حوار مع جواد المالكي رئيس لجــنة الســيادة في الجمعية الوطنية

 

 

 

عندما تغدو الوطنية هماً، ويصبح استرجاع الشروط الانسانية(المفقودة) لوجود المواطن على أرضه رسالة، يتبنى السياسي حملها وأداءها في ظل ظروف واقعية معقدة، يشير كل ما فيها الى الصعوبة البالغة في أداء مثل هذه الرسالة،يستنفر الوطنيون في موقع السلطة.

قدراتهم وممكناتهم كلها لبلوغ أهدافهم تلك. حتى وان عز السبيل لها او بدا في لحظة قراءة واضحة لمعالمه ولممكناته، ان الطريق لا تؤدي بسالكها لغايته، غير ان حساباً للطريق آخر، لا يضع في مفرداته ان هذا الذي في الطريق من المصاعب، هو وحده صاحب الحكم والقرار في تحديد مقدار نجاح سالكيه، انما هناك العزم قبل كل ذلك، ونوع المهمة التي يعقد الأمر على أدائها، حتى اذا كانت مثل هذه المهمة رهينة بتحديد سيادة الانسان على أرضه، وتقرير مصيره في حياة حرة كريمة، انقلبت حسابات المعادلة كلها واسلم الطريق ممكنات لارادة السالكين ليمنحهم وحدهم حق تقرير حظهم من النجاح.

لجنة السيادة ابتكار وطني أصيل، ورهان صعب في ظل ظروف تاريخية حرجة، تنبثق الآن في وسط ما زال محتدماً جداله،متباينة وجهات نظره، بين فئة ترى في الوجود العسكري الأميركي انتقاصاً للشرعية والسيادة الوطنية، وفئة ترى الأمر في غير هذه الصورة.

(الصباح) تلتقي هنا جواد المالكي رئيس لجنة السيادة للتعريف بحدود عملها وطبيعة مشروعها الوطني.

لا أريد لحوارنا ان يبدو تقليدياً، غير ان الفائدة التي نرجو اولاً، ثم حداثة فكر اللجنة وجرأتها تقتضي منا الالتزام بهذه التقليدية، عبر السؤال عن طبيعة عمل هذه اللجنة، وأسباب تشكيلها وحدود امكاناتها؟

ـ تشكل السيادة محور العمل الوطني والمسؤولية الشرعية، ولأنها تعرضت للانتهاك بسبب ممارسات النظام المقبور وجوداً وعدماً، أصبح مبدأ التصدي عملياً لاستعادتها ضرورة تفرضها الإرادة الوطنية ومصالح الوطن وحرمته، والجمعية الوطنية التي تمثل ارادة الشعب وحقه في استعادة سيادته على بلده، فكرت بمسؤولية في هذا الموضوع من منطلق تمثيلها للشعب العراقي، فتبلورت فكرة تشكيل اللجنة المختصة بمتابعة شؤون استعادة السيادة، فضلاً عما تقدم من مقتضيات هناك امور جوهرية هي:

- ان العراق حصل على سيادته بموجب قرار مجلس الأمن المرقم 1546 ولكن ظلت السيادة في الواقع العملي منقوصة برغم استعادة الكثير منها، ويقتضى اصلاح الخلل الجوهري بين القرار والواقع العملي.

- الممارسات العنفية التي تمارسها القوات المتعددة الجنسية في ظل الحصانة التي لا تستند الى قرارات دولية تسببت في هدر دماء الكثير من العراقيين بدم بارد ودون محاسبة واضحة تردع الفاعلين.

-  بقاء الرموز السيادية في يد القوات المتعددة الجنسية، وفي مقدمتها القصر الجمهوري الذي يعد أبرز معلم للسيادة الوطنية.

- المباشرة في عملية بناء القوات والأجهزة الأمنية واستمرار فرض السياسة الأمنية التي ثبت فشلها وتسببت بالكثير من الأخطاء والمعاناة.

- ولأن السيادة حق وطني ووجود قوات أجنبية بصلاحيات أمنية يستفز مشاعر العراقيين، شكلت اللجنة لتقديم الدراسة العملية والميدانية والقانونية والسياسية، وآليات العمل لتحقيق مبدأ السيادة الكاملة عبر مختلف القنوات التي تتضافر فيها جهود الجمعية الوطنية والحكومة، وجميع القوى السياسية والشعبية. وامكانات اللجنة تكمن في قوة تمثيلها لإرادة الشعب، ولأنها منتخبة وممثلة شرعياً لهذه الارادة، تدعمها ارادة الامم المتحدة ومجلس الأمن بالقرار المذكور سابقاً، وجميع الأعراف السياسية والقوانين الانسانية والحق الوطني للشعب العراقي. ومن الطبيعي عندما يصمم الشعب على تحقيق سيادته على وطنه، فان ارادته يجب ان تؤخذ بالحسبان الدقيق، وقوة اللجنة ايضاً في دعم الكيانات السياسية والمؤسسات الدينية والاجتماعية.

