولوجية، بما يدخل في صلب بناء شخصيتهم القوية، وليستغلوا فرصة الزمن قبل فوات الأوان، وشعارهم في ذلك قول الإمام المعصوم الذي يقول{اغتنموا خمسا قبل خمس....، وشبابك قبل هرمك}.

وان على الوالدين، تقع مسؤولية تهيئة كل الأجواء المناسبة اللازمة لهذا الجيل، من أجل أن يتمكن من بناء شخصيته الصحيحة، بعيدا عن الترف واللهو، إلا بمقدار الحاجة التي حددها الشرع لهذه المرحلة من عمر الإنسان، من دون التورط في حرام. 

السؤال الواحد والعشرون:

وماذا عن دور نواة المجتمع، المرأة؟.

الجواب:

للأسف الشديد، فلقد كانت المرأة، الضحية الأولى لسياسات الأنظمة {العلمانية} التي حكمت العراق، منذ التأسيس ولحد الآن.

كما أنها الضحية الجاهزة لسياسات الفكر المتحجر الذي يتلفع بالدين، إلى جانب كونها الضحية للمفاهيم الاجتماعية(العشائرية على وجه التحديد) المتخلفة، التي ظلمتها ولم تنصفها.

يلزم أن تأخذ المرأة العراقية مكانها الطبيعي في المجتمع، إذا أردنا أن نرى العراق بلدا ناميا ومتطورا، وذلك من خلال ما يلي؛

أولا؛ إن المرأة، برأيي، هي كل المجتمع، فعندما تتصدى المرأة لمسؤولية التربية والتغذية{الروحية والجسدية} للإنسان، منذ الولادة وحتى الممات، تكون هي المؤثر الأول في كل مراحل حياته، فهي، في الحقيقة، لا تتحمل هتين المسؤوليتين في مرحلة الحمل والرضاع، فحسب، وإنما في كل مراحل الإنسان، في المراحل الأولى كأم وفي المراحل المتقدمة كزوجة، فهي إذن المصنع الذي ينتج الإنسان، والمدرسة التي تربي الأجيال، والمعهد الذي يعلم الصغار والكبار، والى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله{ألام مدرسة إن أعددتها.... أعددت جيلا طيب الأعراق}، أو كما قالت الحكمة{إن وراء كل عظيم، امرأة} فهي القادرة على صناعة الإنسان الناجح، إذا كانت متعلمة، وهي القادرة على تحطيمة، إذا كانت جاهلة.

ولذلك، فإذا أردنا أن نخلق بلدا ناميا ومتطورا، يجب أولا أن نخلق المرأة النامية والمتطورة، ولا يمكن ذلك أبدا، إذا ظلت أسيرة الخرافات والثقافات الجاهلية والقيم العشائرية المتخلفة.

يجب أن تتلقى المرأة أفضل التعليم والتربية والثقافة، وأن تمنح كل الفرص من أجل أن تبني نفسها لتتمكن من بناء الإنسان، وتاليا الوطن المعافى.

إن المرأة الجاهلة والأمية والمحاصرة بالقيم الجاهلية، لا يمكن أن تضطلع بمسؤوليتها أبدا، كما أن المرأة التي يقمعها المجتمع، وتحاصرها العائلة، لا يمكن أن تنهض بمسؤولياتها أبدا.

يجب أن نمنح المرأة الثقة والأمان والطمأنينة والثقة بالنفس، لتتمكن من استغلال الفرصة التي تمنحها أجواء الحرية والديمقراطية في إطار التصرف بمسؤولية والمساواة وتكافؤ الفرص.

وان على المرأة العراقية أن لا تنخدع بالشعارات التي يرفعها المغرضون، والتي تستهدف إبعادها عن دينها وقيمها ومبادئها، ولتتذكر دائما، بأنها في ظل الإسلام وقيمه، يمكن أن تجد شخصيتها الحقيقية وان تصون نفسها من عبث العابثين.

إن شعارات تحرير المرأة، يراد منها سلخ شخصيتها عن كل القيم التي تصونها من العبث، ومسخ هويتها عن انتمائها الحقيقي، ثم تركها في مهب الريح، لا تقوى على التحدي.

