تدفقات العمالة الرخيصة مثار جدل في أوروبا

 

  بيتر فورد

 

بعد أن انتهى "رافال دامبييك"، الشاب البولندي ذو الاثنتين وعشرين سنة، من المناوبة الليلية بمحطة الوقود التي يعمل بها في دبلن، كان كل ما يفكر فيه الآن هو الذهاب للنوم. ويعد "دامبييك" هذا من رواد اليد العاملة المهاجرة التي يرى زعماء الاتحاد الأوروبي أنها ستكون مهمة وأساسية بالنسبة لدينامية أوروبا الاقتصادية وقوتها السياسية.

وبعد سنتين على انضمام ثماني دول فقيرة من الاتحاد السوفييتي البائد إلى الاتحاد الأوروبي، تعتبر إيرلندا وبريطانيا والسويد الدول الوحيدة في الاتحاد التي تسمح لمواطني الدول المنضمة حديثاً إلى الاتحاد بالعمل بحرية داخل حدودها. ومن المرتقب أن تواجه بقية دول الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين المقبل تحدياً يتمثل في ضرورة الحسم في موضوع منح أمثال "دامبييك" فرصاً شبيهة بتلك التي وجدها في إيرلندا، وجعْل كل عامل أوروبي شرعياً في البلدان الأوروبية. وإذا كانت بعض الحكومات قد تعهدت بذلك، فإن حكومات أخرى تتحاشى البت في الموضوع. وفي هذا السياق، أعلنت ألمانيا والنمسا –على خلفية مخاوف الناخبين من تدفق موجة كبيرة لليد العاملة الرخيصة القادمة من الشرق- أنهما تعتزمان الاحتفاظ بالقيود المفروضة على العمال المهاجرين لأطول مدة يُسمح لهما فيها بذلك.

غير أن "هوبرت كريجار"، المحلل بمؤسسة بحثية تابعة للاتحاد الأوروبي خارج دبلن، وصف القرار بغير الحكيم، معتبراً أن استقبال نحو 200000 عامل من أوروبا الشرقية على مدى العامين الماضيين إنما "عاد بالخير على سوق العمل في أيرلندا وعلى أدائها الاقتصادي العام"، مستنتجاً أن "كل رسائل التحذير التي أطلقت في البداية كانت مخطئة".

والواقع أنه لا أحد يعلم على وجه الدقة عدد مواطني الاتحاد الأوروبي الجدد الذين يعملون بإيرلندا، ذلك أنهم يأتون ويذهبون بكل حرية –إذ تتراوح أعدادهم ما بين 50000 و150000- غير أن قدومهم السريع والمتحمس من أجل الحصول على وظائف شكل صدمة بالنسبة للنظام الإيرلندي. وفي هذا الإطار، تقول "هيدي لاوغهيد"، المحللة باتحاد العمال الإيرلنديين: "لقد تم تجاوز كل الأرقام التي كان يمكن أن نتخيلها في البداية".

ومن جهة أخرى، يقول "ماكدارا دويل"، المتحدث باسم كونغرس الاتحادات "العمالية": "ستكون لهذا الأمر نتائج اقتصادية واجتماعية كبيرة ستظهر بوادرها قريباً". والحقيقة أن جل النتائج الاقتصادية يعتبر جيداً حتى اليوم، حيث سد المهاجرون الأوروبيون الشرقيون الفجوات في سوق العمل، مما دعم الطفرة التي تشهدها إيرلندا التي سجلت أعلى معدلات النمو في أوروبا، وزادت بالتالي ضرائب الحكومة وعائدات الأمن الاجتماعي.

والملفت أن الإحصائيات الموجودة حتى الآن تفيد أن اليد العاملة المهاجرة الرخيصة، والتي تقبل عموماً بالعمل مقابل 7.65 "يورو" أو أقل في الساعة كحد أدنى، لم تتسبب في فقدان أعداد كبيرة من العمال الإيرلنديين لوظائفهم. بل إن دراسة من إعداد مصرف "إي آي بي بنك" وجدت أنه "في وقت تشهد فيه البلاد تدفقاً غير مسبوق للعمال الأجانب، ارتفعت مشاركة العمال الإيرلنديين".

ومع ذلك لا تخفي النقابات قلقها من ألا تكون الصورة وردية كما قد تبعث الأرقام على الاعتقاد. وكمثال على ذلك النزاع الذي قام نهاية العام الماضي عندما هددت إحدى شركات الملاحة بطرد جميع بحارتها الإيرلنديين واستبدالهم بعمال من لاتفيا مستعدين للعمل مقابل أجور أقل عدة مرات مقارنة بأجور البحارة الإيرلنديين، وهو ما يشكل "مؤشراً"،على حد تعبير "دويل"، على ما تخبئه الأيام للعمال الإيرلنديين في أماكن أخرى. وفي مسعى لحماية العمال من سيناريوهات مماثلة، تدرس النقابات والمشغلون في إيرلندا تشكيل محكمة خاصة للنظر في قضايا الطرد، وتقرير ما إن كان محتماً أو يمثل تمهيداً فقط لتوظيف الأجانب مقابل أجور متدنية.

إلى ذلك، تشتكي النقابات من كون التدفق غير المحدود لليد العاملة الرخيصة قد تسبب في انخفاض الأجور بإيرلندا، وذلك لأول مرة منذ عشرين سنة. ورغم أن علماء الاقتصاد المستقلين يلقون بظلال من الشك على تقديرات النقابات، إلا أنه من الواضح، يقول "كريجار"، أن "لعرض اليد العاملة تأثيراً على الأجور، وذلك يعني أن الأجور لن ترتفع إلى المستوى الذي كان يفترض أن تصل إليه".

ومما يذكر هنا أن "جيوفاني كافولا" مثلاً، وهو صاحب سلسلة مطاعم راقية تسمى "تراستيفير" في دبلن، يدفع لعماله أكثر من الحد الأدنى للأجور، غير أن العديد من الأوروبيين الشرقيين لا يعامَلون على نحو جيد كما هو الحال مع عمال "كافولا". إذ تقول "ديلفين أوكيفي"، من "مركز حقوق المهاجرين"، إن ما يميز جل القضايا التي تصل إلينا هو "الاستغلال بمكان العمل". والواقع أن عدداً من الفضائح لفتت الانتباه إلى حالات العمال المهاجرين الذين يتلقون أجوراً أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور، أو يرغمون على العمل لساعات طوال في ظروف صعبة. أما "هيدي لاوغهيد"، فترى أنه طالما استمرت طفرة إيرلندا الاقتصادية، فإن الاقتصاد "سيواصل استقبال هؤلاء العمال"، مضيفة أن الحكومة تتوقع أن البلاد ستحتاج إلى استيراد 50000 عامل أجنبي سنوياً خلال العقد المقبل.

*مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في دبلن- أيرلندا

وكل ذلك بحسب رأي الماتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتخاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-29-4-2006