ليست السيادة مطلباً نظرياً، يمكن بلوغه او تحقيقه من خلال صيغ عمل اللجان او اللقاءات والمؤتمرات، انها بصيغة اخرى، ممارسة عملية واسعة النطاق، مفتوحة ينبغي على مجموعة من المؤسسات تنفيذ برنامجها النظري.

ماذا أعددتم لمثل هذا الانفتاح والتوجه العملي؟ أعني ما هي آلية التثقيف باتجاه الوعي الجمعي لمفهوم السيادة؟.

ـ قلنا ان السيادة مطلب شرعي ووطني، ومن دون الوعي الجماهيري على ضرورة هذا المطلب تبقى اللجنة من دون مستوى القدرة على تحقيق أهدافها، لذلك ابتدأت باثارة الموضوع عبر منبر الجمعية الوطنية، وأسمعت الشعب والعالم شرعية مطلبها، وكلفت لجنة اعلامية تثقيفية لايصال مطلب السيادة الى الجماهير بصورة صحيحة وواقعية، بل من الحكمة في تناول الموضوع، مراعاة لكل المتعلقات الأمنية المترتبة على انهاء وجود القوات الأجنبية التي يشكل وجودها أبرز مظاهر نقصان السيادة في مجالات التعامل مع ملفات الأمن والجيش وتنوي اللجنة القيام بتعبئة سليمة للرأي العام، وتوظيف طاقات الامة بالانفتاح على كل المؤسسات السياسية والدينية والجماهيرية، وعقد الندوات والمؤتمرات، واستخدام وسائل الاعلام بمختلف انواعه المقروء والمسموع والمرئي، واذا ما تطلب الأمر فستعمل اللجنة على تسيير مسيرات شعبية سلمية تسمع صوت المطلب المشروع كما نجد المصلحة الوطنية بايجاد برامج تثقيفية بشأن معنى السيادة وأهميتها، وطريقة تحقيقها، على ان تجرى كل هذه الجهود بمنتهى الحكمة اولاً، وصلابة المطلب ثانياً، والاستناد الى الحقائق والوقائع والقرارات الدولية ثالثا. 

أنتم ..أعني الشيعة العراقيين في موقع السلطة متهمون زوراً بانحيازكم السياسي لايران، وربما يجد هذا القول صيغته الاكثر بلاغة في تصريح اعلامي ينسب لأحد المسؤولين الايرانيين، مفاده ان ايران لو تمكنت في حربها السابقة مع العراق من احتلاله، فانها لن تجد حكومة تخدم مصالحها القومية أفضل من تشكيلة الحكومة العراقية الحالية.

مثل هذه المغالطة المفارقة تجد جوابها كله في معادلة الشيعة/ الوطنية، كيف توضحون ذلك؟.

ـ لقد اثبت شيعة العراق عملياً انهم لن يكونوا عمقاً لمصالح أحد، فهم يتعاطفون مع الآخر، سوء أكانت ايران ام غيرها من الدول العربية والاسلامية، من موقع الاحساس بالشراكة في تثبيت المصالح الوطنية، وحماية المنطقة من التحديات الأمنية والاقتصادية، كما يعبر عن رغبة التواصل، لكن هذا لا يعني ان الشيعة يقدمون تنازلاً او يقبلون ، كما يحلو لأصحاب الاشكال ان يكونوا، امتداداً لمصالح الآخرين على حساب مصالحهم الوطنية.

والمغالطة هذه سواء أكانت مفتعلة ام صدرت فعلاً عن أحد تدحضها الوقائع التي برهنت على ان الشيعة العراقيين يتمسكون عبر تاريخهم باستراتيجية تعتمد ثقتهم بأنهم وجود عراقي أصيل يتمسك باستراتيجية التواصل مع التشيع وامتداده عبر التاريخ.

الأمن والسيادة.. مفهومان واقعيان جداً، يؤدي احدهما الى الآخر ويحققه بقوة. بعبارة واضحة.. ان الاستقرار الأمني هو وسيلة ومظهر تحقيق السيادة.. السؤال: كيف يمكن الحديث عن السيادة في ظل هذه الظروف الأمنية المنفلتة، بعبارة اخرى، في ظل ظروف لا يكون فيها الملف الأمني واقعياً، شأناً من شؤون الدولة؟

ـ السيادة منعكس للأمن، واستقرارها رهن باستقراره،وعودة الملف الأمني كاملاً الى الحكومة العراقية يعني المعلم الأبرز في عودة السيادة الوطنية،ونجاح أجهزتها بكفاءتها وتأهيلها يعني ان السيادة اصبحت أمراً واقعاً، والاشكالية القائمة في المعادلة التي تقول ان السيادة لا تتحقق الا بالأمن، والأمن لا يتحقق الا بالسيادة والسيطرة على بناء وتأهيل وادارة الاجهزة الامنية، لذلك كان المطلب الاساس هو استعادة سيادتنا على أجهزتنا لتأهيلها وتطويرها، حتى يكون ذلك جدولة زمنية وموضوعية للطلب من القوات الأجنبية مغادرة الأراضي العراقية، وبقاء أجهزتنا من دون سيطرة كاملة لحكومتنا يعني بقاء الخلل فيها مما يسبب الحاجة لبقاء قوات متعددة الجنسيات. 

بغض النظر عن دوافع الاحتلال، المعلنة منها والخفية، ما صدق منها وما اتخذ ذريعة حسب، نحن بلد محتل، ومن يحتلنا هو الدولة الأقوى في العالم. الاحتلال هو النقيض الواقعي والاصطلاحي لمفهوم السيادة، وهذا معناه انكم تضعون أنفسكم في الطرف المقابل، النقيض للمصالح الأميركية. كيف تتصرفون في وضع صعب كهذا، لا يعني في حقيقته سوى ان ما ستحصلون عليه من مكاسب سيجرى انتزاعه من خلال الصراع فقط؟

- نعتقد بمقولة( ما ضاع حق وراءه مطالب)، واذا كان المطالب بالحق حكيماً حصيفاً صادقاً سيجد كل الوسائل الممكنة لتحقيق مطلبه، وما دام الطريق مفتوحاً أمامنا للمطالبة بالسيادة وفق الحق الوطني، وما أكدته القرارات الدولية، وسنسلك هذا الطريق بكل فاعلية، ونعتقد ان الطرف الأميركي سيجد نفسه أمام مطلب وطني يستند الى حقائق ومواثيق تضعه أمام حتمية الاستجابة وعدمها سيضع أميركا في أوضاع صعبة ومعقدة تستمر باستمرار تصميم العراقيين على استعادة سيادتهم، ونعتقد ان قدر القوات الأميركية بعدما انجزت مهامها، العودة الى وطنها، وقدرنا ان نستعيد سيادة بلدنا في أسرع وقت ممكن.

أكن لك الكثير من الاحترام، أعني احترام المواقف، ونوع الثقافة الوطنية الرصينة، وهذا يعني بالنسبة لي انكم بصدد عمل سياسي وطني جاد.

هل تتوقعون في ظل هذه الظروف التي تقف الآن ضداً على مشروعكم جني ثمار سيادة حقيقية، ام انها لجنة مسماة كبقية لجان الجمعية الوطنية؟

ـ ليس لدينا وقت ننفقه في تشكيلات ومطالب وهمية، واقدام الجمعية الوطنية على هذه الخطوة لم يأت من فراغ ومن دون رؤية واقعية وطنية تتردد بين حق المطالبة والسعي لانهاء الأوضاع الاستثنائية التي ترافق عادة وجود قوات أجنبية في بلد غريبة عليه قيماً وافكاراً وحضارة، وعندما تحملنا المسؤولية، كنا نعلم الصعاب التي تقف بوجهنا، ولم نقدم على عمل نعتقد انه سهل ميسور، انما هو تعقيد يلف العملية برمتها، وسقوط نظام على يد قوات أجنبية تصرفت ابتداء بلا قرار دولي وانتهت بتغطية منه يعني مزيداً من الصعوبات التي اختلطت فيها ارادة الدولة القوية مع الشرعية التي منحتها الامم المتحدة.

في تحولات العالم المعاصر التي تقودها العولمة، تغيرت الكثير من المفاهيم القديمة، بحيث لم يعد لبعضها من معنى حقيقي على الواقع، فمفهوم الاحتلال مثلاً، اصبح يمكن ان يعني ويحقق كامل دلالته من دون جيوش غازية وحروب تحدث على أرض البلد المحتل، لأن تبعية اقتصاد بلد ما وضبط وتوجيه سياسته من قبل بلد آخر تكفي لتسميته محتلاً.

قدر تعلق الامر بمفهوم السيادة، أتعني لديكم السيطرة الوطنية على المكان/ الوطن، أم تعني لكم التحكم الوطني في اقتصاد البلد، أم هي الاستقلال في اتخاذ القرار السياسي؟

- اللجان الفرعية التي شكلتها اللجنة المركزية توزعت على محاور هدفها اثارة الموضوع كمطلب وطني، وكلها تدل على اننا نعي بأن السيادة لا تعني فقط عملية احتلال الأرض، انما ما يتفرع عنها كنتيجة حتمية، فتحرير الاقتصاد واستعادة السيادة الكاملة على الثروة والسيادة الأمنية واستقلال القرار السياسي والتحكم الوطني في مجال المؤسسات الداخلية والخارجية، واعتماد ثقافة سياسية وحضارية اصيلة بعيدة عن التدخلات والمؤشرات، كلها تعني بالنسبة لنا سيادة يجب العمل من أجل تحقيقها.

المصدر :حاوره - عادل عبد الله : جريد ة الصباح - 14-8-2005