محللون: "الدولار الضعيف" قد يكون الخطر التالي على أمن أمريكا

 

 

دانيال دومبي

 

يمكن أن تتعرض أمريكا للضغوط نفسها التي مارستها في الماضي بفضل قوة عملتها

في نهاية عام تعرض فيه الدولار لانخفاض كبير مقابل العملات الأخرى، بدأ يتردد على الألسنة سؤال مزعج: هل يمكن أن تقتصر المتاعب التي تواجهها عملة الولايات المتحدة على عالم المال أم أنها ستقوض مكانة واشنطن على الساحة الدولية؟

يقول فلينت ليفريت الذي كان من كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الحالي جورج دبليو بوش:"هذا هو البعد الذي يتم إغفاله في هبوط الدولار. كل ما قيل عن سقوط الدولار تقريباً صيغ بعبارات مالية، لكن سياسة العملات قوية جداً جداً، هي جزء مما جعل الولايات المتحدة دولة مهيمنة لمدة طويلة، مثل بريطانيا قبلها" ويضيف كينيث روجوف، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، في مقال نشر هذا الشهر "من المؤكد أن يجد الأمريكيون أن الهيمنة على العالم لها ثمن أكبر بكثير إذا انخفض الدولار عن عليائه" وهو يرى أن الحظ حالف الولايات المتحدة لتكون قادرة على استخدام الموجودات الهائلة من الدولار لدى البنكين المركزيين لكل من الصين واليابان بفائدة متدنية، لتمويل استثمارات ذات عوائد أعلى في أماكن أخرى "لكن فيما بين أزمة الرهن العقاري الأمريكية وأزمة انخفاض الدولار المستمرة، فإن الميزة التي تتمتع بها أمريكا تبدو الآن مهزوزة نوعاً ما (...) وقد يبدأ الناخبون الأمريكيون المعروفون بكراهيتهم لزيادة الضرائب التفكير ملياً في التكاليف الاقتصادية الحقيقية لوضع القوة العظمى لبلدهم".

إن انخفاض الدولار - بأكثر من 20 في المائة مقابل شركائه التجاريين منذ شباط (فبراير) 2002 - قد يحدو بالدول الأخرى إلى التحول عن استخدام الدولار في احتياطيات بنوكها المركزية، أو في التعاملات الدولية، أو ربط عملاتها بالدولار، الأمر الذي يتمخض عن نتائج مكلفة بالنسبة للولايات المتحدة وفي الواقع، بدأت البنوك المركزية تتحرك في هذا الاتجاه. فقد ألمحت الصين التي ترفض الكشف عن تركيبة احتياطياتها الهائلة من العملات الأجنبية باعتبارها من أسرار الدولة، إلى أنها تخطط لإجراء خفض تدريجي على نسبة الدولار في هذه الاحتياطيات – التي يقدرها بعض المحللين بأكثر من الثلثين.

يقول بن شتيل، مدير دائرة الاقتصاد الدولي في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك: "الولايات المتحدة محظوظة بشكل غير عادي لأن عملتها هي المقياس الدولي للقيمة - فإذا توقف ذلك، فسينتهي معه تأثير الولايات المتحدة على صعد عديدة". وهو ينوه بقدرة الولايات المتحدة على تعزيز نفوذها عبر إنقاذ البلدان الأخرى من الأزمات المالية التي تمر بها: "إن ما تحتاجه الدول حين تمر بأزمات مالية هو الدولارات، وهذا يعطي الولايات المتحدة فاعلية هائلة" ويضيف شتيل أن دور الدولار الذي لا يمكن الاستغناء عنه يوفر لواشنطن أداة مهمة لاستخدامها ضد دول مثل إيران وكوريا الشمالية، لأن الولايات المتحدة تستطيع عبر منع بنوك هذه الدول من الحصول على التمويل بالدولار - وهذه خطوة اتخذتها واشنطن عدة مرات في السنة الماضية - أن تلحق الضرر بالأنظمة المالية لتلك البلدان وأن تجعل كلفة الحصول على التمويل أعلى ويقول ليفريت إن الولايات المتحدة يمكن أن تتعرض في وقت قريب نسبياً إلى ذلك النوع من الضغط المالي الذي مكنت قوة الدولار من ممارسته في الماضي ومن الأمثلة الكلاسيكية على ذلك تهديد واشنطن بسحب مبالغ طائلة من الجنيهات الاسترلينية كي تضغط على المملكة المتحدة من أجل سحب قواتها من مصر إبان أزمة السويس عام 1956.