يكذب على المرأة من يدعي أن التزامها الديني يقيد حركتها، ويضحك عليها من يقول بأن الحجاب، مثلا، عائق بين المرأة ونشاطها في الشأن العام، فهذا التاريخ يحدثنا عن نماذج رائعة للمرأة التي جمعت بين الالتزام بالدين والدورالاجتماعي المطلوب من دون إفراط بأحدهما على حساب التفريط بالآخر، فهذه فاطمة الزهراء(ع) التي تعتبر النموذج التاريخي الرائع في الالتزام الديني والحضور الاجتماعي والسياسي والتربوي، وتلك ابنتها العقيلة زينب بنت علي عليهم السلام التي ما كان لبشر أن يرى خيالها من وراء الحجاب، إلا أنها في نفس الوقت، لقنت العالم القديم والحديث درسا في تحمل المسؤولية الاجتماعية، بل أكبر المسؤولية.

واليوم، رأينا كيف تصدت المرأة العراقية الملتزمة بدينها وقيمها، لمسؤوليات الشأن العام، في الجمعية الوطنية والحكومة وفي مختلف المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وفي مؤسسات المجتمع المدني، من دون أن تفرط بالتزاماتها الدينية قيد أنملة، فأين التناقض، إذن، بين الالتزام الديني والمسؤولية الاجتماعية؟ وأين العرقلة والتقييد الذي يتحدث عنه المغرضون؟.

وهنا في الولايات المتحدة، مئات الآلاف من النساء الملتزمات، يشغلن مختلف مواقع المسؤولية، من دون أن يعرقل الالتزام الديني اضطلاعها بمختلف المسؤوليات، وبشتى أنواع المواقع العامة، ومن دون أن يحول الحجاب، مثلا، بينها وبين المشاركة في الشأن العام.

نعم، يلزم أن نفرق بين القراءات المتعددة للدين والالتزام بتعاليمه، فمن الخطأ بل الجريمة الكبرى، أن ننظر إلى كل القراءات بعين واحدة، لأننا بذلك سنظلم الدين ونظلم المدارس الفقهية المتعددة التي تفسر الإسلام، فكيف يجوز لمنصف أن يساوي بين قراءة السعودية للإسلام، والتي أضرت به إلى درجة كبيرة عندما منعت المرأة من حق المشاركة بالشأن العام والترشيح والانتخاب، بل وحتى حقها في سياقة السيارة، وبين قراءة علماء الإسلام في العراق التي اعتبرت مشاركة المرأة في الشأن العام فرض ديني لا ينبغي حتى للزوج أن يمنعها من ممارسته؟.

ثانيا؛ على المرأة العراقية أن تنتزع دورها في الحياة العامة انتزاعا، وعليها أن توظف كل المواد الدستورية التي منحتها الفرصة المتساوية مع أخيها الرجل، من أجل أن تشاركه المسؤولية في الشأن العام.

عليها أن لا تنتظر من يتصدق عليها بدور أو موقع، وإذا وضعنا نصب أعيننا بأن الرجل أناني بطبعه، لا يفكر في منح المرأة الفرصة المناسبة، لعرفنا كم هي كبيرة مسؤولية المرأة في انتزاع حقوقها وأدوارها من (الرجل...الأناني)إن على المرأة العراقية أن تقتحم غمار الحياة والمسؤوليات ذات الشأن العام، وعليها أن لا تصغ إلى وساوس الوسواس الخناس الذي يهول المسؤوليات ليخيفها فلا تقتحم غمارها، ولتتأكد بأن مسؤولية الموقع ليس بعبعا لا يمكنها أن تتصدى لها.

عليها أن لا تقبل بالأدوار الهامشية والصغيرة، بل عليها أن تتقبل أكبر المسؤوليات لتثبت بأنها قادرة، كالرجل، على أن تتصدى للمهام الجسام.

إنها لا تستجدي الدور من أحد، فالتصدي للمسؤولية، واجب وحق، يكفله الدين والدستور وكل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية.

قد تصطدم في بداية الطريق بتثبيط الرجل أو أنانيته أو تحديه لها، إلا أنها، في نهاية المطاف، ستنجح في الوصول إلى الهدف، فتثبت جدارتها، فتشارك الرجل في المهمة، وعندها ستثبت له ولغيره، بأن وجودها في الموقع، مهما كبر، خدمة له أولا، ولكل المجتمع ثانيا.

السؤال الثاني والعشرون:

في هذه الظروف الصعبة، سماحة الأستاذ، هناك جهات تعمل على إثارة المشاكل في الساحة الشيعية، وتحريك الفتنة العمياء في أرض العراق، من خلال عمليات الاغتيال والإشاعات.

كيف تعبرون، أستاذي الفاضل، عن إيقاظ الاهتمام بالمصير الواحد والوعي واليقظة والوحدة؟.

الجواب:

لا أعتقد أن عاقلا يجهل دقة المرحلة التي يمر بها العراق.

ولا أعتقد أن عاقلا يجهل مدى خطورة الخلافات الداخلية، بكل أشكالها.

ولا أعتقد أن عاقلا يجهل قول الله عز وجل في محكم كتابه الكريم{ولا تنازعوا، فتفشلوا فتذهب ريحكم}.

على الجميع أن يؤجل خلافاته للمستقبل، وعليهم جميعا أن يوفروا نزاعاتهم للمستقبل، لينشغلوا الآن بالأهم من الأمور، والكل يرى تربص الإرهابيين والطائفيين والعنصريين بنا لإجهاض تجربتنا الجديدة، وسرقة تضحيات شهدائنا الأبرار.

السؤال الثالث والعشرون:

بماذا فكر الأستاذ نـزار حيدر، عندما بلغه سقوط نظام الطاغية صدام؟.

الجواب:

كنت في طريقي لزيارة مرقد سيد الشهداء وسبط الرسول الكريم الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في مدينة كربلاء المقدسة {مسقط راسي، ومنبتي ومنشئي}بعد طول غياب قسري دام نيف وعشرين عاما، عندما عرضت شاشات التلفزة تلك اللقطة التاريخية التي لا يمكن أن ينساها العراقيون أبدا، عندما تهاوى الصنم والى الأبد.

في تلك اللحظة، مر بذاكرتي شريط الملايين من الضحايا، فرحت أتمتم، ترى أين أنتم أيها الشهداء، لترون كيف انتقم لكم رب العزة والجلال من جلادكم الذليل؟ كم أتمنى أن تكونوا معنا الآن لترون ما نرى؟ خاطبتهم.

السؤال الرابع والعشرون:

وما هي أهداف سماحة الأستاذ الآن إعلاميا؟ وما هي همومه الرسالية؟.

الجواب:

هم واحد لا غير، هو أن تعود للعراق عافيته، وللعراقيين أمنهم، وللأطفال بسمتهم، ولأسر الضحايا فرحتهم.

سأظل أكتب وأكتب وأكتب، عسى أن يفهمنا الأشقاء ويعي معاناتنا الأصدقاء.

سأظل ممسكا بالقلم، لأرسم فيه صورة العراق الجديد، فهو سلاحي الوحيد في ساحة المعركة، وسوف لن أجبر على حمل السلاح مهما هددني الإرهابيون الذين باتوا يمطروني يوميا برسائل التهديد والوعيد.

السؤال الخامس والعشرون:

في الختام، أحب أن أثير بعض الحديث لديكم عن الذات، الذي يخلق أفقا رحبا وأثرا عميقا في النفوس المتطلعة للأفضل.

نقول لهذه الذات المتحركة بثقافة القيام بالتكليف وانتظار النتائج؛ ماذا عن نـــــــــزار حيدر الإنسان المسلم، الشيعي، الرسالي، المجاهد؟.

الجواب:

ليس من عادتي أن أتحدث عن نفسي، فلقد أوكلت هذه المهمة إلى الآخرين. 

في نهاية الحديث، اشكر الأخ الأستاذ المهندس غريبي مراد عبد الملك، لتجشمه عناء الحوار، الذي دل على حرصه وتفاعله مع قضية العراق وشعبه، من منطلق مفهوم الحديث الشريف الذي يقول فيه رسول الله (ص) { من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين، فليس منهم}، متمنيا له التوفيق والسداد، ولشعب الجزائر الشقيق، الخير والتقدم والرفاهية والسعادة والأمن، انه سميع مجيب.