لا يوجد طريق منفرد يخرج بنا من أزمة الرهن العقاري

 

 

فولفجانج مونشو

 

 

لا ينبغي على البنوك المركزية، والمنظمين، والسلطات المالية، فتح كل صمامات السياسات في الوقت ذاته

تعتبر أزمة الرهن العقاري صدمة اقتصاد كلي شاملة تحتاج إلى استجابة تتمثل في سياسة حازمة لكن أي نوع من السياسات؟ من المحتمل أنها لن تتطلب استجابة متماثلة، وأدوات سياسة متماثلة، من جميع الدول، لكن استراتيجية أكثر استهدافاً.

على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مثلا، أن تستجيبا بصورة أشد من منطقة اليورو وآسيا، حيث احتمالات حدوث الركود أدنى بكثير. وبينما لم أعتقد على الإطلاق بجدوى فك الارتباط مع العملة الأمريكية - هذه النظرة التي يتبناها رجال المصارف المتحمسون الذين يعتقدون أن بقية العالم يمكن أن تنمو بسعادة حين تعاني الولايات المتحدة من الركود - أرى أن أزمة الرهن العقاري أزمة غير متماثلة إذا كنت تعيش في بلد مدمن على الائتمان، وناطق بالإنجليزية، كما أنه يمثل مركزاً مالياً كبيراً، فإن احتمالات مواجهتك للمشاكل تزداد ولا ينبغي على البنوك المركزية، والمنظمين، والسلطات المالية، فتح كل صمامات السياسات في الوقت ذاته. الاستجابة الصحية هي استخدام السياسة المالية والتنظيمية بقوة واندفاع، واستخدام السياسة النقدية باعتدال والحقيقة هي أنه كانت هناك بعض الدلائل في الأسبوع الماضي، على أننا نتحرك في هذا الاتجاه.

كان البنك المركزي الأوروبي على حق في الإشارة إلى احتمال رفع معدلات أسعار الفائدة العام المقبل في ظل الضغوط التضخمية السائدة هناك. وكانت وزارة الخزانة الأمريكية على حق كذلك حين جاءت ببرنامج لإنقاذ مقترضي الرهن العقاري المكتئبين، بتجميدها دفعات الفوائد والخطأ الوحيد الذي يمكن أن أراه في البرنامج الأمريكي هو أن من المحتمل ألا يكون التحرك كافياً، إذ إن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تفعل المزيد للمساعدة في تخفيف أثر انتشار الأزمة من قطاع المساكن إلى الاقتصاد الحقيقي لن يستطيع هذا البرنامج، بصورته الحالية، فعل أي شيء لمنع اتجاه اقتصادي تنازلي حاد، لكن من الممكن أن يساعد على الحؤول دون تحول الاتجاه التنازلي إلى ركود. لكن حتى في الولايات المتحدة، حيث يكمن خطر حدوث ركود مباشر، فإن رد الفعل المبالغ فيه من جانب السياسة النقدية يمكن أن يكون خطأ خطيراً.

أحد أسباب ذلك هو أن السياسة النقدية يمكن ألا تكون بفاعلية السياسة التنظيمية والمالية، لأن تمكين السياسة النقدية من تقديم العون المالي الكافي للمقترضين المكتئبين يتطلب تخفيضات في معدلات أسعار الفائدة تراوح بين 200 و300 نقطة أساس. ولن ينجح ذلك إلاّ في حالة المقترضين الذين يستطيعون إعادة التمويل بصورة فورية.

من الأفضل بكثير إنقاذ مقترضي الرهون العقارية المكتئبين بصورة مباشرة، بحيث يكون ذلك عبر المعونات المالية، إذا اقتضت الضرورة وبدأت الولايات المتحدة هذا المسار، كما أن إيطاليا وألمانيا تدرسان خططاً للمساعدة أما السبب المهم الآخر، فهو ارتفاع التضخم العالمي ولذلك فإن انحدار اليابان إلى حالة من الانكماش في أوائل التسعينيات، تمثل دروساً أقل مما يمكن أن يعتقده البعض وبينما كانت الحقيقة هي أن البنوك المركزية في الماضي غالباً ما ارتكبت خطأ الاستجابة المتدنية، بدلاً من المبالغة في الاستجابة، فإن ذلك لا يمثل درساً عاماً يستفاد من الأزمات المالية. وكانت فترة أوائل التسعينيات فترة تضخم عكسي. وأدى انهيار أسعار الموجودات إلى انكماش، وأنكر صانعو السياسة ذلك الأمر في ذلك الوقت.

من المؤكد أن الأمر ليس كذلك في الوقت الراهن، إذ إن التضخم العالمي في ارتفاع، ودخلت العولمة مرحلة بحيث لم تعد تزودنا فقط بالبضائع الرخيصة، لكنها، بالإضافة إلى ذلك، توجد طلباً ضخماً ومتزايداً على الموارد، دون قيود على الإمدادات، كما يحدث بالنسبة للنفط، والأغذية، واللوجستيات وهناك سبب آخر هو أن فترة تراجع الأجور في الاقتصادات الغربية يمكن أن تكون وصلت إلى نهايتها إذا كنا غير محظوظين، فإن الأمر يمكن أن ينتهي بنا إلى تضخم في ظل ركود وإذا استخدمنا السياسة النقدية بشدة واندفاع، كما يحث على ذلك بعض المعلقين، فإننا نخاطر بتحويل الضائقة الائتمانية إلى أزمة مالية أوسع نطاقاً.

من المحتمل أن يساعد التضخم الأعلى، بالطبع، على تخفيف حدة أزمة الائتمان المباشرة بسبب تحويله للثروة من المقرضين إلى المقترضين. لكن من المحتمل أن يحمل معه أزمة أخرى، ربما تكون أكبر، بما أن المستثمرين يمكن أن يبدأوا في ذلك الحين بمغادرة سوق السندات الأمريكية إن آخر ما يحتاج إليه الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن هو انهيار لأسواق السندات العالمية، وزيادة في المعدلات الحقيقية لأسعار الفوائد ناجمة عن ذلك.

لذلك فإن أفضل نصيحة يمكن توجيهها إلى البنوك المركزية هي التركيز الشديد على استقرار الأسعار. وطبيعي أن من مسؤوليات البنك المركزي كذلك ضمان الاستقرار المالي، لكن يجب عدم الخلط بين هذا الأمر والإنقاذ المالي للبنوك العاجزة عن الوفاء بالتزاماتها والحقيقة هي أن من الممكن أن يكون من السليم للغاية، بالنسبة للنظام المالي العالمي، أن يترك بعض مقرضي الرهون العقارية المهملين ليواجهوا الإفلاس.

يجب اقتصار دور البنوك المركزية على تزويد الأسواق بالسيولة الكافية من خلال عملياتها العادية بخصوص الأموال الموجهة إلى الأسواق ولا يتناقض ذلك على الإطلاق مع أهدافها الخاصة باستقرار الأسعار. فلماذا لا يمكن للبنك المركزي أن يرفع معدلات أسعار الفائدة وأن يزيد من تقديمه للسيولة في الوقت ذاته؟ وتخدم هاتان الأداتان أهدافاً مختلفة.

من المؤكد أن وجود استراتيجية استقرار أسعار خالصة، إذا ما طبقت بشكل ثابت ومتماثل، فهي بالتأكيد تقدم ضمانا ضد التضخم وزيادة سخونة الاقتصاد بأكثر مما يجب وإذا هبطت التوقعات التضخمية دون الهدف المحدد سيكون لدى البنك المركزي الكثير من الوقت ليتصرف بقوة للعودة بتلك التوقعات كي تتماشى مع الهدف.

من الصعب في الوقت الراهن البرهنة على أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يواجه أي مخاطر في تحقيق معدل للتضخم يقل عن هدفه المعلن. لذلك إذا خفض معدل الفائدة هذا الأسبوع، فإنه بذلك يبعث برسالة مفادها أنه على استعداد للسماح بارتفاع توقعات التضخم. وحتى إذا بلغ الأمر به هذا الحد، فإن على الأوروبيين انتهاج درب مخالف. وإنني الآن أشد تفاؤلاً بأنهم سيفعلون ذلك، مقارنة بما كنت عليه سابقاً.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt