علي في القرآن

 

 

الكتاب: علي في القرآن

المؤلف: المرجع الديني السيد صادق الشيرازي

عرض:حيدر الجراح

 

أي ألم عرف علي (عليه السلام) فأوصله إلى ذلك الصفاء الآسر، أي ألم غير الألم الذي يصيب العادلين الصديقين ؟

كان اليونانيون يعتقدون أن العادل منذور للعذاب وأن الظالم وحده يعرف السعادة.

أصحيح هذا ؟ وهل السعادة تقتضي العذاب ؟

لقد كان علي (عليه السلام) عادلاً فعرف العذاب، لكنه لم يعرف الشقاء لأنه لم يكن مرّاً، والشقاء مرارة.

الشقاء مرارة وعلي (عليه السلام) كان عذباً، الشقاء يأس وعلي (عليه السلام) كان طرياً بالحنان..كأنه مزيج من الملاك والمحارب، أو مزيج من الفرح والبكاء، أو مزيج من الحلم واليقظة ولم تطوه الخيبة على حقد، ولا نشوة النصر على طمع..كان كبيراً..وكأنه كان يخاف أن يسيء الآخرون تقليد كبره، فكان يحضّ على التواضع، ويتواضع، وكأنه خجول بعظمته، كأنه كان يعتذر عن كونه كبيراً في عالم يكاد لا يحتمل إلا الأوهام، في عالم يكاد لا يتألف إلا من الأقزام وكان قادراً، قديراً، وكان يحضّ على الرحمة لأنه كان قادراً، قديراً..إن وجهه هو وجه المحبة، ويده يد الشجاعة، وقلبه قلب كبير..من أين يستمد علي (عليه السلام) قوته، بعد عشرات القرون من العذاب؟

من أين نرى وجه علي (عليه السلام) ونطالعه بعد أن جفّت الحروف ورُفعت الأقلام؟

من أين لنا .. هذا الشوق.. والتوق لعلي (عليه السلام) يرقد بين حنايانا وفي شغاف قلوبنا.. بسلام؟

إنه من علي (عليه السلام) منه يبتدأ وإليه ينتهي. وبهذا كان علي (عليه السلام) عدل القرآن.. وشفاهه الناطقة.. فلقد ألقى علياً (عليه السلام) نظرية على الكون، كما ذكرها الله تعالى في القرآن، فوعى وعياً مباشراً ما في نواميسه من صدق ونيات وعدل، فهزّه ما رأى وما وعى، وجرى في دمه ومشى في كيانه واصطخب فيه إحساساً وفكراً، فتحركت شفتاه تقولان: (ألا وإنه بالحق قامت السماوات والعدل في كلمة واحدة)، لما وجدت لفظة تحويها جميعاً غير لفظة (الحق) ذلك لما يتحد في مدلولها في جوهر الكلمات الثلاث ولأنه علي (عليه السلام) عدل القرآن، فقد أدرك في أعماقه أن المقايسة تصح أصلاً وفرعاً بين السماء والأرض اللتين قامتا بالحق واستوتا بوجوهه المتلازمة الثلاثة: الصدق والثبوت والعدل..ولما كان علي (عليه السلام) شديد الملاحظة لصدق الوجود، شديد التفاعل معه، فقد جعل من همه الأول في الناس تهذيب الناس استناداً إلى ما يفعل ويحس ويرى. والتهذيب في معناه الصحيح ومدلوله البعيد ليس إلا الإحساس العميق بقيمة الحياة وشخصية الوجود ولما كان هذا المعنى هو المعنى الأوحد للتهذيب العظيم، كان الصدق مع الذات ومع كل موجود مادي أو معنوي هو المحور الذي يدور عليه التهذيب.. وهو ما نجده في القرآن الكريم، فإينما تلقيت بين كلماته ووجوده إعجازه، رأيت هذا الصدق في الكلمة، وانفجار المعنى في كل حرف منه..

