توقع نفحة من التضخم المصاحب للركود على غرار السبعينيات

 

 

 

وضع أبرد ولكن الضغوط تتزايد

وسط جلبة اللجوء إلى تخفيض أسعار الفائدة لمواجهة آثار الأزمة الائتمانية، تترك الأسعار المتصاعدة للأغذية والطاقة صانعي السياسات أمام معضلة غير مرحب بها. مستوى التضخم مرتفع بصورة غير مريحة في كل زاوية من العالم تقريباً، مما يتسبب في صداع هائل لصانعي السياسات وهم يصارعون التهديد الذي يتعرض له النمو نتيجة لاضطراب أسواق الائتمان.

سوف تختفي المخاوف إزاء التضخم بسرعة خاطفة إذا ما غرقت الولايات المتحدة في حالة عميقة من الركود، كما يخشاه المستثمرون بصورة متزايدة. ولكن المشكلة حقيقية بالفعل بالنسبة للوقت الراهن. ارتفعت أسعار المستهلك خلال شهر تشرين الأول (أكتوبر) بمعدل سنوي بلغ 3.5 في المائة في الولايات المتحدة، وبمعدل 2.1 في المائة في المملكة المتحدة، وبمعدل 2.6 في المائة في منطقة اليورو التي شهد المعدل فيها قفزة إلى 3 في المائة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر). ويضاف إلى ذلك التضخم الألماني الذي يشهد أعلى معدل له خلال عقد كامل.ترتفع الأسعار كذلك بنسبة 6.5 في المائة سنوياً في الصين، في ظل ارتفاعات سريعة في الأسواق الناشئة الأخرى كذلك ويشار بأصابع الاتهام الجرمي في كل مكان إلى ارتفاع أسعار الأغذية، وزيادة تكاليف الطاقة التي يعززها ارتفاع شديد في الطلب من قبل الدول النامية سريعة النمو.

تمر الصين والهند، وغيرهما من الدول الناشئة بمرحلة تنموية ترتفع خلالها شهيتها للموارد من نفط ومعادن لتغذية التصنيع والتحضر، وتوفير اللحوم والحليب للأنظمة الغذائية المتغيرة. تتسارع هذه الأمور بوتائر عالية للغاية ومن المنتظر أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 10 في المائة هذا العام، مقابل 8 في المائة للهند، على الرغم من الأزمة الائتمانية.

استمر الارتفاع الشديد لأسعار الطاقة منذ عدة سنوات، ولكن إقلاع أسعار الأغذية أحدث، حيث تسارع خلال العام الماضي في ظل ارتفاع لأسعار الحليب واللحوم في أوروبا، وزيادة كبرى في سعر لحوم الأبقار في الولايات المتحدة، وأسعار لحم الخنزير المحلقة عالياً في الصين. ويعتقد كثير من الاقتصاديين أن الظاهرتين تتفاعلان معاً في الوقت الراهن بينما تشجع أسعار النفط المرتفعة، المزارعين، على تخصيص مزيد من المساحات لزراعة محاصيل الوقود الأحيائي، مما يقلل من المساحات المتاحة لإنتاج الأغذية. يدور نقاش مكثف في الوقت الراهن في البنوك المركزية عبر العالم حول ما إذا كانت الارتفاعات الأخيرة في أسعار الأغذية والطاقة سوف تستمر، وما الذي يجب عليها أن تفعله إزاء هذا الأمر.

يقول كين روجوف، الأستاذ في جامعة هارفارد، وكبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي: "إننا نشهد تغيراً هيكلياً في العلاقات التاريخية لأسعار السلع. ومن الممكن أن يتضمن ذلك تغيراً هيكلياً بين التضخم الرئيسي وأسعار المستهلك المركزية." ويتضمن التضخم الرئيسي، الأغذية والطاقة، بينما لا يدخلان ضمن قياسات أسعار المستهلك المركزية.

إذا كان الأستاذ روجوف على حق، فإنه لم يعد بإمكان البنوك المركزية أن تفترض أن ارتفاعات أسعار الأغذية والطاقة قصيرة الأجل، وأن التضخم الشامل سوف ينتقل إلى معدل أسعار المستهلك المركزية. ويمكن أن تضطر هذه البنوك، بدلاً من ذلك، إلى أن تعتبر أن الأسعار المرتفعة للأغذية والطاقة سوف تظل كذلك لعدة سنوات ويمكن أن يعني ذلك أنه إذا أرادت السلطات المعنية تحقيق معدل ما من التضخم الشامل، فإن عليها أن تظهر تحملاً أقل للارتفاعات في أسعار البنود الأخرى.

يعتقد "الاحتياطي الفيدرالي" (البنك المركزي الأمريكي) أن تضخم أسعار الأغذية والطاقة سوف يتباطأ خلال العامين المقبلين إلى مستوى لا يزيد على مستوى التضخم العادي. وهذا هو سبب استمرار مسؤولي هذا البنك في الحديث عن التضخم المركزي كممثل للمعدل القائم لتزايد الأسعار، ولا يعتقدون أنه سوف يكون من الضروري الإبقاء على التضخم الخاص بالبنود الأخرى عند مستوى أقل بكثير من الهدف المستهدف ومع ذلك، فإنه لا يزال يدور نقاش نشط داخل البنك بخصوص هذا الموضوع. وحذر ريتشارد فيشر، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس في ولاية تكساس الأمريكية، في خطاب حديث له من: "أن الأسعار المتزايدة للأغذية والطاقة يمكن أن ترسل إشارات نحو ضغوط تضخمية هيكلية طويلة الأجل ويشاركه في وجهة النظر هذه كثيرون من مسؤولي البنوك المركزية الأخرى الذين يعتقدون أن من المحتمل استمرار ارتفاع أسعار الأغذية والطاقة بمعدل أسرع من ارتفاع أسعار المواد الأخرى لعدة سنوات مقبلة وتؤكد معظم البنوك المركزية خارج الولايات المتحدة، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي، على ضرورة احتساب معدل التضخم الرئيسي الذي يضم أسعار الأغذية والطاقة. وهم أكثر تشككاً في الفكرة القائلة إن قياسات التضخم المركزي المعتدلة تعطي مؤشراً جيداً على الاتجاهات التضخمية المستقبلية إذا كانت وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إزاء العالم صحيحة، فإن هذه البنوك ربما تتخذ موقفاً متشائماً للغاية حول اتجاهات الأسعار في المستقبل، كما أنها تضع سياسات مبالغة في التشدد. ولكن إذا كانت وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي خاطئة، فإن من المحتمل أنه ينتهج سياسات مبالغة في التساهل.

بغض النظر عن الخلافات بينهم، فإن مسؤولي البنوك المركزية يخشون من أنه كلما طال دفع ارتفاع أسعار الأغذية والطاقة لمعدلات التضخم نحو الأعلى، زادت فرص انتقال توقعات التضخم الأعلى إلى القرارات اليومية التي يتخذها الأفراد والشركات، مما يعمل على رفع المعدل العام لأسعار جميع البضائع والخدمات.

يقول جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك جولدمان ساتشس: "اكتسبت البنوك المركزية الكثير من الاحترام والمصداقية، ولكنها بحاجة إلى أن تحافظ على ذلك، ويمكن في الإطار الشامل للأمور أن يكون هذا العقد مشابهاً لعقد السبعينيات".ترتفع درجة خطورة مرور زيادات أسعار الأغذية والوقود إلى الديناميكيات العامة للأسعار، بسبب سجل البنوك المركزية العالمية الأقل من المعتاد في القدرة على الإبقاء على التضخم تحت سيطرة مشددة خلال الماضي القريب.

زاد معدل تضخم أسعار المستهلك في كثير من الاقتصادات العالمية المهمة خلال عام 2006 على المعدل المستهدف أو الضمني لذلك التضخم، بما في ذلك في الولايات المتحدة (3.3 في المائة)، منطقة اليورو (2.2 في المائة والمملكة المتحدة (2.3) في المائة، وكذلك هي الحال في كثير من الاقتصادات الناشئة، كالهند. وتظل اليابان وحدها التي تلتصق بحافة التضخم المعتدل لأسباب معظمها محلية، بعيدة بالفعل على مخاوف ارتفاع الأسعار.يبدي مسؤولو البنوك المركزية قلقهم من أن ارتفاع معدلات استخدام المصانع، وتدني البطالة حول العالم بعد سنوات من النمو السريع، يزيد من احتمالات أن يغذي المزيد من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، موجة أوسع من ضغوط الأجور والأسعار.

يقول دافيد هنسلي، الاقتصادي في بنك جي بي مورجان، إن أرقام استغلال الطاقات عالمياً هي إما: "في أعلى مستوياتها خلال أكثر من عقد". أو أنها قريبة من ذلك، بينما تقترب أسعار الفائدة العالمية من معدلاتها التاريخية حسب القيمة الحقيقية. وبكلام آخر، فإن حين كان استغلال الإنتاجية بتلك الشدة في الماضي، فإن البنوك المركزية شعرت بالحاجة إلى اتخاذ أقصى ما يمكنها من التشدد في سياساتها النقدية للحيلولة دون خروج التضخم عن نطاق السيطرة.تستند السياسة النقدية على ما يحتمل أن يحدث للاقتصاد في المستقبل، بدلاً مما يحدث له في الوقت الراهن، ولذلك فإن السؤال الرئيسي هو: ما مدى الأثر الذي سوف تتركه الأزمة الائتمانية في النمو العالمي في جميع المجالات الاقتصادية المنفردة؟

إذا تباطأ النمو بصورة حادة للغاية في أي من الاقتصادات الرئيسية، أو في كلها، فإن البطالة سوف ترتفع، كما أن استغلال الطاقات سوف يتراجع، مما يقلل من احتمالات استمرار ارتفاع التضخم، أو تحركه نحو الأعلى. ويبدو التحدي أمام صانعي السياسات مختلفاً في هذا المفترق بين الدول الصناعية والأسواق الناشئة.على الأسواق الناشئة التي نجت بصورة ملحوظة من الآثار الأولية للأزمة الائتمانية، أن تقلق، بصورة رئيسية من التضخم. ومن المحتمل أن يتغير ذلك إذا عانت الولايات المتحدة، وغيرها من الأسواق المتطورة من تباطؤ حاد للغاية. غير أن ستيفين كنج، كبير الاقتصاديين في بنك HSBC يقول فيما يتعلق بالوقت الراهن: "إن الناس في العالم الناشئ قلقون بصورة شاملة من التضخم، سرعة الحركة وعرض النقود الزائد إن أكبر مشكلة تواجه هذه الاقتصادات هي أن سياساتها النقدية، وسياسات سعر صرف عملاتها، تجعل من الصعب عليها إدارة مخاطر التضخم. أما بالنسبة للاقتصادات الصناعية للولايات المتحدة أو أوروبا المعرضة للآثار المباشرة للأزمة الائتمانية، فإن التهديد أشد تعقيداً. وعلى صانعي السياسات أن يقدروا الدرجة التي يستطيعون معها المخاطرة بتخفيف أسعار الفائدة للتعويض عن أثر الأزمة الائتمانية على النمو، حين يكون التضخم لا يزال مرتفعاً. وهذا حكم صعب بالضرورة، لأنه ما من أحد يعرف مدى ضخامة الأثر الذي سيكون لهذه الأزمة الائتمانية على النمو.

تتزايد مخاوف المستثمرين من حدوث ركود في الولايات المتحدة. ومن المحتمل عموماً أن يؤدي ذلك إلى تراجع مخاوف التضخم الأمريكية. ولكن سيناريو حالة الأساس لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يقوم على قاعدة أن النمو سوف يتعافى العام المقبل، بينما ترتفع البطالة قليلاً، مما يؤدي إلى تراجع بسيط في الاقتصاد.هنالك الكثير من عدم اليقين حول مخاوف أثر تراجع الإقراض في المملكة المتحدة، ومنطقة اليورو كذلك ولذلك فإن صانعي السياسات ليس لديهم شعور جيد حول مقدار الطاقة الاحتياطية الذي سوف ينطلق. وسوف تكون الحياة أسهل بكثير بالنسبة إليهم لو لم يكونوا قلقين من الأسعار المرتفعة للأغذية والطاقة. ولكنهم قلقون بالفعل من ذلك.

يقول أحد الاقتصاديين المعتبرين: "إنه انتقام الأسواق الناشئة التي تنطلق باندفاع شديد مبقية على ارتفاع أسعار النفط ومن شأن ذلك الإبقاء على الضغوط التضخمية، وزيادة صعوبة لجوء الاحتياطي الفدرالي إلى تخفيض أسعار الفائدة".

تزداد مخاطر نتائج عكسية عالمياً بسبب ضعف الدولار، والسلاسل النقدية التي تربط معظم الأسواق الناشئة بالولايات المتحدة من خلال ارتباط عملاتها بالدولار. وتراجعت قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى المعومة بحرية منذ بداية الأزمة الائتمانية، مما زاد في ارتفاع أسعار النفط، والسلع الأخرى المقومة بالدولار، ولكن المشتراة من قبل المستثمرين في كل أنحاء العالم.

يخشى بنك الاتحاد الفيدرالي الأمريكي من أنه إذا خفض أسعار الفائدة بشدة، فإن من شأن ذلك حدوث المزيد من إضعاف الدولار، مما يرفع أسعار النفط، ويزيد بذلك ارتفاع معدل التضخم الأمريكي. وتدخلت معظم الأسواق الناشئة أثناء ذلك لضمان تراجع قيم عملاتها بما يتماشى تقريباً مع معدل تراجع قيمة الدولار، مما يضيف حافزاً جديداً لنمو متسارع بالفعل، ومما يزيد من خطورة تسخين حركة الاقتصاد وتستورد هذه الاقتصادات السياسات النقدية الأمريكية، بحيث لا تتبقى لها سوى قدرة محدودة على تعديل ذلك، نظراً لارتباط عملاتها بالدولار.

يقول فنسنت راينهارات، زميل البحث في المعهد الأمريكي لإنشاء المشاريع، وكبير اقتصاديي الشؤون النقدية السابق في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي: "السياسات الأمريكية معدة للظروف المحلية. وأما مخاطر التضخم، على الصعيد العالمي، فهي أنه سوف تكون هنالك اقتصادات كثيرة سوف تتبنى سياسات متساهلة غير ملائمة، لأنها اتخذت قراراً بالإبقاء على استقرار سعر صرف عملاتها مقابل الدولار" إن المفاجأة هي أنه لم يحدث المزيد من التضخم في الأسواق الناشئة. ومع ذلك، فإن روجوف يحذر من أنه ما لم يشدد صانعو السياسات في الأسواق الناشئة سياساتهم النقدية الآن، فإنه يمكن أن يغدو من المتأخر للغاية تجنب حودث تضخم عام بعد عام أو اثنين. ويمكن أن يتطلب ذلك وقف بعض الأسواق الناشئة لربط عملاتها بالدولار.نجد في الوقت ذاته أن تحويل السياسة النقدية المالية المخففة إلى الأسواق الناشئة سريعة النمو يعمل على تعزيز شحن الطلب على الأغذية والطاقة، مما يعزز قصة النمو القوي، ويبقي على سخونة أسعار هذين البندين عالمياً.إن الهبوط الحاد للدولار الأمريكي مقابل اليورو، الاسترليني والدولار الكندي له أثر عكسي حيث يقلل من مخاطر التضخم في هذه الاقتصادات، ولكن على حساب نشر ضعف اقتصادي إضافي.

هنالك أمر هائل يقف في مواجهة مخاطر التضخم العالمي: الاستقرار الظاهر في توقعات التضخم عالمياً، على الرغم من معدلات التضخم الفعلية التي فاقت التوقعات خلال السنوات الأخيرة. ويتلقى المستثمرون والعمال ذلك بصورة خاطئة في الأجل القصير، كما فعلوا حين انطلق التضخم في السبعينيات. ولكن ارتفاع التضخم المستدام لا يمكن أن يتم في الأجل الطويل، دون رفع توقعات التضخم.إن لتوقعات التضخم المستقرة نسبياً في أيامنا هذه أهمية كبرى. ونظراً لعدم توقع الناس لتضخم مرتفع في المستقبل، فإن عليهم أن يدخلوا ذلك في مفاوضات الأجور والأسعار، مما يقلل بشدة من مخاطر ارتفاع مستدام في معدل التضخم.

لا تتوافر توقعات التضخم التي يمكن الركون إليها، إلاّ في العالم الصناعي. وتحركت التوقعات طويلة الأجل، كما هي متضمنة في الأسعار السائدة في أسواق السندات في الولايات المتحدة، إلى الأعلى بدرجة ضيقة، بعد تخفيض سعر الفائدة في الولايات المتحدة بنصف نقطة مئوية في أيلول (سبتمبر)، مما يذكرنا بأنه لا يمكن أخذ التوقعات المستقرة كأمر مسلّم به.مع ذلك، فإن توقعات التضخم في الأجل الطويل في الولايات المتحدة، منطقة اليورو، المملكة المتحدة واليابان تبدو مستقرة تماماً، على الرغم من ارتفاع أسعار الأغذية والطاقة. وإن زيادة الأجور معتدلة في كل مكان، على الرغم من قلة العرض في أسواق العمل. وترتفع توقعات التضخم في بعض الأحيان، كما حدث في المملكة المتحدة هذا العام، ولكنها سرعان ما تتراجع لتستقر.

يقول أونيل من بنك جولدمان ساتشس إن بعض الفضل يجب أن يعزى للبنوك المركزية حيث إن: "مخاوفها إزاء التضخم تعتبر سبباً جزئياً لعدم وجود أي منه".من الأمور الأصعب للغاية قياس توقعات التضخم في الأسواق الناشئة. ومع ذلك، فإن هنالك دليلاً بسيطاً على وجود موجات ارتفاع لولبي للأجور والأسعار في العالم النامي. يقول سايمون جونسون، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي: "لا نعتقد أنه كانت هنالك حركة كبيرة باتجاه الارتفاع في التضخم المتوقع عالمياً".

الأمر الذي تبرز أهميته هو أن الأغذية تشكل نسبة أعلى من إجمالي الإنفاق في الدول الأشد فقراً مقارنة بالدول الغنية، مما يجعل من الأصعب على العمال استيعاب زيادات الأسعار دون المطالبة بأجور أعلى لتعويض ذلك. ويظل معدل التضخم المركزي الذي لا يضم أسعار الأغذية والطاقة، معتدلاً في معظم أنحاء العالم، كما أنه منخفض بصورة تبعث على الدهشة في بعض أسرع الاقتصادات نمواً، بما في ذلك الاقتصاد السعودي، وحتى في الصين، حيث بلغ التضخم المركزي 1.1 في المائة فقط في تشرين الأول (أكتوبر).

إذا ظلت توقعات التضخم ضمن نطاق المعدلات المعتدلة، وتوقف ارتفاع أسعار الأغذية والطاقة فوق المعدلات المتوسطة، فإن التضخم الشامل يمكن أن يتراجع بسرعة ملحوظة في عدد من الأماكن. والحقيقة هي أن النقاش الكبير داخل البنوك المركزية في أيامنا هذه، على الرغم من ارتباطه بالجدل حول التضخم الرئيسي مقابل التضخم المركزي، يدور حول درجة قدرتنا على استغلال الاستقرار الظاهري في توقعات التضخم لتخفيض أسعار الفائدة بشدة، على الأقل لفترة محددة، كرد فعل على أية تهديدات للنمو.في الأجل القصير، على الأقل، تبدو الصورة قبيحة أمام الاقتصادات الصناعية الرئيسية. ومن المتوقع أن تشهد الولايات المتحدة وأوروبا مزيجاً من النمو المتباطئ، واستمرار ارتفاع التضخم، وهو الأمر الشبيه بنفحة "التضخم المصاحب للركود" التي ظهرت في أجواء السبعينيات.

يمكن أن يبلغ معدل تضخم أسعار المستهلك في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، 4 في المائة، في ظل معدل نمو اقتصادي يبلغ 1 في المائة خلال ربع العام الحالي، ولا سيما إذا استمر ارتفاع أسعار النفط. وإذا ما أفلتت توقعات التضخم من قبضة السيطرة في مثل هذه البيئة، فإن العواقب يمكن أن تكون خطيرة ومع ذلك، فإنه في ظل استمرار الأسباب المقنعة للتوقعات التضخمية، فإن الصورة يمكن أن تكون مختلفة بعض الشيء خلال أفق زمني يمتد بين عام وعامين. ويمكن أن يشهد العالم نمواً متدنياً، أو تضخماً مرتفعاً، ولكن لا يتوقع أن يشهد تضخماً مستداماً في ظل الركود في أي اقتصاد كبير يمكن لذلك أن يحدث إذا أصبح الاقتصاد الأمريكي، وغيره من الاقتصادات الصناعية، من الضعف بحيث لا يستطيع الارتداد، ولكن ليس من الضعف بما يكفي لتهدئة الأسواق الناشئة المزدهرة، وأسعار السلع. ولكن ذلك توازن غير مستقر يتوقع ألا يكون مستداماً لفترة طويلة في العام المقبل.

إن أحد المشاهد يرى أن الولايات المتحدة وأوروبا سوف تضعفان بحدة، في الوقت الذي لا تستطيع فيه اليابان أن تنطلق بقوة، مما يمكن أن يؤدي إلى بداية تباطؤ الاقتصادات الناشئة، مخرجة لذلك البخار من محركات أسعار السلع. وربما يكون التراجع الأخير في أسعار النفط إشارة إلى أن الميزان يتجه إلى هذا الاتجاه عالمياً أما البديل لذلك، فهو احتمال ارتداد الاقتصادات الصناعية الرئيسية إلى الأمام اعتباراً من الربع الثاني من العام المقبل، وأن تمضي في ذلك بمساعدة من تخفيض أسعار الفائدة. وسوف يكون على مسؤولي المصارف المركزية في العالم، في هذه الحالة، أن يعيدوا التركيز بسرعة كبيرة على ضغوط الأسعار.يقول أحد كبار صانعي السياسة في الولايات المتحدة: "يجب أن نعرف قريباً ما إذا كان علينا أن نقلق بسبب النمو، أو بسبب التضخم".

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt