السياسة من واقع الإسلام

 

 

الكتاب: السياسة من واقع الإسلام

المؤلف: المرجع الديني السيد صادق الشيرازي

عرض:حيدر الجراح

 

السياسة الإسلامية.. منهج رباني متكامل لإنقاذ البشرية..يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) في هذه الحوارية تحددت مهمة الإنسان في الأرض، وهي بناؤها وإعمارها لما فيه خيره وخير بني جنسه، وللقيام بالمسؤولية التي تترتب على هذا الجعل الإلهي ولم تكن تلك المسؤولية خلواً من الحرية التي أعطاها الله للإنسان وجعلها في فطرته.. فكانت (قل هو الله أحد) هي المفتاح لهذه الحرية، التي لا تكون كاملة إلاّ بإقرار العبودية الطلقة لله الواحد الأحد خالق الإنسان والكون..من هنا تزامنت حرية الإنسان والمسؤولية عن خلافته في الأرض فالمسؤولية هي إقرار المرء بما يصدر عنه من أفعال وباستعداده لتحمل نتائج تلك الأفعال وتلك الأفعال الصادرة عنه قد يتسع مجالها فيشمل كل الذين هو مسؤول عنهم، ويشمل قطعاً كل من يأتمرون بأمره، وكل من يستمدون السلطة منه مباشرة.. ولهذا تمتد مسؤولية الرئيس فتشمل المرؤوسين في كل الأعمال التي يصدر الأمر بها منه مباشرة أو بالواسطة، فالقائد مسؤول عن الأفعال الصادرة عن الضباط والجنود إن كانت قد صدرت منهم بأمر منه أو بما يترتب على أوامر منه. ورئيس الحكومة مسؤول عن أعمال وزرائه الصادرة عنهم بتوجيه منه مباشر أو غير مباشر، ما داموا مسؤولين أمامه والوالد مسؤول عن أولاده إن كانوا دون البلوغ، أو كانت أفعالهم بتحريض أو توجيه أو حتى تأثير معنوي منه فيهم.. ونقول عن هؤلاء أنهم مسؤولون، دون أن نحدد درجة المسؤولية، إذ للمسؤولية درجات وسلّم طويل..والإقرار بالمسؤولية عن الأفعال لا يكفي وحده، بل لا بد من تحمّل نتائج هذه الأفعال. وهذه النتائج إمَا معنوية (الاحترام أو الاحتقار) أو قانونية (الثواب والعقاب) أو اقتصادية (التعويض المالي عن الضرر اللاحق بالضحية) أو دينية (النعيم أو الجحيم في الآخرة) أو أخلاقية (المدح أو الذم) إلخ...وتنقسم المسؤولية إلى أنواع:

1- المسؤولية الأخلاقية: وتتعلق بالأفعال التي يكون المرء فيها مسؤولاً أمام ضميره، وأمام الله.. وتندرج فيها النوايا، أي الأفعال الباطنة..

2- المسؤولية المدنية: وتتعلق بالأفعال الظاهرة سواء فيها ما تم، وما هو بسبيل الحدوث.. وتتحدد هذه المسؤولية وفقاً للقوانين الوضعية الإنسانية، لا وفقاً للقانون الأخلاقي، وإن اشتركا في بعض الأمور.. ولهذا فإن كثيراً من الأفعال المحرم ارتكابها بحسب القانون الأخلاقي لا تندرج تحت طائلة المسؤولية القانونية، والعكس صحيح أيضاً.. فكثير من الأفعال التي يحرمها القانون، لا شأن لها بالأخلاق..

3- المسؤولية الاجتماعية: وتتعلق بالمجتمعات التي ننتسب إليها إما بالطبع أو بالاختيار. إذ نكون مسؤولين أمام رب الأسرة أو السلطة المكلفة بتوفير الصالح العام.

وللمسؤولية عدة خصائص منها:

1 ـ إنها ضرورية، لأن الإنسان لا بد أن يفعل من أجل تحقيق إمكانياته وإلاّ كان عدماً، فمجرد وجوده يقتفي منه الفعل.. وعلى الفعل تترتب المسؤولية..

ثم إن الإنسان موجود في العالم، وهذا يلزمه بالفعل في العالم وتجاه الآخرين، وتلك مسؤولية وجودية وأخلاقية معاً.. والإنسان مسؤول عن تحقيق إمكانياته، ولا يمكنه أن يبقى دقيقة واحدة دون اختيار، والاختيار يجر إلى المسؤولية.

2 ـ إنها تقوم على الحرية، فلا مسؤولية حيث لا حرية، وفي عالم خال من الحرية وتسوده الجبرية المطلقة، لا مكان للمسؤولية.

3 ـ إنها تفترض العقل السليم، فلا مسؤولية على فاقد الإدراك السليم.. فلا بد إذن من معرفة الأفعال التي يقوم بها الإنسان من حيث قيمتها الأخلاقية.

4- إنها تقوم على المعرفة، معرفة القواعد التي ينبغي السير عليها في السلوك بوجه عام. وتتزايد المسؤولية الأخلاقية بتزايد المعرفة.

5- ومن شروط قيام المسؤولية أن توجد سلطة تضع القواعد وتقوّم الأفعال. فلو كانت قيم كل الأفعال واحدة لما كانت هناك مسؤولية.. وأمام هذه السلطة علينا أن نقدم الحساب عن أفعالنا وفي القانون السلطة معروفة وهي الأجهزة الإدارية والقضائية. أما في الأخلاق هي الإرادة الإلهية، أي الله الذي سيحاسبنا على أفعالنا.. بعد معرفة تلك الخطوط العريقة المتعلقة بالمسؤولية، نتساءل هل استطاع الإنسان، خليفة الله في الأرض، أن يكون بمستوى تلك المسؤولية وما يترتب عليها؟ هذا ما نحاول الوقوف عليه في الصفحات التالية..

في معنى السياسة

بعد نشوء المجتمعات البشرية، وتشعبها، احتاج الإنسان إلى وضع قوانين وقواعد تسهل عليه التعامل مع محيطه، ومع الآخرين.

من ذلك تنظيم أراضي الصيد والزراعة، واستغلال موارد الأرض، وفض النزاعات التي تنشأ من تفاعل التجمعات البشرية فيما بينها.. ووضع الأحكام والضوابط التي تنظم حركة هذا التفاعل البشري..

من هنا نشأت الحكومات التي أخذت على عاتقها سن القوانين وتطبيقها داخل المجتمعات ولم تسطع البشرية، ورغم مشوارها الطويل، أن تهتدي إلى طريقة تستطيع معها القضاء على الظلم أو التجير أو تحجيم القوي لمصلحة الضعيف، أو إعطاء كل ذي حق حقه وحتى الديانات السماوية السابقة على الإسلام لم تستطع أن تفعل شيئاً حيال هذا الصراع المستمر بين الإنسان وخليفته، إما لابتعاد هذا الإنسان عن تلك التعاليم، أو لأن هذه التعاليم قد حرّفت لما فيه مصلحة البعض على حساب البعض الآخر أما الإسلام، فيمكن تلمّس ما وصلت إليه سياسته في الحكم إلى القمة من الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان من خلال تجربتين فريدتين في التطبيق العملي لهذه السياسة وهما حكومة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) في المدينة، وحكومة الإمام علي (عليه السلام) في الكوفة.

السياسة من واقع الإسلام، لمؤلفه سماحة السيد صادق الشيرازي يبحث في الأطر العريقة للسياسة الإسلامية التي تجدها في آيات القرآن الكريم، وفي سنة رسول الرحمة والإنسانية (صلّى الله عليه وآله) وفي سنة وصيه الإمام علي (عليه السلام).

بدءاً لنتحدث عن معنى السياسة بشكل عام، ثم نتطرق إلى المفهوم الوحشي للسياسة، والمفهوم المدني لها.

تقع السياسة ضمن مجال الفعاليات الاجتماعية المختلفة الخاصة بالنظام الاجتماعي للجماعات الإنسانية. إنها فعالية بسبب كونها تمثل شكلاً من أشكال التعبير عن الوجود وعن الإرادة بالنسبة إلى الفرد والجماعة على السواء.. ويكون هدف السياسة والممارسة السياسية هو تحقيق المصلحة، أكانت فردية أو جماعية، وتنميتها والدفاع عنها، تتداخل فيها اللحظات الثلاث (التحقيق، التنمية، الدفاع) تداخلاً عضوياً قد يستعصي معه الفرز بينهما.

تحقيق المصلحة ـ وهو هدف السياسة ـ يحتاج إلى قوة مادية ورمزية يجري بهما توسل الهدف، وليست تلك القوة إلاّ الأدوات والأفكار.

هل تتوسل السياسة، لتحقيق أهدافها، بوسائل سلمية أم عنفية؟ وما نِصاب الشرعية فيها، أي هل إن تلازمها مع الوسائل السلمية يمنحها الشرعية وتلازمها مع أساليب العنف ينزع عنها تلك الشرعية، أم أن خارطة العلاقة أكثر تنوعاً من حدّي المعادلة؟

يتعلق الأمر هنا في مفهومين للسياسة على طرفي نقيض: مفهوم وحشي للسياسة، وفي مفهوم مدني لها.

1- في المفهوم الوحشي للسياسة:

هذا المفهوم قوامه النظر إلى ميدان السياسة بوصفه مجالاً عمومياً للمجتمع لا ملكية خاصة لفريق دون سواه.

في المفهوم المدني للسياسة، تكون السياسة تمثيلاً لمصالح نسبية لا لمصالح مطلقة فرعونية، لأنها تتحول إلى طريقة لترجمة التنوع الطبيعي الحاصل في ميدان الاجتماع الوطني، سواء على مستوى تركيبه المختلف، أو على مستوى تباين المصالح فيه.

وبعد.. ما هي نظرة الإسلام إلى السياسة؟

يقول سماحة المؤلف: إن السياسة التي تفسّر بـ (تنظيم أمور دنيا الناس على أحسن وأرفه وجه) الذي هو مضمون قوله تعالى في وصف الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

السياسة بهذا التفسير هي من صميم الإسلام، ومن أسس الدين، التي يجب على كل فرد من المسلمين العمل لتطبيقها على العالم كله، والجهاد بمختلف الوسائل والسبل من أجل تثبيتها تحقيقاً لقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصيّنا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين).

ونظرة باحثة تنقيبية على التاريخ الإسلامي المشرق الطويل عبر القرون المتمادية ـ خصوصاً تاريخ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتاريخ وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تعطينا فكرة واضحة عن مكان السياسة الصحيحة في الإسلام ومطالعة للقرآن الكريم وكتب التفسير والحديث توقفنا على الرصيد الفكري السياسي الضخم الذي تركه الإسلام للمسلمين وللعالم أجمع وفي الشريعة الإسلامية نصوص كثيرة، وكثيرة جداً تدل على أن السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام، بل الأصح في التعبير أن نقول: الإسلام والسياسة لفظان لمفهوم واحد، فالسياسة هي الإسلام، والإسلام هو السياسة بمعناها الصحيح العام.

تباين السياستين

غير أن السياسة الإسلامية تباين السياسة العالمية اليوم، في أصولها وفروعها، فالسياسة الإسلامية هي غير السياسة المعاصرة التي تمارسها معظم الدول تماماً.. ذلك لأن ا لإسلام يسير في سياسته مزيجاً من الإدارة والعدل، والحب الشامل، وحفظ كرامة الإنسان، وتقييم دم الإنسان.. فهو يحاول أن لا تراق قطرة دم دون حق، أو تهان كرامة شخص واحد جوراً، أو يظلم إنسان واحد.. بل وحتى حيوان واحد.

أما السياسة ـ بمفهومها المعاصر ـ فهي القدرة على إدارة دفة الحكم وتسيير الناس والأخذ بالزمام مهما كلفت هذه الأمور من إهدار كرامات، وإراقة دماء، وكبت حريات، وابتزاز أموال، وظلم وإجحاف ونحو ذلك.. فما دام الحكم له والسلطة خاضعة لأمره ونهيه فهي الغاية المطلوبة، وإنها تبرر الواسطة، وإن كانت الواسطة إراقة دماء الألوف والملايين جوراً وظلماً.. هذا منطق السياسة في أغلب بلاد العالم اليوم.قسم المؤلف كتابه إلى ستة عشر مبحثاً، حاول من خلالها أن يحيط بالسياسة الإسلامية في كافة مجالات الحياة.

في مبحث سياسة الإسلام في المجال الاقتصادي يقول سماحة المؤلف:

إن الاقتصاد له الأهمية الكبرى في السياسة، وكلما كان التوازن الاقتصادي أقوى كانت السياسة أكثر سداداً ورشداً فالسياسة الإسلامية في مجال الاقتصاد قد حاربت الفقر حرباً لا هوادة فيها، وقصة السائل النصراني مع الإمام علي (عليه السلام) حين جعل له من بيت مال المسلمين مرتباً يرتزق منه مع أنه نصراني لا يدين بالإسلام، لكيلا يكون في البلد الإسلامي مظهر واحد للفقر والجوع ولكي يعرف العالم، والمسلمون أنفسهم أن الحكومة الإسلامية تقضي على الفقر وتدفع مستوى الفقراء لا بالنسبة للمسلين فحسب، بل تنفي الفقر حتى عن الكفار ما داموا تحت رعاية الدولة الإسلامية.

في المجال الصحي وضع الإسلام خططاً حكمية لاقتلاع جذور المرض عن أطراف الدولة الإسلامية كلها وعن عامة المسلمين فإنا نجد في قائمة الأحاديث الشريفة المأثورة عن رسول الإسلام وعن أهل بيته الأطهار (عليهم الصلاة والسلام) الألوف والألوف منها مخصصة لبيان الأمور الصحية ولأجل ذلك قلمّا يجد الإنسان ـ في ظل الحكم الإسلامي ـ مرضى كثيرين وأمراضاً متفشية وكانت الصحة العامة مرفرفة بأجنحتها العريضة على الدولة الإسلامية وكان ذلك مستمراً إلى عهد سقوط الدولة الإسلامية ولتضع هنا مثلاً يكون نموذجاً واحداً لما قلناه عن سياسة الصحة في الإسلام: فلقد كان المسلمون غالباً حسب أوامر الشريعة الإسلامية المتكررة والمؤكدة يعهدون إلى تقليل كمية الدم من كل فرد في كل عام على الأقل مرة واحدة وخصوصاً في أيام الربيع تبعاً لتهيّج كل ما في الكون من إنسان وحيوان ونبات وأجهزة وطاقات وغيرها، وذلك بعملية (الحجامة) أو عملية (الفصد) وقد ورد في الأحاديث الشريفة: أن تقليل الدم أمان من موت الفجأة، وهي السكتة القلبية، والشلل المؤدي إلى ذلك ومما ورد في ذلك حديث شريف للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) حيث قال: (إنما مثل الدم مثل العبد وربما قتل العبد سيده).

في مجال الثقافة لا تكاد ترى أمة أو فكرة أو مبدأ أو نظاماً فتح أبواب العلوم والثقافة كما فتحها الإسلام، أو ندب إليها كما ندب الإسلام إلى العلم. فكم ندب الإسلام إلى العلم، وكم قدر من العلماء ورفع من شأنهم ولمجرد النماذج نذكر بعض الأحاديث لنعرف البعد العميق في تحريض الإسلام على الثقافة والعلم.

اطلبوا العلم ولو بالصين.

اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.

العلماء ورثة الأنبياء.

الناس أموات وأهل العلم أحياء.

ويضرب الإسلام شوطاً أبعد في ميدان الثقافة، فيصدر حكمه الأكيد والوجوب المحتوم على كافة الصناعات، والمخترعات، والحرف، وجوباً كفائياً ومعنى الوجوب الكفائي هو: أن المسلمين لو تركوا جميعاً صنعة أو حرفة فتعطلت عندهم أجهزة الحياة ـ ولو نسبياً ـ اشترك الجميع في الإثم والعصيان والمسؤولية أمام الله تعالى.

في مجال الحريات فإن التاريخ الطويل للعالم لم يرَ لغير الإسلام في فتح الحريات نظيراً ولا مثيلاً، وحتى هذا اليوم الذي يحب الغربيون أن يسموه بعصر الحرية فالإسلام يعطي لكل فرد من المسلمين، بل وحتى لغير المسلمين من سائر البشر كامل الحرية في جميع المجالات المشروعة، ما دام لا يضر بحرية غيره وأول ما يبدأ الإسلام بتحرير الناس منه الفكر واختيار الدين، إذ أن الإسلام لا يجبر على دين معين أبداً ولو كانوا في بلاد الإسلام وتحت رعايته وحمايته والإسلام يعطي لكل فرد من المسلمين حرية الكسب والتجارة، حرية العمل والصناعة، حرية السفر والإقامة، حرية الخطابة والكتابة، الحرية في جميع الأمور.

في مكافحة الجرائم استعمل الإسلام أسلوباً لم تحلم به الدول كلها حتى الآن فهو يجعل ـ بقوانينه الراشدة ـ من الناس أمة طاهرة لا تأتي بجناية ولو نظرت إلى الدولة الإسلامية الكبيرة، منذ البعثة النبوية العظمى حتى قرنين من بدايتها، التي كانت شاسعة جداً، لرأيت التاريخ يسجل سرقات قليلة في هذه الدولة الواسعة، بينما ترى أميركا اليوم تستنجد العالم في كيفية مكافحة هذا الخطر المحدق لخلاصها من ستة ملايين لص، في ظرف خمسة وعشرين عاماً، فما النسبة؟ مائتان من السنوات، دولة كبيرة جداً، وسرقات قليلة جداً والضمان الاجتماعي في الإسلام صبابة الإنسانية في قمتها، ولذا فإن الإسلام حين ينطلق من زاوية الإنسانية، يصب هذا ا لضمان بما يوافق الإنسانية في أعمق أبعادها الفضيلة، وبالتأكيد لم ير التاريخ قبل الإسلام، ولم تسجل الحضارات بعد الإسلام، حتى اليوم ضماناً اجتماعياً، بعمق الضمان الاجتماعي في الإسلام.

إنه يقول: إن كل من يموت وعليه ديون، فعلى إمام المسلمين أداء ديونه، وكل من يموت وله مال، فالمال كله لورثته، ليس لإمام المسلمين منه شيء وفي نصوص الشريعة الإسلامية، زخم كبير من ذلك، وهو إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى اهتمام الإسلام بالتأكيد على هذا الجانب الاجتماعي العظيم، حيث تكرر نقل ذلك عن نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) وأئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام).

في مجال العلاقات الدولية، فقد وضع الإسلام قانوناً لشد الروابط الدبلوماسية، فجوّز الصداقة مع الدول الكافرة التي لم تؤذ المسلمين ونهى عنها مع الكفار الذين يؤذون المسلمين فالدول الكافرة التي أخرجت المسلمين من ديارهم، مثل إسرائيل، لا يجوز للمسلمين إيجاد العلاقات معها، وأما الدول الكافرة المحايدة، فلا بأس للمسلمين في أن يشيدوا معهم روابط، ويكوّنوا صداقات معهم، ويبروا ويحسنوا إليهم أما بالنسبة لسياسة الإسلام في السلم والحرب، فإن الإسلام هو الدين الذي يدعو إلى السلام صدقاً، ولم يكن الإسلام ـ يوماً ما ـ مثل هذه الدول الكاذبة التي تدعو إلى السلام وتجعل السلام شعارها، ثم إذا جاءت الحرب أفنت قنابلها عشرات الملايين، وتفتخر بأن في استطاعتها إبادة العالم في دقائق معدودة.

من سياسة الإسلام الإنسانية في الحروب، إنه لم يبدأ بحرب قط.. فالحروب والغزوات التي قامت في حياة الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله) كلها كانت دفاعية، فلم يكن الإسلام يوماً ما يذهب إلى الكفار ليشن عليهم الحرب جزافاً واعتباطاً، كما أنه لم يبدأ بحرب إلاّ بعد الصبح ولم يكن التدخل في الأمور السياسية وتعديل الأمة وتقويمها واجب العلماء وحسب، بل هو واجب الجميع، والجميع مسؤولون عنه غداً يوم القيامة فكل زيغ أو انحراف يحدث في الأمة الإسلامية، يجب على جميع المسلمين مكافحته وإصلاحه.

وبعد..فقد تطرق سماحة المؤلف في هذا الكتاب إلى الحكومة الإسلامية الأولى التي أقامها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة وسهر على رعايتها طيلة عشر سنوات من عمره الشريف، وكانت بحق مثالاً يُحتذى وقدوة صالحة في كل زمن ومكان للحكومات الرشيدة التي ينشدها الإنسان لإقامة مجتمع العدل والفضيلة ومثلها أقام وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) حكومته الرشيدة الأخرى على غرار تلك الحكومة المحمدية، والتي سارت على خطاها مسترشدة بهدي نبي الرحمة وسنته، وكان دستورها القرآن الكريم وسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبعدما ابتعد المسلمون عن نهج رسولهم وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وتكاسلوا عن العمل، وفقدوا المسؤولية، وقعد كلٌّ في داره، صبت عليهم، ووقعوا فرائس صهيون والغرب والشرق وغيرهم ولكن المسلمون اليوم بدأوا اليقظة، ومعرفة ما يدور حولهم، فيرجى لمستقبلهم الخير الوافر، والعزة الشاملة بإذن الله تعالى فأساس التقدم والخير والعزة، هو الوعي الصحيح والإيمان الصادق، وقد ورد في الحديث الشريف: (العالم بزمانه لا تهجم عليه النوائب).

alshirazi.com