نزارحيدرفي حوار صحفي مع: قسم الإنصات التابع للإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني :الإرهابيون رفعوا رأس العراق مقطوعا على أسنة الرماح

                                 

 

 

عقد عدد من (العراقيين) في العاصمة اللبنانية بيروت،نهاية شهر تموز الماضي،اجتماعا لدعم ما أسموه بـ (المقاومة)، التي قالوا عنها انها (رفعت رأس العراق عاليا) نشرة الإنصات المركزي التابعة لجهاز الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني، ارتأت أن تستقرئ آراء عدد من المفكرين والباحثين السياسيين البارزين، لمعرفة قراءتهم لهذا الاجتماع، والنداء الذي صدر عنه.

السيد نزار حيدر، مدير مركز الإعلام العراقي في العاصمة الاميركية واشنطن، كان أحد المشاركين معنا في هذا الاستطلاع، فكان معه الحوار التالي: ( محمد عثمان أمين - الإنصات المركزي )

السؤال الأول:

ما هي قراءتكم لهذا الاجتماع والبيان الذي صدر عنه؟  في وقت يعكف العراق على كتابة مسودة الدستور وعرضها على الجميع بغرض الاستماع إلى الآراء حوله ؟.    

الجواب:  

إن ما يؤسف له حقا، هو أنه لا زال هناك من العراقيين، من يفكر خارج الزمن، إما بسبب حنينه إلى الماضي، أو لأنه قاصر عن فهم المتغيرات الكبيرة التي يشهدها العراق، وأن أمثال هؤلاء لا يضرون إلا أنفسهم، ففي الحديث الشريف عن رسول الله (ص) :

{يد الله مع الجماعة، والشاردة للذئب}

فبدلا من أن يستوعب هؤلاء ظروف العراق الجديد، ليفكروا بطريقة صحيحة، وبالتالي ليندمجوا مع العملية السياسية الجديدة، ويساهموا في بناء العراق الجديد، نراهم يكررون أفكار الماضي ويرددون سياسات قديمة أكل عليها الدهر وشرب، طالما سمعناها من الأنظمة الشمولية الاستبدادية الديكتاتورية، والتي منها نظام الطاغية الذليل صدام حسين الذي ذهب إلى مزبلة التاريخ ولم يعد.  

لم يعد العراق الجديد ملكا لفئة أو حزب أو قبيلة أو شريحة أو عائلة، إنما هو بلد الجميع، بغض النظر عن انتهاءاتهم الاثنية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية أو السياسية، كل المواطنين فيه سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد، إلا بما تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج، يلزم علينا جميعا احترامها، حتى إذا جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.

ليس في العراق الجديد أي معنى لمفاهيم احتكار السلطة والتمييز، انه عراق يشترك في صياغة سياساته، كل العراقيين، انه بلد الشراكة الحقيقية بين كل مكونات المجتمع العراقي، وعلى هذا الأساس ينبغي أن يبني الجميع أفكاره ورؤاه وسياساته، والا، فليذهب، من يرى غير ذلك،  وليبلط ماء البحر.

إن على أمثال هؤلاء، الذين يتجمعون بين الفينة والأخرى في هذه العاصمة أو تلك، بعيدا عن بلدهم وأهلهم في العراق، ليخططوا ويفكروا خارج الزمن، عليهم أن يسارعوا إلى إعادة النظر في متبنياتهم الفكرية والسياسية ليتمكنوا من اللحاق بالزمن، فيفكروا بطريقة صحيحة، وليتذكروا بأن الشعب العراقي فقط دون غيره، هو من يجب أن تؤخذ مصالحه بنظر الاعتبار، وليس أية قوة أخرى، خارجية، ولقد علم الزمن العراقيين، بأن عليهم أن يفكروا بطريقة (العراق للعراقيين) أولا، بعد أن لمسوا، بيد الحقيقة، كيف أن كل من ظل يتباكى عليهم طوال سنين خلت، إنما كان يبكي على ليلاه وليس على هذا الشعب الأبي الذي خذله الجميع يوم أن تعرض للقتل والموت البطي طوال العقودالمنصرمة من الزمن.

عليهم أن يعيدوا النظر قبل فوات الأوان، ليشاركوا في صياغة معالم العراق الجديد، جنبا إلى جنب بقية العراقيين، والا فان القافلة تسير سيرا حثيثا، وان من يفشل في اللحاق بها سيهمش نفسه والى الأبد، وعندها سيبقى عرضة للعنة التاريخ والأجيال القادمة، وسيظل يعظ على يديه ندما، ولكن (ولات حين مندم).

السؤال الثاني:

عدم إدانة المشاركين في الاجتماع للإرهاب الأسود في العراق ووصفه بالمقاومة الباسلة، كما جاء في النداء " ويحيي المجتمعون قوى النضال الوطني وفي المقدمة المقاومة المسلحة الباسلة التي رفعت رأس العراق عالياً" ماذا ترون فيه، وهل حقا هناك مقاومة باسلة في العراق ؟.

الجواب: 

برأيي، فان كل اجتماع أو مؤتمر أو تجمع:  

أولا؛ لا يدين الإرهاب وعمليات القتل للمواطنين الأبرياء.

ثانيا؛ لا يدين سياسات النظام البائد وجرائمه ضد العراقيين، وحروبه العبثية ضد الجيران، وتاليا، تحميله كامل المسؤولية عما آل إليه مصير العراق.

ثالثا:لا يعترف صراحة بالعملية السياسية الجديدة، ولا يعلن بشكل واضح، التزامه بالعملية الديمقراطية الجديدة.فهو اجتماع يدعم الإرهاب، ويحرض على قتل العراقيين، ويحن إلى ماضي الاستبداد والديكتاتورية والنظام الشمولي، بغض النظر عمن حضره؟ وأين عقد؟ ومتى؟.

ولأننا لم نقرأ في بيان التجمع المذكور أي من هذه الثوابت الثلاثة، فهو، بالتالي، تجمع إرهابي، يحرض على قتل العراقيين بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ لم يعد من الممكن المجاملة على حساب أنهار الدماء الغزيرة التي تراق من نحور العراقيين يوميا، وأقول بصراحة، فإما أن نكون مع الشعب العراقي، فنحارب الإرهاب وندينه علانية وبصراحة وبصوت مسموع، أو أن نكون معه ضد شعبنا الأبي، فلقد بان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولم يعد هناك مجال أمام أحد للتشبث بسياسة النعامة، فيبادر إلى أن يطمر رأسه في التراب، ليبرر قوله أو فعله أو تقريره، ليصف، من ثم، ما يجري في العراق، بالمقاومة، من دون أية إشارة إلى هذا الإرهاب الأعمى الذي يحصد أرواح الأبرياء في كل لحظة من الزمن.

كذلك، فان كل من لا يعترف بالعملية السياسية الجديدة، ويرفض الالتزام بمبادئ الديمقراطية، بغض النظر عن التفاصيل، ويحرض على العنف وحمل السلاح، كوسيلة للحوار بين الأطراف، فانه يحن إلى الماضي، ويريد العودة بالعراق إلى سابق عهده، تحكمه السياسات العنصرية والطائفية والشوفينية، التي اعتمدت سياسات الإقصاء والتهميش، عقود طويلة من الزمن.

لقد رفع الإرهاب، أو كاد، رأس العراق مقطوعا، على أسنة الرماح، فأية مقاومة هذه الذي يتحدث عنها هؤلاء الإرهابيون؟

ليدلوننا على نماذج أعمالهم المسلحة التي لا يقتلون فيها مواطن عراقي ، لنميزها عن الإرهاب ، فالعراقيون لم يروا طوال الثلاثين شهرا الماضية ، سوى مجموعات القتل والعنف والإرهاب التي حصدت من أرواح المدنيين العراقيين أضعاف مضاعفة مما حصدوها من القوات الأجنبية، فأية مقاومة هذه؟.

يحلو للبعض أن يقارن الإرهاب الأسود في العراق بأعمال المقاومين في بلدان العالم، كما يقارنه البعض بأعمال الجيش الجمهوري الايرلندي، ولقد فات هؤلاء، أن الأخير، مثلا، لم يقتل بكل عملياته المسلحة التي دامت ثلاثين عاما بالتمام والكمال، سوى {1800} ضحية فقط، أما هؤلاء الإرهابيين القادمين من وراء الحدود والمحملين بالفتاوى الطائفية والمال الحرام، والمعبئين بعقول مغسولة، والمتحالفين من أيتام النظام والطائفية في الداخل، فلقد قتلوا في واحدة من عملياتهم الإرهابية الدنيئة، أو جرحوا، أكثر من ألف ضحية، كلهم من المواطنين العراقيين، فأين وجه المقارنة إذن؟.

أقول بصراحة، ليس في العراق مقاومة مسلحة، انه الإرهاب الأعمى والأسود الذي يقطر حقدا على العراقيين ودناءة، وان كل من يحرض عليه أو يدعمه ولو بشطر كلمة، فليتبوأ مقعده من النار، فـ {الإرهابي، والذي يعينه، والمحرض على الإرهاب، شركاء ثلاثة}لا يمكن التمييز بينهم أبدا.

السؤال الثالث:

ألا يعني حديثهم عن احتلال انتهى بقرار من مجلس الأمن، هو التمترس أو الغاية فقط لإدامة العمليات الإرهابية وعدم سير العراق نحو غده المشرق في ظل حكم ديمقراطي فيدرالي برلماني ؟.

الجواب:

حتى لا يزايد علينا الإرهابيون، ومن يتستر عليهم أو يتخندق وراءهم، أود أولا أن أثبت الحقيقة التالية التي لا يختلف عليها اثنان من العراقيين، ألا وهي؛ لا أحد يقبل باحتلال بلاده من قبل أية قوة في هذا العالم، وتحت أي شعار أو مسمى كان.

والعراقيون لا يستثنون أنفسهم من هذه القاعدة أبدا، إلا أن الذي شهده العراق في التاسع من نيسان عام 2003 الماضي ولحد الآن، يختلف اختلافا كليا عن كل الحالات (المماثلة) التي شهدها العالم، وذلك من عدة أوجه؛

أولا؛ لقد رأى العراقيون في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الاميركية ضد أعتى نظام شمولي ديكتاتوري، حكم العراق بالحديد والنار على مدى نيف وثلاثين عاما، على أنها {آخر الدواء الكي} للتخلص من النظام الطاغي والمستبد.

لم يكن لهم رأي فيها أو قرار، وإنما كان سببها النظام البائد الذي اعتمد سياسات عدوانية كادت أن تجر العالم  والمنطقة إلى كارثة حقيقية، ولذلك فان الطاغية وزبانيته ومن صفق له، هم الذين يتحملون مسؤولية (احتلال) العراق من قبل الولايات المتحدة، وان على من سكت على سياساته وظل يبرر لها حتى آخر لحظة من عمر النظام البائد، كالذين اجتمعوا في بيروت مؤخرا، عليهم أن يعترفوا بهذه الحقيقة، ليقدموا اعتذارهم للعراق والعراقيين على فعلتهم الشنيعة التي انتهت بالعراق إلى ما نراه اليوم.

ثانيا؛ لقد قرر العراقيون مقاومة (الاحتلال) منذ اليوم الأول لسقوط الصنم، ولكن ليس بالسلاح، وإنما بالكفاح السياسي، من خلال توظيف كل قرارات الشرعية الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي {وهي بالمناسبة كلها صدرت بالإجماع، إذ صوت عليها كل الأعضاء بمن فيهم العضو العربي في كل دورة}والإسراع في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، والمضي قدما في العملية السياسية الجديدة، ولذلك فان أول أمر اتفق عليه العراقيون وامضوا عليه، هو تحديد الجدول الزمني لتقدم العملية السياسية، والذي يسعى الإرهابيون إلى عرقلته بكل الوسائل والسبل.  

لقد التزم العراقيون بالحكمة المعروفة التي تقول (بدلا من أن تلعن الظلام، أشعل شمعة)، فبدلا من أن تدمر ما بقي للعراق وشعبه، وبدلا من أن تحمل السلاح وتطالب بخروج المحتل، بادر أولا إلى بناء مؤسسات الدولة الجديدة، لتحل محل الأجنبي، وعندها سيتبنى العراقيون مطلبك القاضي بخروج المحتل. 

