حوار حول العملية السياسية ومستقبل العراق

 

 

استضافت شبكة المستقبل للثقافة والإعلام قبل الانتخابات العراقية الأخيرة الباحث والمفكر العراقي الأستاذ فؤاد عباس حول العملية السياسية ومستقبل العراق، ليُجيب على أسئلة محورية منها:

1- الوسائل إلى الهدف في السياسة أكثر من الكثيرة، فكيف نفذت كل الوسائل ولم يبق إلاّ الخيار السياسي؟

2- كيف يمكن للإلتزام بمواعيد الانتخابات والعملية السياسية أن يعكس التزاماً بإستقلال العراق وسيادته؟

3- أليس التشبث بالقرار (1546) المذكور تبريراً وإستسلاماً للمحتل؟

4- أليس هذا من الخطاب الإعلامي الإنهزامي المتخاذل الذي يستهدفُ ضربَ المعنويات والروح الوطنية؟

5- لماذا هذا التبري من ثورة العشرين والتحول من معركة التحرير إلى معركة الديمقراطية؟

6- إذا كانت ثورة العشرين تعثرت في تكريس الإستقلال والديمقراطية رغم حملها السلاح فلماذا الرهان على الخيار السلمي والعملية السياسية في العراق حالياً؟

7- ما هي المواد التي أُدخِلت على دستور العراق لعام 1925، لتُمهد بتوجيه الضربة الثانية للديمقراطية في العراق؟

التأجيل غير المبرر، وكما هو إرباك العملية السياسية في أي جزء منها وفي أي مرحلة من مراحلها يُعد تأجيلاً لإستكمال العراق سيادته وإستقلاله.

فهل هناك مَن يرتضي أو يُطالب بتأجيل نيل العراق إستقلاله وسيادته؟

أن القوة المتعددة الجنسيات وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ألزمت نفسها بالقرار (1546) المذكور فالتزامناً بالقرار يُعتبر إلزاماً لهذه القوة بالقرار ومستحقاته.

فهلْ يُعقل لمزايدات عاطفية غير عقلانية أن تذبحَ الممكنَ، ونقفز على الوقائع في الهواء كي نبكي على أطلال أجزاء من هذا الممكن المتاح بعد عقود طويلة وبعد أن تحولَ إلى محال؟

إغراق العراق في دوامة العنف، إرباك وتأخير وتخريب العملية السياسية فتعطيل الديمقراطية لإيجاد فراغ سياسي يُمهد ويتيح الفرصة لقوى الظلام للتفاوض مع أطراف دولية مؤثرة للقبول بخيار الانقلاب العسكري أو ما نحو ذلك للقفز على الحقائق وتكريس الفردية والديكتاتورية والتبعية والتميز العنصري بأنواعه وتصدير الأزمات وإفتعال الحروب ورفع مستويات إنتاج المقابر الجماعية، والإبقاء على حرمان الشعب العراقي المظلوم من تحقيق طموحه في بناء دولته الحديثة الديمقراطية مرة أخرى بعد ثمانين عاماً، وكما حدث بعد ثورة العشرين.

لا تبري من ثورة العشرين ولا تحول في الأمر، والموقف الحالي ما هو إلاّ استمراراً وامتداداً لرسالة ثورة العشرين الرائدة في الدعوة إلى الإستقلال والديمقراطية والتي نجحت في زرع بذور الإستقلال والحرية والديمقراطية في المنطقة وكل الدول العربية، فالسُبل غير الديمقراطية.. غير القانونية لنيل الإستقلال الكامل لا يترتب عليها ولادة نظام ديمقراطي مستقر تعايشي مسالم.

إستكملت بريطانيا إحتلالها للعراق عام 1918، والذي بدأ بإستيلائها على البصرة في العام 1914 وبعد إعلان الحرب العالمية الأولى، وظلَّ الشعبُ العراقي متمسكاً بالخيار السياسي والمرحلية لتحقيق إستقلال العراق وحريته وسيادته وديمقراطيته ولَمّا رفضَ المحتلُ كلَّ ذلك جملة وتفصيلاً بل صَعَّدَ الموقفَ وقادَ الحوارَ إلى طريق مسدود تماماً، أصدر المرجعُ الديني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازي (رضوان الله عليه) الفتوى الشهيرة لثورة العشرين التي أوجبت أمرين وأجازت أمراً ثالثاً، أجلْ أوجبت على العراقيين المطالبة بحقوقهم، كما أوجبت الفتوى رعاية السلم والأمن عند المطالبة بالحقوق وأجازت للعراقيين التوسل بالقوة الدفاعية بصورة مشروطة.. مُقيدة ذلك بإمتناع السلطة البريطانية عن قبول مطاليب العراقيين، وهذا واضح ودقيق في نص الفتوى التي أوردها كاملة:

(المطالبةُ بالحقوقِ واجبةٌ على العراقيين، ويجب في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوزُ لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنعَ الإنكليزُ عن قبول مطاليبهم) فأينْ ما يحدث اليومَ على أرض العراق الجريح من تلك المرحلية والشفافية والشعبية والعقلنة والأخلاق السامية والحضارية لثورة العشرين؟

أين الشرعية الدينية لما يحدث اليوم في العراق؟

أين الشرعية السياسية لما يقع اليوم في العراق؟

أين الشرعية الدولية لما يقع اليوم في العراق؟

كيفْ تحولت المطالبة بإستقلال العراق إلى المطالبة بعودة النظام السابق لحكم العراق؟

هكذا كانت ثورة العشرين ولهذا انتصرت، ولا مجال للقياس بينها، وبين المعادلات والوضع الحالي القائم، فالتاريخ لا يُعيد نفسه إلاّ في ظل الظلام والتخلّف، وعقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء.

كيفْ لم تنجح ثورة العشرين في تحقيق الإستقلال للعراق، وأحد النتائج السياسية المباشرة التي حققتها الثورة كانت تشكيل حكومة مؤقتة من العراقيين لإدارة شؤونهم بأنفسهم، وتاريخياً كان تشكيل حكومة مؤقتة في ظلّ الإنتداب يُمثل وضعية متقدمة على بقية الأشكال التي سيطرت بها الدول الإستعمارية على بعض البلدان العربية -آنذاك- (مثل فلسطين، سورية ولبنان)

بل كما يعترف ناجي شوكت في مذكراته قائلاً:

(لولا ثورة العشرين لما تأسست الدولة  العراقية)

عَمِلت بريطانيا وتمادت في إقصاء الأغلبية وتهميشها أكثر فأكثر وتضخيم دورة الأقلية، لضرب إستقلال العراق، لأن حكم الأقلية وإلغاء دور الأكثرية لا يخلق إلاّ نظاماً ضعيفاً، لأن قاعدته وشعبيته محدودة فيبقى الإستقواء بالخارج لتثبيت الأمر في الداخل قائماً ومستمراً، كما يبقى إستدعاء الحرب الأهلية وتأجيجها ممكناً وفاعلاً، أضف إلى ذلك أن إفتعال فزّاعات تُعيد هوامات الحرب عبر إخراج مشاهد مُذكرة بها لتبرير إلغاء الحياة السياسية الصحية (بإقرار الأحكام العرفية) في البلد، وكل ذلك يُمهد لضرب إستقلال الدولة.

في الوقت الحاضر فهناك إعتراف دولي، ولو رسمي بإستقلال العراق، وهذا الإعتراف يسحبُ المبررَ من السُبل والآليات غير السلمية لترسيخ إستقلال العراق، ديمقراطيته ووحدته ثم:

أينْ ما يحدث اليوم من تلك المواجهة الدفاعية الشفافية ذات الشرعية الدينية و الشرعية السياسية والشرعية الدولية والقاعدة الشعبية العريضة؟

فثورة العشرين لخصوصياتها تلك شملت العراق كله بجنوبه وشماله، والمراسلات التي تعكس التنسيق بين أخوتنا في كردستان مع قيادة ثورة العشرين محفوظة وكثيرة، ومواجهات الشمال في السليمانية، عقره، كفري وغيرها واضحة وجلية، هذا بالنسبة للإستقلال، والفروقات بين تلك المرحلة والوضع الحالي القائم.

ثانياً:

أما فيما يخص الديمقراطية، فثورة العشرين رفعت شعارَ الديمقراطية الدستورية البرلمانية إلى جانب الإستقلال، فعكست وعي القيادة المرجعية لاهتمامها المبكر بالديمقراطية وعكست من جهة أخرى التلازمَ الإستراتيجي الذي كانت تراه بين الإستقلال وكلاً من الوحدة والديمقراطية من جهة أخرى، ولهذا بقت تُؤكد على الأمرين، كما رفضت نزع السلاح ومنه سلاح العشائر، وظلت تتابع الإستقلال الناجز.

فعندما تحكمُ الأغلبيةُ - وكما هو الحال في الديمقراطية-، وتُشارِك الأقلية والأقليات في الحكم، ويكون تداول سلمي بالانتخابات للسلطة، وتكون الحماية المتساوية لحقوق الأقلية والأقليات مضمونة، ويكون الطريق مسدوداً أمام سلب الحقوق والحريات الأساسية التي تتمتع بها أقلية أو فرد.. عندما يكون الأمر كذلك، فسيؤدي ذلك إلى ولادة دولة برلمانية دستورية قوية تستمد قوتها من الداخل.. من الشعب، لا حاجة لها في الإستقواء بالخارج، أي يصبح الإستقلال ممكناً وناجزاً، فالديمقراطية تدعم الإستقلال كما تدعم وحدة البلاد، علاوة على أنها تمثل حلاً للتنوع الإجتماعي في العراق، لهذا وغيره ترى أن ثورة العشرين رفعت شعار الديمقراطية إلى جانب الإستقلال، وعلى قدم المساواة، ومنذ البداية، هذا ولم تتوقف يوماً دعوة المرجعيات إلى الديمقراطية البرلمانية الدستورية فالبحث فيها والدعوة إليها – مثلاً- أحتلت آلاف الصفحات من كتابات المرجع الديني الكبير السيد محمد الشيرازي (رضوان الله عليه)، ومنذ أكثر من نصف قرن وحتى قبل رحيله قبل أكثر من عامين.

العراق وقبل الدول الأخرى بدأ مسيرته نحو الإستقلال والديمقراطية وبقى ينعم ببعض مظاهر الديمقراطية ومعطياتها ولو نسبياً بعد إنتصار ثورة العشرين، فبعد البدء بتهميش الأغلبية، وبعد تنصيب عبد الرحمن النقيب الكيلاني رئيساً للوزراء بعد ثورة العشرين، وتتويج فيصل ملكاً للعراق.. أجلْ بعد كل ذلك، بقيت بعض المظاهر النسبية للديمقراطية، لأن قائد الثورة (رحمه الله) زرع جذورها إلى حد شل قدرة مناهضي الديمقراطية في قلعها دفعة واحدة.

وفيما يلي نص القسم الأول من الحوار والذر أجراه الدكتور محمد جواد علوان مراسل شبكة المستقبل للثقافة والإعلام:

حوار مفتوح

(القسم الأول)

مع الباحث والمفكر العراقي

فؤاد عباس       

بسمه تعالى

السؤال -1-: كيف تنظرون إلى العملية السياسية في العراق؟

ج: في ظل الظروف الدولية الصعبة الشائكة وإنعكاساتها الإقليمية والمحلية المتنوعة المتسارعة والدمار الشامل الذي يعيشه العراق جراء سياسات النظام الشمولي التوسعي السابق الداخلية والخارجية التي حرمت الشعب العراقي من حقوقه الأساسية الأولية وأبسط مقومات الحياة الكريمة، تلك السياسات التي أغرقت العراق والمنطقة في دوامة العنف والحروب المتتالية العبثية وغيّبت الدور الحضاري الإيجابي للعراق على الساحة الدولية.

