إلى أين أوصلنا التحرر المالي؟

 

 

أزمة ائتمانية، لكن عالم أكثر ثراء وأكثر عولمة

هذه أيام مجد الأسواق المالية، فهي أكبر، وأكثر ثراء، وأكثر قوة مما كانت عليه في أي وقت مضى. ومع ذلك، فهذا الموقع تحديدا الذي جعلها في صميم الحياة الاقتصادية العالمية، هو ما حوّل الأزمة الائتمانية التي حدثت العام الماضي إلى تهديد وبالفعل، وسواء أكان ذلك عدلا أو غير ذلك، تم إدراج مسرحية صامتة من المقرضين الجشعين، والمصرفيين المفلسين، ومديري الأموال المراهقين كي يتم إلقاء اللوم عليها. وهناك دعوات، بعضها مبرر، لفرض تنظيم أكثر صرامة للأسواق المالية لكن قبل كتابة القوانين الجديدة ينبغي علينا أن نتذكر العالم المالي الذي كان موجوداً قبل 40 عاماً، وإلى أين أوصلنا التحرر المالي.

قبل 40 عاماً كانت البنوك التجارية وتداول الأوراق المالية في الولايات المتحدة منفصلين على نحو صارم، من خلال قانون جلاس - ستيجال، ولم تكن البنوك قادرة على التوسع إلى أبعد من حدود الولاية. وفي وول ستريت والحي المالي في لندن، كانت هناك عمولات ثابتة لتجار الأسهم، ودائرة مغلقة للبنوك الضامنة وأتى الرهن العقاري للمساكن من جمعيات البناء، أو المدخرات والقروض وكانت هناك منافسة محدودة على أسعار الفائدة وكانت البنوك تحتفظ بالكثير من الأموال الاحتياطية، لكن قبل اتفاقية بازل الأولى حول كفاية رأس المال غالباً ما كانت هناك علاقة طفيفة بين الاحتياطات والمخاطر المتعلقة بالبنك وكانت أسعار الصرف ثابتة في ظل نظام بريتون وودز، وكان الانتقال الدولي لرأس المالي مقيداً.

وأدى تحرير هذه القيود، لاسيما في السبعينيات والثمانينيات، إلى جلب منافع عظيمة. وأدت إزالة القيود عن الأسواق المالية إلى حدوث موجة من المنافسة والابتكار وانهارت تكلفة السندات التجارية وأصبحت البنوك أكبر ـ وهكذا أصبحت آمنة على نحو أو آخر ـ واستحدثت أساليب لنشاط الأوراق المالية تلائم الصيرفة ونتيجة للتحرر، باتت الوساطة المالية أرخص، وأصبح لدينا مجموعة من الأسواق أكثر تكاملاً وفاعلية.

وحين أراد عدة ملايين من الشباب، قبل 40 عاماً، الاقتراض مقابل دخلهم المستقبلي، بحيث يتسنى لهم الذهاب إلى الجامعة أو شراء منزل، واجهوا صعوبات في القيام بذلك. وأدى تحرير التمويل الاستهلاكي إلى تخفيف القيود الائتمانية على الكثيرين ومع ظهور الحركة الدولية الحرة لرأس المال، ظهرت طفرة في استثمار المحافظ والاستثمار المباشر عبر الحدود. ولم يتم تخصيص رأس المال فقط بكفاية أكبر نتيجة لذلك، لكن الاستثمار الأجنبي كان قناة لنقل المهارات الإدارية والتكنولوجية، وبالتالي زاد من النمو. وكان من الممكن لموجة العولمة في العقود الأخيرة أن تنتقل ببطء أكبر دون التحرر المالي.

لكن هذه المكاسب لها تكلفة. إن أي تخفيف في الضوابط على رأسمال البنوك ونشاطاتها يسهل عليها المجازفة - وبالتالي تزيد الأرباح - اعتمادا على معرفتها أن الدولة لا تتحمل رؤيتها تفشل. ولا توجد إجابة بسيطة، لكن نظام إنقاذ البنك الذي يخسر فيه المساهون جميع أموالهم يخلق المحفزات المناسبة. وانسحب المساهمون من عمليات الإنقاذ التي جرت هذا العام لأزمة نورثرن روك وبنك آي كيه بي IKB الألماني كما أدى تحرير الائتمان الاستهلاكي إلى نوع من المقايضة. ومكن الرهن العقاري من تمليك المنازل لمئات الآلاف من الأشخاص الذين كانوا مستأجرين لولا ذلك. ومع ذلك، فإن الاستخدام غير الكفء للرهن العقاري، المتسم بطابع احتيالي، أدى إلى خسارة عشرات الآلاف من هؤلاء الأشخاص لمنازلهم، إضافة إلى تسببها في هزة للأسواق المالية. وينبغي للتنظيم أن يكون موجهاً نحو الإساءة والبيع الخاطئ لتلك المنتجات لا نحو المنتجات بحد ذاتها.

ومع ذلك، فإن أعظم تأثير للتحرر المالي هو ربط الأسواق معاً على نحو أوثق. ويمكن لأي هزة لسوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة أن تؤثر في توافر الائتمان للمستهلك الأوروبي. وبالنسبة لهؤلاء المستهلكين، فإن هذا الأمر يصعب تفسيره، ويوحي بالتهديد، لكن مع أن مدى الهزات المالية بات اليوم أكبر، إلا أن هناك دليلاً ضعيفا على أنها زادت من حيث التواتر أو من حيث القوة. وينبغي تعديل الأنظمة المالية، خصوصاً فيما يتعلق بسيولة البنك وإقراض المستهلك، رداً على الأزمة المالية لكن اتجاهها التحرري، الذي جلب فوائد عظيمة، يجب أن يبقى.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-1-1-2008