حتى أولئك الذين اختاروا في البداية رفع السلاح بوجه (الاحتلال) من دون أن يتورطوا بالدم العراقي، تراجعوا عن قرارهم بعد أن تأكد لهم بان السلاح لا يجدي نفعا في مثل هذه الظروف، ولذلك القوا السلاح جانبا، وبادروا إلى الانخراط في العملية السايسية، من أجل المساهمة في رسم ملامح العراق الجديد.

ثالثا؛ إن على من يدعي أن بامكانه إنهاء (الاحتلال) بالسلاح، عليه أولا:

ألف؛ أن لا يتورط بالدم العراقي البرئ أبدا، فهذا الدم الطاهر، خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه والتعدي عليه أبدا وفي كل الظروف، حتى يميز نفسه عن الإرهاب. 

باء؛ أن يعلن عن نفسه وقيادته وأهدافه وبرنامجه السياسي، ليتعرف عليه العراقيون، فينخرط في صفوفه من يقتنع بحججه، أما أن يتكلم مع المواطن من وراء جدر، ملثما يقود شاحنة الموت المملوءة بالمتفجرات ليقتل فيها أكبر عدد من الأبرياء، فهذا ليس من المقاومة بشئ، انه إرهابي (وان طار).  

أما هؤلاء الذين يتخندقون وراء عبارات (الاحتلال) و(المقاومة) وما إلى ذلك، فإنهم يبحثون عن حجج لتبرير سياساتهم وأعمالهم الإرهابية.

إن عليهم أن يحترموا خيار العراقيين في المقاومة السياسية وبناء مؤسسات الدولة والالتزام بالعملية السياسية الجديدة، وعليهم أن لا تأخذهم العزة بالإثم، فيبادروا إلى الاعتراف بالخطأ، والاعتذار للعراقيين على ما اقترفته أيديهم من جرائم.

عليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى، فيبادروا للاعتذار من العراقيين، بسبب الدم الذي سفكوه، ويتوقفوا عن دعم الإرهاب بكل أشكاله، لينخرطوا في العملية السياسية، كما بدأ يفعل ذلك كثيرون.  

لا نريد أن نبرر لوجود القوات الأجنبية في العراق، ولكن فات هؤلاء (المقاومون الشرفاء جدا) بان أميركا موجودة في كل البلاد العربية والإسلامية، فلماذا كل هذا الإصرار على مقاتلتهم في العراق فقط دون سواه من أرض الله الواسعة؟

لماذا لا يقاتلونها في مصر والسعودية والأردن وقطر والمغرب والإمارات العربية المتحدة والباكستان وأفغانستان وفي كل بقعة من بقاع (بلاد العرب والمسلمين) ؟ أم أن أبواب الجنة مفتحة لهم فقط من جهة العراق؟

ألا يحمل إصرارهم على مقاتلتها في العراق فقط، المرء على الشك في الأهداف وقبل ذلك، في النوايا؟.

لماذا يسمونها في العراق (مقاومة) وفي غيرها (إرهاب) ؟.

لماذا هذه الازدواجية في المفاهيم والمعايير والمصطلحات ؟.

إنها الطائفية البغيضة والعنصرية المقيتة التي تعمي أبصار هؤلاء، وتغلق على عقولهم لتحول بينهم وبين رؤية الحقيقة وتلمس طريقها، للاعتراف بها.  

السؤال الرابع:

هل يخدم النداء، عبر طروحاته هذه، القضية العراقية عموما، خصوصا العملية الدستورية ؟.

الجواب:

ليس لمثل هذه النداءات أي أثر سياسي أو فكري، فمثلها كمثل من يلهث وراء السراب يحسبه الضمان ماء. إن مثل هذه النداءات مصداق عملي واضح لقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) {خذلوا الحق، ولم ينصروا الباطل} فهؤلاء (الإرهابيون بالكلمة) خذلوا الموقف العراقي العام عندما حرضوا على العنف والإرهاب، إلا أنهم، في نفس الوقت، لم ينصروا الإرهاب، لأن الأخير موقفه إلى أفن، طال الزمان أو قصر، فـ{للظالم صولة، وللمظلوم دولة} بعد أن قرر العراقيون الاستمرار في العملية السياسية الجديدة مهما كان الثمن، لأنهم يقفون اليوم على مفترق طرق، فإما أن يهزموا الإرهاب أو ينهزموا، ومتى كانت إرادة الطغاة أقوى من إرادة الشعوب؟

ولنا في الطاغية الذليل خير دليل لمن يشك في الحقائق وسنن الله عز وجل الذي كتب على نفسه ولرسله الغلبة.

السؤال الخامس: 

الم يكن بالامكان عقد هذا الاجتماع في العراق المحرر من الطاغية؟ خاصة، إذا كان الموضوع الأمني هو السبب لعدم عقده فان تمجيدهم للإرهابيين عبر وصفهم بالمقاومة الباسلة كان يحول دون تعرضهم للأذى؟.

الجواب:

سواء عقد الاجتماع في العراق أو في أي مكان من العالم، فلن يغير من الحقيقة شيئا يذكر، لا زال الحضور لم يقرروا بعد، تغيير عقليتهم (الإرهابية)، فالعبرة في طريقة التفكير والنتائج التي تترتب عليها، وليس في مكان انعقاد مثل هذه اللقاءات والاجتماعات.

السؤال السادس:

أي طابع ترونه في هذا النوع من الاجتماعات؟ هل هو طابع قومي أو بعثي أو غير ذلك؟ وهل سيكون في الشارع العراقي العدد الكافي ممن يستوعبون هذه العقلية ؟

الجواب:

من خلال الإطلاع على أسماء الحضور يتبين أنهم أحد فريقين:

الأول، هم أيتام النظام البائد من القومجيين العنصريين، والثاني، هم عدد من الطائفيين التكفيريين الذين ما فتئوا يحرضون على العنف والإرهاب، وقتل الآخر كونه يعارضهم في الفكر أو الانتماء المذهبي أو ما أشبه وبين الفريقين، عدد من المغفلين الذين شعارهم (أنا أعارض، إذن أنا موجود) من دون أن يعرف ماذا يعارض؟ ومن؟ ولماذا ؟

هؤلاء الذين يتغنون بقول داهيتهم عمرو بن العاص الذي كان يقول (الصلاة خلف علي أتم، والقصعة مع معاوية أدسم، والوقوف على التل أسلم).

لم نسمع منهم، في يوم من الأيام، كلمة إدانة ضد النظام البائد وسياساته، بل أن الكثير منهم كان قريبا من النظام ومؤسساته ودوائره، بما فيها الأمنية فعندما كان العراقيون يتظورون ألما بسبب سياسات النظام الشمولي البائد، كان هؤلاء وأمثالهم (يتنعمون) بالفتات الذي يرميه لهم زبانية النظام، من موائد السحت التي نصبها على جماجم الأبرياء فلو كان هؤلاء وأمثالهم حريصون بالفعل على العراق وشعبه، فأين كانوا يوم بدد النظام ثروات البلاد في حروبه العبثية؟ وأين كانوا يوم استخدم السلاح الكيماوي الفتاك والمحرم دوليا ضد الكرد في الشمال والشيعة في الجنوب؟ وأين كانوا يوم قتل مئات الآلاف من الأبرياء إبان انتفاضة الشعب العراقي ضده؟ ولماذا لم نسمع صوتهم يوم أن أخفى مئات الآلاف من الكرد، بمن فيهم النساء والأطفال، والكبار والصغار؟ ولماذا لم نسمع اداناتهم يوم باع النظام سيادة العراق في خيمة صفوان؟ ولماذا ولماذا ؟.    

إن التيار القومجي العنصري الذي يقف وراء ويدعم مثل هذه الاجتماعات، هو الذي كان، ولا يزال، سبب كل المصائب التي مرت بالعرب، منذ نشوء هذا الفكر الشوفيني مطلع القرن الماضي في عدد من عواصم الغرب ولحد الآن، ومنذ أن تسلم السلطة في البلاد العربية من الاحتلال والاستعمار وبشروطه المسبقة المعروفة، ولحد اليوم.

انه المسؤول المباشر عن تخلف العرب وأمية الشعوب وجهلها، وكل هذا الفقر المدقع الذي تعيشه الشعوب العربية، بالرغم من حجم الثروات الضخم الذي تمتلكه.

انه المسؤول عن تبديد ثروات الأمة، وقتل كفاءاتها وسجن وتعذيب، وتاليا قتل، مفكريها وعقولها المبدعة، انه المسؤول عن هجرة الأدمغة العربية الخلاقة لقد خسرت الأمة بسببه كل معاركها العسكرية، وبسببه خسر العرب الأرض والعرض والمقدسات، وبسببه خسروا القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة ومساحات واسعة من الأرض العربية في مصر وسوريا والأردن، وبسببه خسر العراق سيادته على أراضي شاسعة من حدوده في الشرق والغرب والجنوب.

هذا الفكر الشوفيني العنصري الذي لم تسمع منه الشعوب سوى الكذب والدجل والغش والشعارات الفارغة التي لم تبني شيئا، ولم تنجز أمرا يذكر منذ أن حكم البلاد العربية بعد ما يسمى بانتهاء فترة الاستعمار والانتقال بالبلاد العربية إلى عهد الاستقلال، لينتج كل الأنظمة الاستبدادية الشمولية الديكتاتورية، التي لا زالت جلها تحكم بلاد العرب منذ أكثر من نصف قرن، بلا تفويض من الشعب، أو من خلال صندوق الاقتراع في انتخابات عامة، حرة ونزيهة، وإنما عن طريق الانقلابات العسكرية (السرقات المسلحة) التي يسمونها (ثورة)، أو بالتوارث الملكي الذي لا يمتلك أية شرعية، لأن الملك الأول في السلالة اعتلى العرش بالدعم الأجنبي المباشر وفي ظل الاحتلال، كما هو الحال مع الأردن والسعودية مثلا انه فكر قائم على أساس الغش والتزوير وقلب الحقائق، وتجهيل الشعوب، ولقد شبع منه العراقيون كذبا وزورا وتزييفا على مدى نيف وثلاثين عاما، عندما كان النظام يمنيهم بعد كل معركة، بالنصر والتنمية والديمقراطية، حتى انتهت البلاد والعباد إلى ما نراه اليوم.

إن أيتام هذا النوع من الفكر الشوفيني، هم الذين يقفون وراء مثل هذه الاجتماعات، ولذلك لا ينتظر منها العراقيون أي خير يرتجى، كما لا ننتظر منها أي تأثير يذكر على الساحة، سواء العراقية منها أو العربية أو الدولية، بعد أن مل منه الرأي العام إلى درجة القرف وبقراءة سريعة لبيانهم الختامي، نلحظ أنهم تنقصهم الجرأة على التغيير، ولذلك فإنهم عمدوا إلى تكرار حتى نفس العبارات والمصطلحات التي أتخم بها المواطن في البلاد العربية، ولم ينسوا أن يمجدوا بالانقلاب البعثي عام (1968) فوصفوه بالثورة....تخيل كما لم ينسوا أن يصادروا التمثيل من كل القوى السياسية العراقية الأخرى، فاعتبروا أنفسهم الممثلين الحقيقيين لكل الشعب العراقي، وبمختلف قومياته واتجاهاته السياسية، أما الباقون، فقد اعدموا وجودهم من الأساس.... تصور إنها ذات العقلية الشوفينية، ونفس طريقة التفكير الأعوج، وهذا هو القاسم المشترك الكبير الذي يجمعهم مع الإرهابيين والزمن الماضي، وكفى به قاسما مشتركا.

على أيتام هذا الفكر الشوفيني، أن يعيدوا النظر في عقليتهم المريضة، ويعترفوا بالتعددية الموجودة كأمر واقع في العراق، وعليهم أن يركنوا إلى اليأس من إمكانية العودة بالعراق إلى سابق عهدهفي نهاية هذا الحوار، أتقدم بشكري الجزيل وتقديري الكبير لكم، لإتاحتكم لي هذه الفرصة الثمينة لأطل من خلالها على جمهوركم الكريم.