لهذا وللتنوع الاتني والقومي والعرقي والسياسي والاجتماعي الذي يتميز به العراق يبدو إنه لا بديل من الإحتكام إلى صناديق الإقتراع في انتخابات حرة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة ومراقبتها إلى جانب مراقبة كل وسائل الإعلام الحرة المستقلة المحلية والإقليمية والعالمية.

السؤال -2-: الوسائل إلى الهدف في السياسة أكثر من الكثيرة، فكيف نفذت كل الوسائل ولم يبق إلاّ الخيار السياسي؟

ج: نعم في ظل الظروف المعقدة المذكورة وكما قلنا:

يبقى الإحتكام إلى صناديق الإقتراع في انتخابات حرة ونزيهة بالشروط والمواصفات المذكورة هو الخيار السلمي الحضاري الممكن الأفضل ليس للعراق الجريح فقط فحسب بل للمنطقة والعالم لتجاوز المحنة والخلاص من شبح احتمال انتشار العنف اللامحدود في المنطقة والعالم، فاللعب بورقة الإرهاب في العراق بشكل أو بآخر لتصفية الحسابات لعب بالنار يعود وباله على نفس اللاعب بهذه الورقة الخطيرة

السؤال -3-: هل لكم أن توضحوا ذلك؟

ج: الأمر في غاية الوضوح، فما بات مألوفاً - ومع الأسف الشديد- من إرهاب في بعض أهم شوارع ومراكز المملكة العربية السعودية يعتبر مؤشراً ودليلاً على ذلك، ولابد من مراجعة وإعادة النظر لإصلاح الأمور وإعادة المياه إلى مجاريها.

السؤال -4-: لماذا تُرجحون الالتزام بموعد الانتخابات ومجمل جدول العملية السياسية في العراق؟

ج: لما تقدمَ وللإتفاق العراقي والدولي على ذلك الجدول والتوقيتات، كما في قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت في الفترة الانتقالية، وقرار مجلس الأمن رقم (1546) إضافة إلى قرار الحكومة العراقية المنتخب من قبل المجلس الوطني العراقي، ولأن الوفاء والالتزام بمواعيد الاستحقاقات الانتخابية ومجمل العملية الانتخابية يعكس التزاماً بتعزيز وتكامل إستقلال العراق وسيادته وحريته ووحدته، كما يدعم ذلك مصداقية مؤسسات الدولة الناشئة، للتفرغ لإستباق الزمن على طريق التنمية الشاملة وبناء العراق، إعماره وإنقاذ الشعب العراقي الأبي من محنته الطويلة وآلامه وجراحاته.

السؤال -5-: كيف يمكن للإلتزام بمواعيد الانتخابات والعملية السياسية أن يعكس التزاماً بإستقلال العراق وسيادته؟

ج:هذا الأمر واضح في القرار رقم (1546)لمجلس الأمن حول العراق حيث علّقَ القرارالمذكور في الفقرة (12) الإنتهاء الكامل لولاية القوة المتعددة الجنسيات على إكتمال العملية السياسية في العراق، والتاريخ المحدد لإكتمال العملية السياسية مُحدد في الفقرة (4) من القرار السابق وذلك بحلول (31) كانون الأول (2005) م.

فالتأجيل غير المبرر، وكما هو إرباك العملية السياسية في أي جزء منها وفي أي مرحلة من مراحلها يُعد تأجيلاً لإستكمال العراق سيادته وإستقلاله.

فهل هناك مَن يرتضي أو يُطالب بتأجيل نيل العراق إستقلاله وسيادته؟ 

السؤال -6-: ما هو سر تمسككم بالقرارات الدولية ومنها قرار مجلس الأمن رقم (1546) رغم ثغراته ونحن نعلم آلية صدور هذه القرارات وعدم جدوائيتها؟

ج: نحن نحترم القوانين والمقررات والمواثيق الدولية، وإن لم تُمثل الطموح فإنها الممكن الذي لابد من التمسك بها كمنطلق للإرتفاع بها إلى مستوى الطموح عبر الحوار والعمل الدبلوماسي والسياسي الحثيث والمرحلية، علماً أن القوة المتعددة الجنسيات وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ألزمت نفسها بالقرار (1546) المذكور فالتزامناً بالقرار علاوة على كل ما تقدم يُعتبر إلزاماً لهذه القوة بالقرار ومستحقاته.

فهلْ يُعقل لمزايدات عاطفية غير عقلانية أن تذبحَ الممكنَ، ونقفز على الوقائع في الهواء كي نبكي على أطلال أجزاء من هذا الممكن المتاح بعد عقود طويلة وبعد أن تحولَ إلى محال؟

السؤال -7-: أليس التشبث بالقرار (1546) المذكور تبريراً وإستسلاماً للمحتل؟

ج: شيء خير من لا شيء، المزايدات والشعارات الطنانة الرنانة العاطفية لا تُغير من الحقائق شيئاً، وهي تُصّنع وتُسوَّق للإستهلاك المحلي، فإلتزامنا بقرار مجلس الأمن المذكور رغم ملاحظاتنا وتحفظاتنا عليه يعكس الحرص على المكاسب التي يضمنها القرار للعراق والعراقيين، هذه المكاسب التي تُمثل الممكنَ الذي يجب الإستناد عليه للإنطلاق فالإقتراب من الطموح بالحوار والعمل السياسي والدبلوماسي وما نحو ذلك من آليات حضارية سلمية عملية عقلانية، ودونما إستنـزاف في الموارد البشرية والمادية وإهدار للوقت، قال لي إعلامي:

(في 29 تشرين الثاني عام 1947 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اقتراح تقسيم فلسطين الظالِم، لكن القرار تمّ رفضه حينئذٍ بصورة تامة، وبإجماع عربي، واليوم وبعد أكثر من نصف قرن من صدور قرار التقسيم والكثير من الدول العربية منذ أعوام طويلة بما في ذلك القيادة الفلسطينية تحاور وتفاوض لتحقيق جزء يسير من ذلك الذي كان متاحاً قبل 57 عاماً، لكن دون جدوى).

والأمثال تُضرب ولا تُقاس، وما عليه العراق أحسن بكثير، فالإحتلال أنهي رسمياً وباعتراف دولي - كما في الفقرة (1) من القرار (1546) - في 30 حزيران - يونيه عام 2004، وتمّ تسليم السلطة في اليوم نفسه إلى الحكومة العراقية التي تم تشكيلها آنذاك.

فهلْ من العقل أو الحكمة أو الوطنية تجاهل هذا الاعتراف الدولي الصريح بانتهاء احتلال العراق رسمياً؟

السؤال -8-: أليس هذا من الخطاب الإعلامي الإنهزامي المتخاذل الذي يستهدفُ ضربَ المعنويات والروح الوطنية؟

ج: الهدف الأول للإعلام هو إيصال الحقيقة إلى أصحابها.. البحث النـزيه الجاد عن الحقيقة وإيصالها إلى الشعب، فالإعلام جهاز بحث وتنقيب عن الحقيقة لإيصالها إلى الناس... جهاز رقابة ومراقبة دائمة للدولة وبيئتها بهدف التصحيح والمراجعة المتواصلة فمعالجة الأخطاء والإصلاح، لا جهاز دعاية وتسويق وتحريض متحيز يعتمد الشعارات الرنانة والمزايدات، وهذا وغيره يكشف النقاب عن الحاجة الماسة إلى عقلنة الخطاب الإعلامي، وإبتعاده عن الخطاب العاطفي المزايد البحت، كي يُعاد بناء جسور الثقة، ويستعيد الإعلام شرفه الإعلامي الكامل، وتبدأ مرحلة بناء مصداقية الإعلام.

فكيفْ يمكن نعت عدم تجاهل الإعلان الرسمي الدولي لانتهاء فترة الاحتلال، ودعم العملية السياسية والانتخابات بالانهزامية والتخاذل؟

فليس من الحكمة التفريط في هذا الإعلان رغم الملاحظات والتحفظات عليه، علماً أن تواجد القوة المتعددة الجنسيات وفي إطار الوظائف المحددة في قرار مجلس الأمن (1546) ليس مُعلقاً على إكتمال العملية السياسية بصورة مطلقة، بل القرار المذكور يؤكد إمكانية دراسة ذلك بناء على طلب الحكومة العراقية أو بعد مضي اثني عشر شهراً من تاريخ إتخاذ القرار (1546) كما يعلن بأن تواجدها بالوظائف المعينة والإطار المحدد سينتهي قبل إكتمال العملية السياسة إذا طلبت الحكومة قبل ذلك، فتجاهل وإنكار ذلك جملةً وتفصيلاً تفريط في المكاسب لعسكرة التعاطي مع الوضع القائم، إغراق العراق في دوامة العنف، إرباك وتأخير وتخريب العملية السياسية فتعطيل الديمقراطية لإيجاد فراغ سياسي يُمهد ويتيح الفرصة لقوى الظلام للتفاوض مع أطراف دولية مؤثرة للقبول بخيار الانقلاب العسكري أو ما نحو ذلك للقفز على الحقائق وتكريس الفردية والديكتاتورية والتبعية والتميز العنصري بأنواعه وتصدير الأزمات وإفتعال الحروب ورفع مستويات إنتاج المقابر الجماعية، والإبقاء على حرمان الشعب العراقي المظلوم من تحقيق طموحه في بناء دولته الحديثة الديمقراطية مرة أخرى بعد ثمانين عاماً، وكما حدث بعد ثورة العشرين.

السؤال -9-: لماذا هذا التبري من ثورة العشرين والتحول من معركة التحرير إلى معركة الديمقراطية؟

ج: لا تبري، ولا تحول في الأمر، والموقف الحالي ما هو إلاّ استمراراً وامتداداً لرسالة ثورة العشرين الرائدة في الدعوة إلى الإستقلال والديمقراطية والتي نجحت في زرع بذور الإستقلال والحرية والديمقراطية في المنطقة وكل الدول العربية، فالسُبل غير الديمقراطية.. غير القانونية لنيل الإستقلال الكامل لا يترتب عليها ولادة نظام ديمقراطي مستقر تعايشي مسالم، دعنا نرجع إلى الوراء:

بعد إعلان الحرب العالمية الأولى بأيام استولت بريطانيا على البصرة عام 1914م، وتقدمت شمالاً حتى احتلت بغداد عام 1917، فالموصل عام 1918، ولم تنفجر ثورة العشرين المباركة فوراً حيث بدأت بانتفاضة في حزيران عام 1920م بعد مفاوضات ومراسلات طويلة ومكثفة لتحقيق الإستقلال والحرية وإخفاق الحقوق بطرق حضارية وآليات سلمية رفضها المحتل البريطاني آنذاك جملةً وتفصيلاً، وقابلها بتصعيد الإعتقالات والإعدامات، فقد ورد في نص المذكرة التي رفعها المتظاهرون إلى السلطة البريطانية قبل الإنتقال إلى العصيان المدني فالانتفاضة فالثورة:

1- تشكيل مؤتمر يُمثل الشعب العراقي، ليُقرر الإدارة الوطنية وعلاقاتها بالدول الأجنبية.

2- إطلاق حرية الصحافة والمطبوعات ليستطيع الشعب التعبير عن آماله وتطلعاته الوطنية.

وهذا يؤكد تمسك الشعب العراقي بالإستقلال والتمثيل والحوار وحرية الإعلام إلى جانب تمسكه بالحوار والمرحلية، لكن وكما قلنا لَمّا رفض المحتلُ كلَّ ذلك جملة وتفصيلاً بل صَعَّدَ الموقفَ وقادَ الحوارَ إلى طريق مسدود تماماً، أصدر المرجعُ الديني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازي (رضوان الله عليه) الفتوى الشهيرة لثورة العشرين التي أوجبت أمرين وأجازت أمراً ثالثاً، أجلْ أوجبت على العراقيين المطالبة بحقوقهم، كما أوجبت الفتوى رعاية السلم والأمن عند المطالبة بالحقوق وأجازت للعراقيين التوسل بالقوة الدفاعية بصورة مشروطة.. مُقيدة ذلك بإمتناع السلطة البريطانية عن قبول مطاليب العراقيين، وهذا واضح ودقيق في نص الفتوى التي أوردها كاملة:

(المطالبةُ بالحقوقِ واجبةٌ على العراقيين، ويجب في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنعَ الإنكليزُ عن قبول مطاليبهم)

علماً أن قادة العمليات الميدانيين لثورة العشرين ما برحوا يؤكدون هذا المنحنى السلمي الدفاعي التحرري الأخلاقي الواضح في توجيهاتهم لقواتهم، وأذكر هنا بعض هذه التوجيهات بالنص:

1- يجب على كافة الأفراد أن يفهموا بأن المقصود من هذه الثورة إنما هو طلب الإستقلال التام.

2- يجب أن يهتف الجميع للإستقلال في كل ميادين القتال.

3- يجب التمسك بالنظام ومنع الإعتداء، فلا نهب ولا سلب، ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد.

4- يجب الإعتناء بالأسرى، ضباطاً وجنوداً، إنكليزاً كانوا أم هنوداً.

5- عند تحرير أي مدينة، يجب الاهتمام بتشكيل إدارة وطنية لها، والإهتمام بالأبنية الحكومية وعدم هدمها أو إحراقها والمحافظة على الوثائق فيها.

6- المحافظة على المستشفيات وأدواتها وأجهزتها وأدويتها.

7- الرفق بالجرحى وإسعافهم والإهتمام بهم، والعمل على إنقاذ حياتهم.

فأينْ ما يحدث اليومَ على أرض العراق الجريح من تلك المرحلية والشفافية والشعبية والعقلنة والأخلاق السامية والحضارية لثورة العشرين؟

أين الشرعية الدينية لما يحدث اليوم في العراق؟

أين الشرعية السياسية لما يقع اليوم في العراق؟

أين الشرعية الدولية لما يقع اليوم في العراق؟

كيفْ تحولت المطالبة بإستقلال العراق إلى المطالبة بعودة النظام السابق لحكم العراق؟

هكذا كانت ثورة العشرين ولهذا انتصرت، ولا مجال للقياس بينها، وبين المعادلات والوضع الحالي القائم، فالتاريخ لا يُعيد نفسه إلاّ في ظل الظلام والتخلّف، وعقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء.

السؤال -10-: لكن ثورة العشرين لم تنجح في تحقيق الإستقلال للعراق؟

ج: في السؤال السابق، وحسب تحليلك لثورة العشرين، حاولت الدفع في اتجاه ثورة العشرين، فجدلاً - و من باب فرض المحال ليس بمحال- إذا كانت ثورة العشرين لَمْ تنجح في تحقيق إستقلال:

فلماذا الدفع في هذا الإتجاه لتحقيق إستقلال العراق؟

ولماذا محاولة ضرب الإنتقال السياسي والعملية السياسية؟

علماً أن ثورة العشرين بقيادتها الحكيمة الواعية الفذة وشعبيتها الواسعة من أقصى شمال العراق وحتى أقصى جنوبه، نجحت في تحقيق أهدافها في الإستقلال والحرية والديمقراطية، فالمس بيل تقول في مذاكراتها ما نصه:

( لم يكن يدور بخلد أحد ولا حكومة صاحبة الجلالة، أن يُمنح العرب مثل الحرية التي سنمنحهم إياها ألان كنتيجة لثورة 1920) وهي لم تخص العراقيين فقط، بل قالت العرب، وهذا يعكس نجاح الثورة في تحقيق أهدافها وليس في العراق فقط، بل في الدول العربية الأخرى والمنطقة.

وورد في الموسوعة السياسية التي أسسها عبد الوهاب الكيالي ما نصه:

(أحد النتائج السياسية المباشرة التي حققتها الثورة كانت تشكيل حكومة مؤقتة من العراقيين لإدارة شؤونهم بأنفسهم، وتاريخياً كان تشكيل حكومة مؤقتة في ظلّ الإنتداب يُمثل وضعية متقدمة على بقية الأشكال التي سيطرت بها الدول الإستعمارية على بعض البلدان العربية -آنذاك- (مثل فلسطين، سورية ولبنان) فهذه الثورة فرضت تحكماً غير مباشر لو قلنا أن الحكومة كانت ذات طابع شكلي) كما يعترف ناجي شوكت في مذكراته قائلاً:

(لولا ثورة العشرين لما تأسست الدولة  العراقية).

هذا بعض ما يرتبط بنجاح ثورة العشرين في تحقيق الإستقلال، أما فيما يتعلقُ بكون الحرية والديمقراطية، كانت أيضاً على رأس أهداف ثورة العشرين فهو واضح في الفتوى المتقدمة، وكل الوثائق التاريخية للثورة والتي تتفق بأن الهدف من ثورة العشرين كانت الإستقلال التام للعراق، والدفاع عن كيانه، وقيام حكم دستوري ديمقراطي برلماني مستقل، وهناك تصريح كامل في نصوص الرسائل التي بعثها المرجع الديني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازي (صاحب الفتوى المتقدمة) إلى قادة ورؤساء العالم، ومنها رسالته إلى رئيس جمهورية الولايات المتحدة آنذاك.

ونجحت الثورة في إرساء الأسس الثقافية والفكرية لنظام حكم دستوري ديمقراطي برلماني للعراق دون شك

السؤال-11-: كيف نجحت ثورة العشرين على طريق إقامة نظام حكم دستوري ديمقراطي برلماني؟

ج: انتزعت الثورة اعترافاً صريحاً بحقوق العراقيين من المحتل البريطاني في الإستقلال وإقامة نظام حكم دستوري ديمقراطي برلماني، كما حصلت على تعاطف واعتراف دولي بكل ذلك، لكن المكاسب الديمقراطية كانت أكبر من أن يستوعبها الواقع المعاش، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عمدت الحكومة البريطانية القائمة وقتها بإيجاد خلل استراتيجي في التوازن السياسي الاجتماعي في العراق، وذلك بتهميش الأغلبية وتضخيم الأقلية واللعب بورقة الطائفية، فإفراغ الديمقراطية من محتواها التي من أولياتها التي لا يختلف عليها اثنان: أعني مبدأ حكم الأكثرية، ومبدأ حماية حقوق الأقلية، فاختارت عبد الرحمن النقيب عميد الأسرة الكيلانية رئيساً مؤقتاً للحكومة، وعمره يقارب الثمانين، فشكّل ثلاثة وزارات منذ 27 تشرين الأول عام 1920 وحتى أيلول 1922.

وينقل المؤرخ البصري في كتابه (أعلام السياسة في العراق) عن عبد الرحمن النقيب قولاً نصه:

(إن الإنكليز فتحوا هذه البلاد وأراقوا دماءهم في تربتها وبذلوا أموالهم من أجلها فلابد لهم من التمتع بما فازوا به) بينما يُوصف عبد الرحمن النقيب في الموسوعة السياسية التي أسسها عبد الوهاب الكيالي بأنه:

(كان رجلاً محافظاً يخشى الإنكليز ويماشيهم) وعلى كل حال اقترحَ رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب على مجلس الوزراء مناداة فيصل ملكاً على العراق فوافقَ بعض دعاة وبناة العراق الديمقراطي على الموافقة على الإقتراح بالشروط الآتية:

1- تحقيق الإستقلال الناجز.

2- إرساء الديمقراطية وسن الدستور.

3- تشكيل البرلمان المنتخب.

أي وافقوا على مناداة فيصل ملكاً على العراق بشرط أن تكون حكومته دستورية، نيابية، ديمقراطية ومقيدة بقانون، وهكذا تقدمت بريطانيا وتمادت في إقصاء الأغلبية وتهميشها أكثر فأكثر وتضخيم دورة الأقلية، لضرب إستقلال العراق، لأن حكم الأقلية وإلغاء دور الأكثرية لا يخلق إلاّ نظاماً ضعيفاً، لأن قاعدته وشعبيته محدودة فيبقى الإستقواء بالخارج لتثبيت الأمر في الداخل قائماً ومستمراً، كما يبقى إستدعاء الحرب الأهلية وتأجيجها ممكناً وفاعلاً، أضف إلى ذلك أن إفتعال فزّاعات تُعيد هوامات الحرب عبر إخراج مشاهد مُذكرة بها لتبرير إلغاء الحياة السياسية الصحية (بإقرار الأحكام العرفية) في البلد، وكل ذلك يُمهد لضرب إستقلال الدولة.

فعلى هذا النهج، وللأسباب المذكورة سارت السلطة البريطانية فأفرغت الديمقراطية خطوة فخطوة من محتواها، ولم ينتبه أخوتنا إلى ما يُحاك ضد إستقلال العراق بضرب الديمقراطية وانتهت الأمور إلى ما عليه العراق اليوم، فذلك التأكيد والإهتمام المبكر بالإستقلال إلى جانب الديمقراطية لم يكن عبثاً قبل حوالي 85 عاماً، كما هو عليه اليوم فالإستقلال والديمقراطية متلازمان، والتاريخ للإعتبار لا للإنتقام

السؤال -12-: إذا كانت ثورة العشرين تعثرت في تكريس الإستقلال والديمقراطية رغم حملها السلاح فلماذا الرهان على الخيار السلمي والعملية السياسية في العراق حالياً؟

ج: نجحت ثورة العشرين في أسس الديمقراطية وإستقلال العراق وحفظ وحدته،  وتقدمَ القولُ في ذلك وفي أن المكاسب كانت أكبر من الواقع المعاش، دعني أوجز الجواب في النقاط التالية:-

أولاً:

هناك فرق بين حمل السلاح المنضبط المسؤول، والفوضى من جهة، وبين حمل السلاح وإستعمال السلاح من جهة ثانية، كما هناك فرق بين اللجوء المبرر الدفاعي المحدود الشفاف الشرعي إلى السلاح، وبين ما يحدث اليوم في العراق؟

فإبان الإحتلال البريطاني للعراق، رفضت بريطانيا منحَ العراق إستقلاله حتى رسمياً، فبعد أن استنفذت جميع السُبل والوسائل والخيارات الأخرى أصدر المرجع الديني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازي (رضوان الله عليه) الفتوى التي ذكرنا نصها الكامل فيما تقدم، والتي أوجبَ فيها مطالبة العراقيين بحقوقهم، موجباً أيضاً رعاية السلم والأمن ضمن المطالبة بالحقوق، ومُجيزاً التوسل بالقوة الدفاعية فيما إذا امتنعت بريطانيا قبول مطالب العراقيين، وهذا واضح لا يقبل التفسير والتأويل.

هذا بالنسبة للماضي، أما في الوقت الحاضر فهناك إعتراف دولي، ولو رسمي بإستقلال العراق، وهذا الإعتراف يسحبُ المبررَ من السُبل والآليات غير السلمية لترسيخ إستقلال العراق، ديمقراطيته ووحدته ثم:

أين ما يحدث اليوم من تلك المواجهة الدفاعية الشفافية ذات الشرعية الدينية و الشرعية السياسية والشرعية الدولية والقاعدة الشعبية العريضة؟

فثورة العشرين لخصوصياتها تلك شملت العراق كله بجنوبه وشماله، والمراسلات التي تعكس التنسيق بين أخوتنا في كردستان مع قيادة ثورة العشرين محفوظة وكثيرة، ومواجهات الشمال في السليمانية، عقره، كفري وغيرها واضحة وجلية، هذا بالنسبة للإستقلال، والفروقات بين تلك المرحلة والوضع الحالي القائم.

ثانياً:

أما فيما يخص الديمقراطية، فثورة العشرين رفعت شعارَ الديمقراطية الدستورية البرلمانية إلى جانب الإستقلال، فعكست وعي القيادة المرجعية لاهتمامها المبكر بالديمقراطية وعكست من جهة أخرى التلازمَ الإستراتيجي الذي كانت تراه بين الإستقلال وكلاً من الوحدة والديمقراطية من جهة أخرى، ولهذا بقت تُؤكد على الأمرين، كما رفضت نزع السلاح ومنه سلاح العشائر، وظلت تتابع الإستقلال الناجز.

فعندما تحكم الأغلبيةُ - وكما هو الحال في الديمقراطية-، وتُشارِك الأقلية والأقليات في الحكم، ويكون تداول سلمي بالانتخابات للسلطة، وتكون الحماية المتساوية لحقوق الأقلية والأقليات مضمونة، ويكون الطريق مسدوداً أمام سلب الحقوق والحريات الأساسية التي تتمتع بها أقلية أو فرد.. عندما يكون الأمر كذلك، فسيؤدي ذلك إلى ولادة دولة برلمانية دستورية قوية تستمد قوتها من الداخل.. من الشعب، لا حاجة لها في الإستقواء بالخارج، أي يصبح الإستقلال ممكناً وناجزاً، فالديمقراطية تدعم الإستقلال كما تدعم وحدة البلاد، علاوة على أنها تمثل حلاً للتنوع الإجتماعي في العراق، لهذا وغيره ترى أن ثورة العشرين رفعت شعار الديمقراطية إلى جانب الإستقلال، وعلى قدم المساواة، ومنذ البداية، هذا ولم تتوقف يوماً دعوة المرجعيات إلى الديمقراطية البرلمانية الدستورية فالبحث فيها والدعوة إليها – مثلاً- أحتلت آلاف الصفحات من كتابات المرجع الديني الكبير السيد محمد الشيرازي (رضوان الله عليه)، ومنذ أكثر من نصف قرن وحتى قبل رحيله قبل أكثر من عامين.

على كل حال، المحتل آنذاك بدأ بضرب الديمقراطية خطوة... خطوة، بتطميعها لجهات سياسية في الأقلية، انتهت بتنصيب عبد الرحمن النقيب وكما أوضحنا سابقاً رئيساً للحكومة المؤقتة من 27 تشرين الأول 1920 وحتى أيلول 1922 بثلاثة وزارات خلال عامين تقريباً.. انظرْ عدم الإستقرار الحكومي، وبضرب الديمقراطية بهذه الخطوة ضربت إستقلال العراق ووحدته أيضاً، ودعاة الديمقراطية وأبناء ثورة العشرين كانوا يعون تماماً اللعبة ولهذا وافقوا على اقتراح رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب بمناداة فيصل ملكاً على العراق بشروط تعكس أيضاً الإعتقاد المبكر الراسخ بالتلازم بين الإستقلال الكامل والديمقراطية، حيث اشترطوا ثلاثة شروط هي أن تكون حكومته تعمل على:

أولاً: تحقيق الإستقلال الناجز.

ثانياً: إرساء الديمقراطية وسنّ الدستور.

ثالثاً: تشكيل البرلمان المنتخب

السؤال -13-: إذن ذهبت الديمقراطية، وتبعها الإستقلال الكامل أو الناجز؟

ج: ليس الأمر كذلك... فرغم كل ما حدث من تغليب للأقلية لم يتمكن المحتل من قلع جميع المظاهر الديمقراطية، لكنه بدأ بضرب جذور الديمقراطية، ومهدَ للقضاء التدريجي الـمُمرحل عليها والذي بدء يشتد منذ عام 1954، ليبلغَ أوجه بعد إنقلاب 1968، وقمة الذورة بعد تولي صدام السلطة عام 1979 وحتى آخر ساعات ولحظات حكم الأخير.

فالعراق وقبل الدول الأخرى بدأ مسيرته نحو الإستقلال والديمقراطية وبقى ينعم ببعض مظاهر الديمقراطية ومعطياتها ولو نسبياً بعد إنتصار ثورة العشرين، فبعد البدء بتهميش الأغلبية، وبعد تنصيب عبد الرحمن النقيب الكيلاني رئيساً للوزراء بعد ثورة العشرين، وتتويج فيصل ملكاً للعراق.. أجلْ بعد كل ذلك، بقيت بعض المظاهر النسبية للديمقراطية، لأن قائد الثورة (رحمه الله) زرع جذورها إلى حد شل قدرة مناهضي الديمقراطية في قلعها دفعة واحدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- أُجبرت الحكومة على جعل تتويج الملك، وتشكيل الوزارات متسماً ببعض الإجراءات ذات الطابع الديمقراطي ولو شكلياً.

2- أُقر قانون الجمعيات والأحزاب في آب 1922 والذي سمحَ للأحزاب السياسية بالظهور العلني والعمل السياسي بصورة قانونية، فسُمِحَ بتشكّل أحزاب سياسية منها الحزب الوطني برئاسة جعفر أبو التمن، وحزب النهضة برئاسة السيد محمد الصدر وأمين الجرجفجي وعبد الرسول كبه، والحزب الحر برئاسة محمود الكيلاني، كما ظهرت وتكاثرت الصحف والجرائد والمجلات والكتب وبمساحة من الحرية النسبية.

3- جرت عام 1924 أول انتخابات برلمانية في العراق لإختيار أعضاء المجلس التأسيسي (مجلس النواب).

4- صدرَ أول دستور للدولة العراقية باسم القانون الأساسي في تموز 1925 وعلى أساس مبدأ فصل السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية ظاهرياً، لكن الدستور تمّ تطعيمه بما يفتح الطريقَ لضرب الديمقراطية الفتية التي نشرت بذورها ثورة العشرين الضربة الثانية بعد تحكيم الأقلية وتهميش الأغلبية، ولم يتمكنوا من ضرب الديمقراطية إلاّ بعد جهد جهيد وبالإستعانة بالخارج، وبعد ما يقارب الـ (13) عاماً من العمل المرحلي المبرمج حيث أُسس الإنحسار الأكبر بدأت مع عام 1954.

السؤال -14-: ما هي المواد التي أُدخِلت على دستور العراق لعام 1925، لتُمهد بتوجيه الضربة الثانية للديمقراطية في العراق؟

ج: المواد عديدة منها على سبيل المثال:

1- نصت الفقرة الثانية من المادة السادسة والعشرين من دستور عام 1925، على إعطاء الحرية للملك (رأس السلطة التنفيذية) في حلّ مجلس النواب دون ضوابط دقيقة تكرس إستقلال مجلس النواب، فهذا يناقض إستقلال السلطات الثلاثة (التشريعية، القضائية والتنفيذية) ويجعل السلطة التنفيذية مهيمنة على السلطة، فمتى شاءت يمكنها حل مجلس النواب.

2- مَنحت الفقرة الثالثة من المادة السادسة والعشرون أيضاً الملك حق تشريع المراسيم أثناء عطلة مجلس النواب مع بعض القيود.

وبهذه الفقرة الأخيرة ارتفعت سيطرة السلطة التنفيذية، فصارت الدولة تسيطر على كافة أبعاد السلطتين الأخريتين (القضائية والتشريعية) كما سيأتي.

3- نصت المادة الثامنة والعشرون على أن السلطة التشريعية منوطة بمجلس الأمة مع الملك، ومجلس الأمة يتألف من مجلسي الأعيان والنواب، وللسلطة التشريعية حق وضع القوانين وتعديلها وإلغائها، مع مراعاة أحكام هذا القانون. علماً أن أعضاء مجلس الأعيان يُعيّنهم الملكُ حسب الفقرة السادسة من المادة السادسة والعشرين.

4- المحكمة العليا (أو المحكمة الدستورية) وهي أعلى سلطة قضائية، والتي تُؤلف لمحاكمة الوزراء، أو أعضاء مجلس الأمة أو تفسير الدستور أو القوانين وموافقتها للدستور، كما في المادة الحادية والثمانون، فإن هذه المحكمة العليا تُؤلف من ثمانية أعضاء عدا الرئيس، ينتخبهم مجلسُ الأعيان أربعة من بين أعضائه، وأربعة من كبار الحكام، وتنعقد برئاسة مجلس الأعيان، كما في المادة الثانية والثمانين، وعلى ذلك فأكثرية المحكمة هم من أعضاء مجلس الأعيان العشرين الذين يُعين جميعهم الملك، علماً أن المحكمة العليا تجتمع بإرادة ملكية تصدر بموافقة مجلس الوزراء فيما يرتبط بتفسير نصوص الدستور أو بمعارضة أحد القوانين أو الأنظمة المرعية للدستور كما في المادة الثالثة والثمانين، وهذا كله يعكس تمركز السلطة في يد الدولة (السلطة التنفيذية) وعلى حساب السلطتين التشريعية والقضائية.

هذا إضافة إلى إشكاليات أخرى منها ما يرتبط بفتح يد السلطة التنفيذية في فرض الأحكام العرفية وتفاصيل ذلك، كما في المادة العشرين بعد المائة حيث سادت الأحكام العرفية نصف فترة العهد الملكي، هذا وأن دستور 1925 لَمْ يُطرح للإستفتاء العام، وإن مواده الخاصة بتعديله تجعله يُضف في خانة الدساتير الجامدة إلى حد كبير، ناهيك عن إهمال آليات مراقبة تطبيق الدستور، وإشكاليات قانون الإنتخابات، وتطبيقاته الضيقة غير العادلة المتحيزة لنخبة الحكم المغلقة المنحصرة في الأقلية غالباً، فللحذف أو التصفية بداية، وليس لها نهاية.

هذه بعض المواد التي أُدخلت على دستور العراق لعام 1925، والتي مهدت لتوجيه الضربة الثانية للديمقراطية الفتية في العراق، هذا علاوة على إهمال تراث ومبادئ وقيم الشعب العراقي الحضارية في الدستور المذكور وتطبيقاته.