سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

 

كان الفقيد السعيد آية الله السيد محمدرضا الشرازي من النماذج الذي اهتدى بسيرته الكثير من الأقارب والتلاميذ ومن التقى به

 

 

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم السبت الموافق للعاشر من شهر جمادى الآخرة 1429 للهجرة جمع من المؤمنات من دولة الكويت، وقدّمن لسماحته تعازيهن ومواساتهن لرحيل فقيه أهل البيت صلوات الله عليهم آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي قدّس سرّه الشريف. وألقى سماحته عليهن كلمة قيمة استهلها بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ»(1)، وقال: هذه الآية الكريمة تخاطب الجميع مؤمنين ومؤمنات. فـ (الذين) هي جمع موصول و( آمنوا) صيغة الجمع، وهذا الجمع ليس خاصاً بالذكور فقط وإنّما يعمّ الذكور والإناث. فالرجال المؤمنين والنساء المؤمنات جميعاً مخاطبون في هذه الآية الشريفة. و(قوا) معناها احفظوا فالرجل والمرأة مأموران من قِبل الله تعالى بوقاية وحفظ أنفسهما وأهليهما من الأقرباء ونحوهم، وذلك بأن لايتركوا الواجبات و أن لايرتكبوا المحرّمات فالأمّ مكلّفة في هذا الخصوص تجاه أولادها، والزوجان مكلّفان تجاه بعضهما، والأخ تجاه إخوته، والأخت تجاه أخواتها، وهكذا العمّة والخالة وغيرهم. فالكل مكلّفون بتهئية الأجواء التي من شأنها هداية الآخرين، وهذا واجب على الكل رجال ونساء.

على سبيل المثال: على الزوجة أمران: الأول أن تؤدّي الصلاة. والثاني: أن تتصدى لهداية زوجها لأداء الصلاة إن كان تاركاً لها. وهكذا عليها أن تقوم به بالنسبة للصيام والحجّ في حال الاستطاعة، والزكاة والخمس. وبلاشك هذا العمل لايعطي النتيجة المطلوبة بمرة واحدة أو مرتين. فالأنبياء والرسل والأئمة سلام الله عليهم أجمعين كانوا يكررون دعوتهم الناس إلى الحق والصلاح كثيراً حتى حصلوا على النتائج الطيبة والحسنة. وكذلك نجد أن القرآن الكريم وفي مواضع عديدة يكرّر كثيراً التقوى والعمل الصالح حتى يتم التأثير المطلوب وقال سماحته: نجد في التاريخ الكثير من النساء المؤمنات اللاتي تصديّن لهداية وإصلاح أهليم وذويهم ووُفّقنَ، وهؤلاء هن حجة على بقية النساء، ومنهن والدة الميرزا حسين النوري صاحب موسوعة (مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل) وهو كتاب يجمع بين دفتيه قرابة عشرين ألف من أحاديث أهل البيت سلام الله عليهم في شتى الأحكام الشرعية.

فالنوري فَقَد والده وهو في مقتبل عمره، ولم تكن والدته تملك شيئاً من المال، ورأت أن من الخسارة أن ترسل ولدها إلى العمل لإمرار معاشهم، فتحملت هي مسؤولية العمل، واشتغلت بأعمال كانت توفّر من خلالها المال على نفسها وعلى ولدها. وأرسلت ولدها في طلب العلم، فدخل الحوزة العلمية حتى نشأ وصار عَلَماً وعالماً من علماء الإسلام، وكان له تلامذة بارعون أحدهم المرحوم الشيخ عباس القمي صاحب العشرات من الكتب النافعة ومنها (مفاتيح الجنان)، والآقا بزرگ الطهراني وهو أيضاً له مؤلفات نافعة عديدة منها كتاب (الذريعة في تصانيف الشيعة) ونقلوا في تاريخ النوري أنه بعد أن توفيت أمّه رآها بعض المنتسبين إليها في عالم الرؤيا وسألها عن وضعها في عالم بعد الموت فقالت: إن وضعي جيد جداً، حيث إن الله سبحانه وتعالى يتحفني على مدى الأِيام بتحفة وهي أنه بين مدة وأخرى تجتمع أرواح المؤمنات عندي ويعملن لي شبه زفّة العروس، وهذا الأمر يحدث لي كلما انتهى ابني من تأليف كتاب ويقلن لي : إنك بتضحيتك جعلت ولدك في طريق أهل البيت حتى صار عالماً واستطاع أن يؤلّف هذا الكتاب. وهذه الحالة تستمر معي إلى أن ينتهي ابني من تأليف كتاب آخر، وهكذا وأردف سماحته: ومن النساء المؤمنات اللاتي عملن على هداية أهليهم هي أمّ الأُسود، وهي من أصحاب الإمام الباقر سلام الله عليه.

هذه المرأة لم تكن في بداية أمرها تدين بمذهب أهل البيت سلام الله عليهما وكان جدّها نصراني وأبيها منحرف عن أهل البيت صلوات الله عليهم، ولكن بعد أن وُفّقت لمعرفة الحق، وما بذلته من السعي والعمل الجاد، صارت من خلّص أصحاب أهل البيت سلام الله عليهم. واستطاعت أن تجعل عشرة من إخوانها، من خلّص وأفاضل أصحاب الإمامين الباقر والصادق سلام الله عليهما، ومنهم زرارة بن أعين، وبكير بن أعين. وبواسطة إخوتها وصلنا الكثير والكثير مما يروى عن الإمامين الصادقين سلام الله عليهما في مختلف أحكام الدين وعقّب سماحته قائلاً: هذا الأمر ليس خاصاً بأمّ الميرزا النوري أو بأمّ الأُسود، فكل أمّ وكل امرأة بإمكانها أن تجتهد وتجهد نفسها ـ حتى إذا كانت فقيرة مالياً ـ وتضحّي من أجل أن تجعل ابنها عالماً ومرشداً مفيداً، فتستفيد بأن تنال الفخر في الدنيا والنعيم في الآخرة.

وأشار سماحته إلى الفقيد السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي أعلى الله درجاته وقال: لقد كان الفقيد السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي قدّس سرّه من النماذج الذي اهتدى بقوله وبعمله وتعليمه وأسلوبه في الحياة الكثير من أقربائه أو من تلامذته أو ممن التقى به. وزماننا الحاضر بحاجة ماسة وملحة إلى علماء أخيار أتقياء، ومرشدين صالحين، ومؤلفين متقين، وخطباء مؤمنين وأكّد دام ظله: كل مؤمنة بإمكانها أن تواصل وتشجع وتضحّي من أجل هداية مَن حولها من أهلها وأقربائها حتى تحظى بنصيب من أجر هذا العمل الصالح وتكون مصداقاً للآية الكريمة التي تلوتها على أسماعكن في بادئ كلامي.

...............................

الهوامش:

(1) سورة التحريم: الآية6.