أسعار النفط في عام 2008: أسئلة وأجوبة  (1-2)

 

د. أنس بن فيصل الحجي

 

 

على الرغم من "مظاهر" التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة إلا أنه من الصعب فصل تأثير المصالح الخاصة عن توقعات وكالة الطاقة الدولية وأوبك فمن صالح وكالة الطاقة أن تضخم الطلب العالمي وتقلص إنتاج خارج أوبك، ومن صالح أوبك أن تفعل العكس تماماً، فتقلص نمو الطلب العالمي وترفع إنتاج دول خارج أوبك إن هذا الاختلاف في "المصالح" و "التوقعات" سيؤثر بشكل كبير في مستقبل أسعار النفط على المديين القصير والبعيد، كما سيسهم في زعزعة استقرار أسواق النفط العالمية إن توافر معلومات دقيقة وتوقعات أكثر صحة يسهم في استقرار الأسواق، والذي يصب في النهاية في مصلحة كل من المنتجين والمستهلكين وكما سنرى لا حقا في هذا المقال فإن الاختلاف الكبير في التوقعات لعام 2008 يعني أن أمامنا سنة مليئة بالمفاجآت ويكفي أن نعرف مدى صحة توقعات كل من أوبك ووكالة الطاقة من اعتراف فاتح بيرول، رئيس الاقتصاديين في وكالة الطاقة، بأن أسواق النفط في عام 2007 كانت "كالرقص على الجليد"!

ما مقدار ارتفاع أسعار النفط في عام 2007؟

رغم ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، إلا أن متوسط الأسعار لعام 2007 ارتفع في حدود 10 في المائة فقط مقارنة بمتوسط أسعار عام 2006 (من نحو 65 دولارا إلى 72 دولارا للبرميل لخامي برنت وغرب تكساس) أما متوسط سعر سلة أوبك فقد ارتفع بالنسبة نفسها تقريباً من ليصل إلى نحو 67.80 دولار للبرميل في عام 2007، علما بأن أسعار النفط ارتفعت بمقدار 20 في المائة في عام 2006 و40 في المائة في عام 2005.

إلا أن ما يميز أسعار النفط في عام 2007 هو الفارق الكبير بين أدنى مستوى للأسعار وأعلاها. ففي عام 2006 بلغ ارتفاع الأسعار من أدنى نقطة لها نحو 40 في المائة، بينما بلغ في عام 2007 أكثر من 90 في المائة. بما أن صانعي القرار في الحكومات والشركات يهتمون بمتوسط الأسعار واتجاهها العام بدلا من التركيز على الأسعار اليومية والتغيرات القصيرة المدى، فإن ارتفاع أسعار النفط بنحو 10 في المائة فقط في عام 2007 قد يكون أحد تفسيرات عدم تأثر نمو اقتصادات الدول المستهلكة بشكل واضح باقتراب أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل.

ما الأسباب التي رفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية في عام 2007؟

أسهمت العديد من العوامل السياسية، الاقتصادية، الطبيعية، والفنية في رفع أسعار النفط في عام 2007. من أهم العوامل السياسية: تأزم العلاقات الإيرانية - الغربية بشأن برنامج إيران النووي، تردي الوضع الأمني في نيجيريا، انسحاب كبرى شركات النفط العالمية من فنزويلا، تردي العلاقات بين الولايات المتحدة وميانمار، والتهديد التركي باجتياح شمال العراق.

ومن أهم العوامل الاقتصادية التي أسهمت في ارتفاع أسعار النفط تخفيض أوبك للإنتاج في بداية عام 2007 في وقت استمر فيه الطلب العالمي على النفط في النمو، وانخفاض نمو إنتاج دول خارج أوبك، واستمرار انخفاض الدولار الأمريكي مقابل العملات الدولية الأخرى، وانخفاض صادرات بعض دول الخليج خلال أشهر الصيف بسبب زيادة الطلب على الكهرباء، الأمر الذي أدى إلى أمرين: زيادة الاستهلاك المحلي من النفط على حساب الصادرات، وتحويل كميات من الغاز الذي يستخدم في حقن حقول النفط إلى محطات الكهرباء، مما خفف من الضغط في بعض الآبار وخفض الإنتاج.

وعند الحديث عن العوامل الاقتصادية المؤثرة في أسواق النفط العالمية لا بد من الحديث عن أثر أزمة الائتمان العقاري في الولايات المتحدة. فقد أخطأ كثير من الخبراء والمحللين في فهم العلاقة بين الأزمة وأسواق النفط حيث توقعوا انخفاض الطلب العالمي على النفط، وبالتالي انخفاض أسعاره، مع أن العكس هو الصحيح. فقد قام البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفدرالي) بتخفيض أسعار الفائدة، الأمر الذي يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد من جهة، وهروب المضاربين إلى أسواق النفط والمواد الأولية من جهة أخرى. كلا الأمرين أسهما في رفع أسعار النفط.

استمرت العوامل الطبيعية في التأثير بشكل كبير في أسواق النفط العالمية وللسنة الرابعة على التوالي. فقد أسهمت الأعاصير في خليج المكسيك في تخفيض إنتاج الولايات المتحدة والمكسيك، كما أسهمت العواصف في إغلاق منصات الإنتاج في بحر الشمال. من ناحية أخرى أدت العواصف الثلجية في شمال أمريكا في نهاية العام إلى زيادة الطلب على النفط وتخفيض مستويات المخزون الأمريكي، الأمر الذي نتج عنه ارتفاع الأسعار في حدود أربعة دولارات للبرميل.

أما العوامل الفنية فإنها تتمثل في أعطال المصافي وأنابيب النفط الناتجة عن عوامل فنية بحتة وفي أعمال الصيانة اللازمة في المنشآت النفطية. أسهمت هذه العوامل في تخفيض إنتاج النفط في العديد من المناطق بما في ذلك ألاسكا وبحر الشمال وبعض دول الخليج، كما أسهمت في إغلاق العديد من المصافي أو أجزاء منها ـ خاصة في الولايات المتحدة، أكبر سوق للنفط في العالم.

هل ستصل أسعار النفط إلى مستويات قياسية في عام 2008؟

هناك بعض السيناريوهات التي تشير إلى تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، خاصة خلال الصيف المقبل. أكثر هذه السيناريوهات احتمالا يتعلق بعوامل طبيعية بحتة تتمثل في حدوث أمرين معا، أعاصير مدمرة في خليج المكسيك تخفض الإنتاج في المكسيك والولايات المتحدة، وموجة حر في دول الخليج تؤدي إلى عجز في إمدادات الكهرباء، الأمر الذي سينتج عنه انخفاض صادرات بعض دول الخليج. وهناك احتمالات أخرى يتعلق أغلبها بالعوامل السياسية مثل احتمال هجوم أمريكي على إيران وهجمات إرهابية على المنشآت النفطية في الدول المنتجة. هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة أن يكون متوسط الأسعار في عام 2008 أعلى من متوسط الأسعار في عام 2007 ويتوقع عدد من المحللين أن تنخفض أسعار النفط في عام 2008 عن مستوياتها الحالية، ولكن هذا لا يعني أن متوسطها سينخفض عما كان عليه في عام 2007 لأن أغلبهم يعتقد أن الأسعار ستكون بين 70 و80 دولارا للبرميل. ويرى البعض أنه بناء على تقديرات الموازنة السعودية فإن سعر النفط في الأسواق الأمريكية سيكون في حدود 75 دولارا للبرميل، خاصة أن التوقعات السعودية أكثر دقة من غيرها لكن هناك بعض المحللين، خاصة في القطاع المالي، الذين يرون أن الأسعار ستكون أعلى من ذلك.

فخبراء شركة ليمان برذريتوقعون أن يكون متوسط السعر في عام 2008 أعلى من متوسط السعر في عام 2007 بأكثر من عشرة دولارات، حيث يتوقعون أن يكون المتوسط 84 دولارا للبرميل، وهذا التوقع يتفق مع توقعات إدارة معلومات الطاقة في وزارة الطاقة الأمريكية. أما خبراء جولدمان ساكس فقد توقعوا منذ فترة أن يكون السعر في حدود 85 دولارا للبرميل، ثم رفعوا هذا السعر إلى 95 دولار للبرميل فيما بعد. بما أن هذه التوقعات هي لمتوسط السعر، فإنها تتضمن احتمال أن تتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل لفترات وجيزة ولا شك أن هناك بعض المحلين الذين يتوقعون أسعاراً تصل إلى 40 دولارا أو إلى أكثر من 200 دولار للبرميل، ولكن ليس هناك أدلة كافية تؤيد هذه التوقعات في الوقت الحالي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-1-1-2008