من هنا، اقتبس علي (عليه السلام) الصدق مع الذات، جمرة خبّأها في قلبه، يستهدي بها في مشوار حياته، ويجعلها دليلاً في كل حركة أو سكون في حياته..لقد رضع في مدرسة القرآن، وفطم فيها، واستقام عوده بين آياته، حتى أنك لا ترى انفصاماً بينهما.. فأينما قرأت وكيفما تكون آياته البيّانات وجدته أمامك (عليه السلام) شامخاً منتصباً..فحين تقرأ: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وجدت علياً (عليه السلام) عادلاً ومحسناً، وحين تقرأ عن الصديقين، وجدته الصديق الأكبر، وحين تقرأ عن المؤمنين وصفاتهم، وجدته أميرهم المبرّز، وحين تقرأ عن الزهد والزاهدين، وجدته، الراية والسارية..وحين تقرأ عن أوصياء الأنبياء على مرّ التاريخ البشري، وجدته سيدهم ومنار شموخهم، وقُلْ ما شئت عن بقية الأوصاف والفضائل في القرآن: المتقين، القانتين، الراكعين، الساجدين، الخ.. تجده متربعاً على رأس كل آية يجذب الآخرين نحو نوره..لأن علياً (عليه السلام) قرآن الله الناطق، فقد أصبح المثل الأعلى للإسلام، المثل الأعلى الذي أراد مؤسس الإسلام أن يعمل المسلمون للبلوغ إليه..هو المثال العملي المشخِّص لتعاليم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله). ظاهرة رفيعة أتم الظهور ومتجلية أحسن التجلي.. فلا تجد فيه (عليه السلام) غير الكمالات البشرية المعرّاة عن النقائص والشوائب والعيوب، القائمة على أسس الفضيلة العالية للأخلاق.

علي (عليه السلام) جوهرة صنعها الله وصاغها نبيه (صلى الله عليه وآله) فازدان بها عقد العروبة والإسلام.. واستفادت بلألائها المُشعّ الأجيال والأحقاب.. مثل أعلى في كل ما هو سامٍ بعيد المنال.

علم، شجاعة، كرم، زهد، ورع، حكمة، أخلاق، فضيلة، عمل، بناء، إنشاء، تضحية، إنسانية كاملة حقيقية.. لقد حلّق علي (عليه السلام) إلى ذروة الكمال، لم يستطع لحاقه فيها لاحق، ولو لم يرد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) أي حديث أو إشارة في علي (عليه السلام)، ولو سكت القرآن عن أي تلميح إلى فضله، لكان له من صفاته العالية وأخبار عبقريته السامية ما يكفي لحلمنا إيّاه على العظمة ورفعنا إياه فوق كل رفيع..فما بالك، وقد اجتمعت لديه كل الفضائل، أن يذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتلك الأحاديث، وأن ينزل القرآن فيه من رب العزة بتلك الآيات؟

لقد حاول سماحة آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي(دام ظله) في عمله الموسوعي الضخم (علي في القرآن) أن يتبع الآيات النازلة في علي (عليه السلام) تنزيلاً، أو تأويلاً، أو مصداقاً أكمل وفرداً أتم، أو تنظيراً..وقد عمل على جمعها من كتبه العامة سواء ما نقلها منه مباشرة أو بواسطة كتاب آخر قد نقل عنها..واعتمد سماحة المؤلف على ثلاثة كتب، شكلت المفاصل الرئيسية للاستناد عليها في كتابه هذا، وهي: (شواهد التنزيل) للفقيه الحنفي الحاكم الحسكاني، و(غاية المرام) للسيد هاشم البحراني، و(ينابيع المودة) للعالم الحنفي الحافظ سليمان القندوزي..ولم يتطرق سماحة المؤلف لذكر آيات بحق علي (عليه السلام) في كتب الشيعة، مما لم يجد لها مصدراً من تفاسير وكتب العامة..وقد جمع سماحة السيد المؤلف سبعمائة آية جميعها تنطق بفضل علي (عليه السلام).

في مفتتح القراءة القرآنية والتي لا يمكن أن يتم شيء بدونها، وهي بسم الله الرحمن الرحيم، نجد الإمام علي (عليه السلام) هو النقطة التي تحت الباء، كما روى القندوزي في ينابيعه..وهي التي تحوي جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، فجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، فجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي هي تحت الباء.

والباء بلا نقطة يكون حرفاً مهملاً لا دلالة له على شيء، وعدد البسملة في القرآن هو 114 وهي تعادل عدد سور القرآن..أبان الله من فضل وليه، لم ينكره إلا من تولى وكفر، فقال تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) (الكهف- 109)، والكلمة الكبرى علي (ع) وتحتها باقي الكلمات.

ثم أبان من فضله ما هو أعلى وأكبر لمن تولى واستكبر، فقال تعالى (ولو أن في ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) (لقمان- 27) والكلمات كلها حروف الكلمة الكبرى وداخلة تحتها وفائضة عنها..ثم أن الله سبحانه أوحى إلى بينة (صلى الله عليه وآله) أن علياً (عليه السلام) معه في السر المودع في فواتح السور، والاسم الأكبر الأعظم الموحى إلى الرسل .. ثم أن الله سبحانه وتعالى صرح بهذا الشرف العظيم في قرآنه الكريم، فقال في السورة التي هي قلب القرآن (يس) ـ وإنما سميت قلب القرآن لأن باطنها على سر محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) لمن عرف ـ فقال سبحانه (يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين)، والياء والسين اسم محمد (صلى الله عليه وآله) ظاهراً وباطناً، والياء والسين اسم علي لأن الولاية باطن النبوة.

وفي (يس) أيضاً قوله تعالى (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) آية: 12، حيث روى القندوزي الحنفي عن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله هو التوراة، أو الأنجيل أو القرآن؟

قال (صلى الله عليه وآله): لا

فأقبل إليه أبي فقال (ص): هذا هو الإمام الذي أحصى الله فيه علم كل شيء.

ثم إن الله سبحانه بشر رسوله بأنه قد رحم أمته، وغفر ذنبوهم، وأكمل دينهم، وأتم نعمته عليه ونصره، وجعل هذه المقامات كلها لعلي (ع)، ونزل ذلك في أية واحدة من كتابه الكريم على رسوله وعلى أمته فقال تعالى: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) والفتح كان على يد علي (ع) ثم قال تعالى: ليغفر لرسوله ذنوب من أحب علياً من الأولين والآخرين إكراماً لعلي فيحملها عنهم ـ يعني بعلي ـ وإليه الإشارة والبشارة بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (المائدة: 3) ثم قال تعالى (وينصرك الله نصراً عزيزاً) (الفتح: 3). وكان النصر في سائر المواطن بأسد الله الغالب علي (عليه السلام).

ثم أن الله سبحانه وصف أنبيائهْ بأوصاف ووصف ولي نبيه بأعلى منها، فقال في نوح (انه كان عبداً شكوراً) (الأسراء: 3) وقال في علي (عليه السلام) (كان سعيهم مشكوراً) (الأسراء: 19) وأين الشاكر من مشكور السعي؟ ووصف إبراهيم بالوفاء فقال (وإبراهيم الذي وفى) (النجم: 37) وقال في علي: ( يوفون بالنذر) (الدهر: 7) أضف إلى هذا، أن كل آية في القرآن تبدأ بـ(يا أيها الذين آمنوا) إلا ولعلي (عليه السلام) سابقة فيها، لأنه سابقهم إلى الإسلام، فسماه الله تعالى في تسعة وثمانين وصفاً أمير المؤمنين..

وقد توزعت هذه الآيات على السور التالية: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، النور، الأحزاب، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، التحريم وأيضاً ما في القرآن آية (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) إلا وعلي (عليه السلام) أميرها وشريفها.. وهي واحدة وخمسون آية توزعت على السورة التالية: البقرة، النساء، المائدة، الأعراف، يونس، هود، الرعد، إبراهيم، الكهف، مريم، الحج، النور، الشعراء، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة، سبأ، فاطر، صاد، غافر، فصلت، الشورى، الجاثية، محمد، الفتح، الطلاق، الانشقاق، البروج، التين، البينة، العصر.

لقد توزعت الآيات النازلة في علي (عليه السلام) في القرآن على الشكل التالي:

 

 

عدد الآيات

السورة

3

الفاتحة

40

البقرة

31

آل عمران

161

النساء

22

المائدة

10

الأنعام

13

الأعراف

17

الأنفال

19

التوبة

19

يونس (عليه السلام)

10

هود (عليه السلام)

1

يوسف (عليه السلام)

11

الرعد

9

إبراهيم (عليه السلام)

7

الحجر

9

النحل

13

الإسراء

11

الكهف

3

مريم (عليها السلام)

9

طه

7

الأنباء

20

الحج

8

المؤمنون

9

النور

7

الفرقان

6

الشعراء

10

النمل

9

القصص

12

العنكبوت

3

الروم

2

لقمان

3

السجدة

15

الأحزاب

2

سبأ

10

فاطر

3

يس

3

الصافات

4

ص

10

الزمر

4

المؤمن

4

فصلت

4

الشورى

11

الزخرف

8

الدخان

2

الجاثية

2

الأحقاف

25

محمد (صلّى الله عليه وآله)

4

الفتح

6

الحجرات

3

ق

2

الذاريات

12

الطور

8

النجم

2

القمر

4

الرحمن

20

الواقعة

4

الحديد

6

المجادلة

1

القدر

2

البينة

6

العاديات

2

القارعة

1

التكاثر

4

العصر

2

الكوثر

2

النصر

5

الإخلاص

 

 

ولا يفوتنا أن نذكر هنا، أن سورة الدهر كاملة نزلت في علي (عليه السلام) والزهراء فاطمة (عليها السلام) والحسنين (عليهما السلام) في قصة المرض والنذر بالصيام، المعروفة.

يقع الكتاب في مجلدين من 1191 صفحة، وقد صدر عن دار العلوم بطبعة ثالثة..

alshirazi.com