ما وراء النزعة الاستهلاكية المتطرفة!

 

السيد يسين 

 

 

لا نبالغ إذا قلنا إننا نعيش عصر الاستهلاك الوفير، بكل أنواعه خصوصاً الاستهلاك التفاخري الذي تمارسه بعض الطبقات الغنية لإظهار التميز الطبقي كمؤشر على الوجاهة الاجتماعية والقدرة المالية وقد أدت التطورات التكنولوجية إلى تعاظم القدرات الصناعية بحيث يمكن إنتاج ملايين السلع لإشباع الحاجات الأساسية للجماهير وهذا بلا شك أحد الجوانب الإيجابية لانتشار الاستهلاك، غير أننا نتحدث عن الجوانب السلبية للاستهلاك الذي ساعدت العولمة على نشره في مختلف القارات، وعبر كل الثقافات المعاصرة.

وقد أظهرت البيانات الإحصائية التي تضمها تقارير التنمية التي تنشرها الهيئات المختلفة للأمم المتحدة، أن الاستهلاك العالمي يحتاج إلى وقفة نقدية، لأن اتجاهاته السلبية يمكن أن تعيق استدامة التنمية على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي ولو طالعنا تقرير "التنمية البشرية" الذي أصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 1998 لوجدنا فيه تحذيراً مبكراً من سلبيات الاستهلاك المعاصر.

يقرر التقرير "إن الاستهلاك المعاصر يدمر أساس المصادر البيئية، ويزيد من عدم المساواة بين البشر. وتتسارع التفاعلات التي تولدها معادلة الاستهلاك والفقر وعدم المساواة والبيئة. وإذا ظلت اتجاهات الاستهلاك كما هي وبدون تغيير، أي دون إعادة التوزيع من المستهلكين ذوي الدخول العالية إلى المستهلكين ذوي الدخول المنخفضة، وإذا لم ننتقل من تكنولوجيات الإنتاج الملوثة للبيئة إلى التكنولوجيات التي تنتج سلعاً أكثر نظافة وأقل تلوثاً، فإن مشكلات الاستهلاك ستتصاعد وستتأثر معدلات التنمية البشرية، وخصوصاً إذا لم يتم الانتقال من غلبة إنتاج السلع الكمالية إلى إنتاج السلع التي تشبع الحاجات الأساسية للجماهير العريضة وينبغي الالتفات إلى أن هذا النقد ليس موجهاً ضد الاستهلاك في حد ذاته، لأنه ضروري لدوام الحياة الإنسانية، ولكنه موجه في المقام الأول إلى أنماط معينة من الاستهلاك، وآثارها السلبية على الثقافة والمجتمع على السواء ويمكن القول إن عدم المساواة في الاستهلاك - لو تأملنا مؤشراته الكمية - يمكن أن يكون صادماً للكثيرين، ولنستعرض معاً بعض الأرقام ذات الدلالة على المستوى العالمي 20% من الناس في الأقطار ذات الدخل المرتفع نصيبها 86% من إجمالي نفقات الاستهلاك الخاص، في حين أن 20% الذين يمثلون أفقر الطبقات يستهلكون 1.3% وإذا أردنا تفصيل الأرقام لوجدنا ما يلي:

- الأغنياء يستهلكون 45% من إجمالي إنتاج اللحوم والأسماك في حين أن خمس السكان من الفقراء يستهلكون 5%.

- يستهلك الأغنياء 58% من إجمالي إنتاج الطاقة، في حين يستهلك أشد الناس فقراً أقل من 4%.

- نصيب الأغنياء من خطوط التليفون 74% وأشد الناس فقراءً 1.5%.

- يستهلك الأغنياء من الورق 84% وأفقر الناس 1.1%.

ويمكن القول إجمالاً إن زيادة معدلات الاستهلاك خلال الخمسين سنة الماضية استنزفت الموارد البيئية بصورة لا سابق لها ولعله آن الأوان لكي نخرج من إطار استعراض المؤشرات الكمية التي تؤكد على الخلل في عملية الإنتاج المعاصر، من زاوية غلبة إنتاج السلع الترفيهية والكمالية على إنتاج السلع الضرورية، بأن تطرح عدداً من الأسئلة المهمة والسؤال الأول هو: كيف يتم إنتاج المنتجات التي نستهلكها؟ هذا السؤال يثير عديداً من المشكلات المعلقة التي لم يجد المجتمع الدولي حلاً لها حتى الآن ولنركز على مشكلة تلوث البيئة الناجم من الإنتاج الصناعي الذي تنتجه مصانع تنبعث منها غازات تؤدي إلى تلوث المناخ العالمي تلك إحدى أخطر المشكلات التي تواجه الإنسانية حالياً وقد ظهر الاهتمام بها دولياً بعد أن ارتفع مستوى الوعي الاجتماعي العالمي بمشكلات تلوث البيئة ولذلك بعد جهود مضنية، تم توقيع معاهدة "كيوتو" لضبط المناخ العالمي، وإلزام الدول التي تنبعث الغازات السامة من مصانعها بتعديلها حماية لصحة المناخ العالمي وهذه المعاهدة وقعت عليها أكثر من 200 دولة بعدما ثبت يقيناً أنها الوسيلة الوحيدة لضمان استدامة الحياة على كوكب الأرض.

غير أن الولايات المتحدة الأميركية التي تنبعث من مصانعها أكبر معدلات الغازات الضارة، انسحبت من المعاهدة، تقديراً منها أنها ستضطر وفقاً لأحكام المعاهدة إلى إنفاق ملايين الدولارات لإدخال التعديلات الضرورية على مصانعها حتى لا تكون ملوثة للبيئة والسؤال الثاني الذي تطرحه نزعات الاستهلاك المعاصر: ما هي آثار الإنتاج الراهن على البيئة والمجتمع والأفراد؟

لقد تحدثنا عن أثره على البيئة في الفقرة السابقة، غير أن تأثيره على المجتمع والأفراد يحتاج إلى دراسات مطولة. ولو أردنا الإيجاز لقلنا إن الأثر السلبي البارز للاستهلاك الوفير على المجتمعات كونه يقسمها إلى قلة غنية تمارس الإنتاج الوفير والتفاخري بكل صوره، وأغلبية متوسطة وفقيرة لا تجد الحد الأدنى من السلع الضرورية لإشباع حاجاتها الأساسية، ونعنى المياه النظيفة، والسكن، والتعليم وتتأكد هذه الملاحظة إذا حللنا الأوضاع الراهنة في العديد من البلاد العربية التي أصبحت تشيع فيها صيغة المنتجعات والمناطق الزاخرة بالفيلات والقصور المسيجة، وازدياد دوائر الفقر من ناحية أخرى، والذي أصبح نمو المناطق العشوائية معلماً من معالمه الاجتماعية البارزة وهذه المناطق يسكنها ملايين البشر الذين يفتقرون إلى ما يلبي حاجاتهم الأساسية وهؤلاء البشر، خصوصاً أجيال الشباب منهم، عادة ما تحيط بهم مشاعر الإحباط واليأس من إمكانية الترقي الاجتماعي، مما يخلق حالة من الاغتراب الاجتماعي وفقد الانتماء. وهذه الحالة تمثل ظرفاً ملائماً لظهور حركات احتجاجية متطرفة، قد تلجأ أحياناً إلى الإرهاب الصريح وسؤال آخر يحتاج إلى إجابة: من هي الأطراف التي تؤثر على اختيارات الناس بصدد الاستهلاك؟

لا نستطيع في هذا المجال أن نغفل أثر السمات الاتصالية للعولمة والتي جعلت الإعلان عن السلع والمنتجات يأخذ أبعاداً عالمية، إذ أصبح الإعلان التجاري يصل إلى كل مكان في العالم ولا شك أن هذه الإعلانات التي تصاغ بشكل جذاب للغاية، من شأنها أن تؤثر على اتجاهات الناس وتفضيلاتهم في مجال الاستهلاك، بل وتدفعهم دفعاً إلى شراء السلع الكمالية الجذابة ويكفي أن نتأمل في بلد مثل مصر، حيث يشيع شراء واستخدام الهواتف المحمولة، وأخطر من ذلك ما ينفق على المكالمات سنوياً والذي يصل إلى 16 مليار جنيه مصري. وقد أصبح امتلاك الهاتف المحمول ضرورة حياتية، بل وأصبح الأطفال في الأسر المختلفة يمتلكون هذه الهواتف، ما يعنى إلقاء مزيد من الأعباء على ميزانيات الأسر المتوسطة والفقيرة وإذا أردنا أن نوجز الملاحظات النقدية الموجهة ضد الاتجاهات المتطرفة للاستهلاك المعاصر، قلنا إن الفروق ضاعت بين السلع الضرورية لاستدامة الحياة، والسلع الكمالية التي تقتنى إما لإثبات التميز الطبقي، أو لممارسة الوجاهة الاجتماعية من قبل الطبقات الغنية، أو للتقليد الأعمى من قبل الطبقات المتوسطة والفقيرة وهكذا تضيع التنمية المستدامة بين الإسراف في الإنفاق على السلع الكمالية، والتقييد في الإنفاق على إشباع الحاجات الأساسية للجماهير.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad