تداعيات الدولار الضعيف

 

 

جون جابر

 

يجب على أمريكا أن تتعايش مع كونها مكاناً للأسعار الرخيصة

نحن الآن في موسم العطلات في مدينة نيويورك. انتهى عيد الشكر، وأنشئت الزينات في الشارع الخامس وأضيئت شجرة عيد الميلاد في روكفلر بلازا، وهي تنار هذا العام بصمامات ثنائية مصدرة للضوء واقتصادية في الكهرباء، وليس بالمصابيح التقليدية. وكل ما بقي على أهل نيويورك أن يفعلوه هو إنفاق الأموال لكن حين يتسوق المرء هذا العام في نيويورك فإنه سيسمع تنوعاً غنياً من اللهجات الأوروبية فقبل أيام كنت في متجر "بلومنجديل" وسمعت امرأتين فرنسيتين وهما تتجادلان حول نوعية مناشف تحمل العلامة التجارية لشركة رالف لورين. وحين كنت أعبر شارع الأمريكيتين (الشارع السادس) هذا الأسبوع، سمعت عائلة بريطانية وهي تشتكي من نوعية البيض الذي تناولوه ضمن وجبة الفطور.

في عام 1976 أطلقت فرقة جينيسيس ألبوماً بعنوان "بيع إنجلترا بالجنيه". في ذلك الحين كنا نمر بصدمة النفط، وكان الألبوم ينظر بحنين إلى ثروة كبيرة من الثقافات الفرعية الإنجليزية وعلى سبيل المصادفة سيعاد عرض رحلة جينيسيس التي تحمل الاسم نفسه في كانون الأول (ديسمبر) في نيويورك على يد الفرقة الكندية "ذي ميوزيكال بوكس"، والتي ستقدم عرضاً لتكريم الفرقة الأصلية من الوسائل المتعددة في ترايبكا في مانهاتن.

هذه الأيام، حيث يقترب سعر النفط من مائة دولار للبرميل ويفيض الشرق الأوسط من جديد بالبترودولارات في الوقت الذي تشعر فيه الولايات المتحدة بالانزعاج من إمكانية حدوث كساد اقتصادي في العام المقبل، فإن أمريكا تباع الآن بالدولار إن السبب وراء حمى التسوق هو الدولار الضعيف، الذي يقترب سعر صرفه الآن من 1.50 يورو، وأكثر من دولارين لكل جنيه استرليني. وأصبح من الأرخص بالنسبة للأوروبيين الذهاب في رحلة بالطائرة إلى نيويورك للتسوق لعطلة عيد الميلاد بدلاً من التسوق في بلادهم.

إن اندفاع الاستهلاك الأوروبي في الولايات المتحدة لا يقتصر على هدايا عيد الميلاد. ذلك أن سوق الإسكان في نيويورك ظلت حتى فترة قريبة عصية على التشاؤم الذي انتشر في الولايات الأخرى وواصلت صعودها. ولكن ضعف الدولار يجعل شقق نيويورك تبدو أرخص في أعين الأجانب. وإن بعض شركات تطوير المساكن الجماعية تعتمد بصورة متزايدة على الأجانب للمحافظة على الطلب.

الأثر الذي يحدثه ذلك مهين إلى حد ما. فالأمريكي القبيح الذي رأيناه في الرواية الصادرة عام 1958 والتي تحمل الاسم نفسه، هذا الأمريكي الذي كان يتجول في أنحاء العالم على نحو متغطرس وبيده دولار قوي ومجموعة من المعتقدات لا يأتيها الباطل من ين يديها ولا من خلفها، ابتعد ليأخذ مكانه الفرنسي صعب الإرضاء والبريطاني الغاضب ولكن معظم أهل نيويورك يرون منافع إبقاء الأجانب لمدينتهم في حالة حركة دائبة.

يشعر الأمريكيون الآن بقدر أقل من الثقة حول ما يجري للشركات الأمريكية، التي يتخاطفها المستثمرون من الخارج مثل تخاطفهم السلع الفاخرة من متجر "ساكس فيفث أفنيو" أو "بيرجدورف جودمان".

الأسبوع الماضي، عقد الذراع الاستثماري لحكومة أبو ظبي صفقة لشراء 4.9 بالمائة من أسهم بنك سيتي جروب، وهو أحد البنوك الأمريكية التي تضررت كثيراً بسبب الأزمة الائتمانية في سوق القروض السكنية لضعيفي الملاءة واستحوذ صندوق آخر من أبو ظبي على 8 بالمائة من شركة إيه. إم. دي، الشركة الأمريكية التي تصنع رقائق الكمبيوتر.

منذ فترة وإمارة دبي، وهي إمارة أخرى من الإمارات العربية المتحدة، تتحسس الموجودات الأمريكية، واشترت 9.9 في المائة من أسهم صندوق التحوط "أوتش زيف". وهناك آخرون يبحثون كذلك في الولايات المتحدة. هذا الأسبوع تقدمت شركة الاتصالات الكورية الجنوبية بعرض مشترك مع صندوق "بروفيدانس إكويتي"، وهي شركة للأسهم الخاصة، لشراء حصة مقدارها خمسة مليارات دولار في شركة سبرينت، التي تعمل في تشغيل الهاتف الجوال.

كل هذا النشاط أعاد ذكريات الفترة التي مرت في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات حين اشترى المستثمرون اليابانيون أكثر الموجودات الأمريكية جاذبية في ذلك الحين، بما في ذلك ملعب الجولف في بيبل بيتش في ولاية كاليفورنيا وتزامن هذا مع الاستبطان الأمريكي حول ما إذا كان يتم التفوق على الولايات المتحدة كقوة تصنيعية من قبل اليابان وبلدان آسيوية أخرى.

هذه الأيام يعد الاختلال في التوازن مالياً أكثر منه صناعياً. فالولايات المتحدة منذ فترة وهي تعاني عجزاً كبيراً في الميزان التجاري مع بقية العالم، حيث تستورد البضائع المصنعة من آسيا والطاقة من الشرق الأوسط. وعمل هذا على خلق وفرة مدخرات في آسيا وعزز من صناديق الثروات الحكومية التي أنشأتها دول مثل أبو ظبي.

هذه الأموال تتدفق الآن من جديد على شكل رأسمال استثماري في الماضي وضعت الحكومات العربية معظم البترودولارات التي حصلت عليها في سندات الخزينة، ولكنها الآن تستثمر الأموال أيضاً في الأسهم. وهو فعل طبيعي في إعادة التوازن المالي ولكنه يثير قلق وحنق بعض السياسيين والمعلقين.

الأسبوع الماضي نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" في صفحة الافتتاحيات مقالاً حذرت فيه من أن "المصالح العربية سيكون لها الآن سطوة تفوق ما هو مقبول على أكبر بنك أمريكي"، على اعتبار أن الأمير السعودي الوليد بن طلال يمتلك في الأصل 3.9 بالمائة من أسهم البنك.

حتى الآن عملت آخر جولة من شراء الحصص من قبل صناديق الاستثمار العربية على إثارة قدر أقل من الغضب في واشنطن مما حدث وقت استحواذ شركة موانئ دبي العالمية في السنة الماضية على شركة بي آند أو لتشغيل الموانئ، والذي دفع بالشركة الإماراتية إلى التخلص مصالحها في الموانئ الأمريكية ونتيجة لذلك شُددت الرقابة السياسية على عمليات الاستحواذ الأجنبية للشركات الأمريكية لكن ما الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تتوقعه إذا كانت تعيش فوق إمكاناتها على النحو الذي شهدناه في السنوات الأخيرة؟ لقد عملت أنماط الاستهلاك الأمريكية واستخدامها للطاقة على تحويل البلدان الأخرى إلى أن تكون حصالتها كالأطفال وكان من شأن الأزمة الائتمانية أن تركت المؤسسات المالية الأمريكية في حالة ضعف في رأس المال وفي حاجة إلى حقوق الملكية الذي تستطيع الصناديق العربية توفيره لها.

لو أن المستهلكين الأمريكيين ادخروا مبالغ أكبر من المال، أنفقوا مبالغ أقل وملأوا سياراتهم الرياضية بالبنزين على نحو أقل - لو لم تشرع المؤسسات المالية الأمريكية في سكرتها الائتمانية الخاصة بها-، فربما لن يكون الأمريكيون الآن في وضع محرج من هذا القبيل ولكنهم تصرفوا على النحو الذي قاموا به، ويجب أن يتعايشوا مع الدولار الضعيف ربما ينبغي على أولئك الموجودين في واشنطن وغيرها من الأماكن أن يتبنوا الموقف الذي اتخذته نيويورك بالنسبة للأموال الأجنبية وربما تفضل المدينة أن يكون الدولار قوياً، ولكن اليورو، الجنيهات الاسترلينية والدراهم الإماراتية هي التي تدعم شركات التجزئة وأسعار العقارات وكذلك وول ستريت يجب على المرء أن يأخذ ما يريد حيثما يستطيع.