وقد يتحول هذا النوع من التأثير والفاعلية في المستقبل إلى الصين. إذ يقول ليفريت: "ترغب الصين في الوقت الراهن في الاحتفاظ بسيطرتها على سرعة ارتفاع عملتها، الرنمينبي، لكن هناك احتمالاً متزايداً في أن تقرر أن مصلحتها الاستراتيجية في تقييد الولايات المتحدة في مرحلة ما تفوق الاعتبارات الاقتصادية" ويشير ليفريت أيضا إلى ما يقول إنه سلسلة من التفاهمات غير المكتوبة، لكنها واضحة وجلية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية المنتجة للنفط على تأكيد دور الدولار باعتباره العملة الرئيسية للعالم وذلك عبر إبرام عقود النفط بالدولار وربط عملاتها المحلية بالدولار.

لكن العديد من خبراء الاقتصاد يقللون من شأن هذه الاتفاقيات - لأن سعر النفط لا ينبغي أن يتأثر بالعملة التي يحدد سعره بها، بل بالعرض والطلب. إلا أن الطريقة التي سعت بها الولايات المتحدة إلى تلك التفاهمات ورعتها على مدى عقود - من أربعينيات القرن الماضي فصاعداً، كما يقول ليفريت - تدل على أهميتها بالنسبة لصانعي السياسات في الولايات المتحدة ويضيف ليفريت: "هناك حجج كثيرة تستند إلى أسس اقتصادية توجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن توقف ربط عملاتها بالدولار" بسبب هبوطه الذي يشير إلى أن كثيرا من الدول الخليجية تستورد التضخم جراء ارتباط عملاتها بالدولار الضعيف "لكن المسؤولين في المنطقة سيقولون لك إن قرار الارتباط بالدولار هو قرار استراتيجي وليس قراراً اقتصادياً. وينبغي أن يكون ذلك مؤشراً حقيقياً لصانعي السياسة والمواطنين الأمريكيين على أن هذا نقطة ضعف حقيقية".

وفي الحقيقة، جرى في قمة "أوبك" التي عقدت الشهر الماضي حديث حول الدولار. وبعد انتهاء القمة صرح الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز بأن "إمبراطورية الدولار بدأت في الانهيار". لكن السواد الأعظم من خبراء الاقتصاد ومحللي السياسات الخارجية يختلفون مع هذا القول، مجادلين بأن الأسباب الاقتصادية وأسباب السياسة الخارجية تعني أن الدولار سيواصل الاحتفاظ بدوره الرئيسي في المدى المتوسط وهناك قلة من خبراء الاقتصاد الذين يتوقعون هبوط قيمة الدولار على نحو كارثي، وكثيرون يتوقعون أن يظل العملة الرئيسية للاحتياطيات لسنوات عديدة.

لكن في مخالفة لرأي الأغلبية، ذكر مينزي تشين وجيفري فرانكيل، من المركز الوطني للبحوث الاقتصادية، في ورقة بحث تقدما بها في السنة الماضية، أنه إذا استمر الدولار في الهبوط، فإن اليورو سيحل محله عملة رئيسية للاحتياطيات الدولية بحلول عام 2022. ويتوقع خبراء اقتصاد آخرون أن الصين سترسخ عملتها، الرنمينبي، في المدى الطويل عملة مهيمنة في آسيا والأثر الذي يخلفه أي من هذين السيناريوهين لن يقتصر على أسواق العملات، لكن قد يطال أنماط الإنفاق في واشنطن وقوتها المالية - وهما عماد الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين وقد لا يعود الدولار مصدر قوة الولايات المتحدة، بل عامل من عوامل ضعفها.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt