آفاق التعاون الدولي في مواجهة أزمة الطاقة

 

 

هوارد لافرانشي

 

يوماً بعد يوم, يشتد الارتباط بين الدبلوماسية العالمية والطاقة. وسواء تعلق الأمر بمشروع الاتفاق النووي الأميركي- الهندي, أم التوترات بشأن خط أنابيب الغاز الناقل من روسيا إلى أوروبا, أم بالمحادثات بين الرئيس بوش ونظيره الصيني "هو جنتاو", حول تزايد توطيد الأخير لعلاقاته بإيران الغنية بالنفط, فمما لاشك فيه أن قادة العالم قد شرعوا عملياً في تضمين حاجات بلادهم الملحة للطاقة, في استراتيجياتهم القومية. وكما هو ملاحظ, فقد تمحورت توترات قضية الطاقة العالمية بشكل رئيسي حول النفط, الذي بلغ سعر البرميل الواحد منه, أقصى حد له يوم الجمعة قبل الماضي, وهو 75 دولاراً. ولهذا السبب فقد حانت لحظة إنشاء منظمة جديدة موازية لأوبك OPEC "منظمة الدول المُصدرة للنفط"، هي OPIC التي يرمز اختصارها للدول المستوردة للنفط. والمطلوب من هذه المنظمة أن تكون أداة لحفز التعاون الدولي في شؤون الطاقة, بين الدول ذات الاقتصادات النامية المنتعشة, وشديدة التنافس مع بعضها بعضاً في مجال استهلاك الطاقة في ذات الوقت.

ربما تبدو هذه الفكرة سابقة لأوانها بشكل واضح, حيث لا يزال النقاش حول تعاون دولي بهذا الحجم والمستوى في شؤون الطاقة, قيد البدايات والمراحل الأولية. فقد بادر حلف شمال الأطلسي إلى عقد مؤتمر حول أمن الطاقة, بينما اقترح السيناتور الأميركي "ريتشارد لوغار"، من ولاية إنديانا, خلال الآونة الأخيرة، سن تشريعات تدعو إلى تعزيز الشراكة الدولية في مجال الطاقة. إلى ذلك يزداد الإجماع بين المحللين والخبراء على تزايد الحاجة لإيجاد وسائل جديدة لتحسين أمن الطاقة والتعاون الدوليين. وعلى حد قول "جال لوفت"، المدير المشارك لمعهد "تحليلات الأمن الدولي" بواشنطن, فإن أثر الطاقة على رسم السياسات الدولية, قد تجاوز اليوم تأثير أي قضية أو عامل آخر عليها, علاوة على كونها باتت تمثل الآن أساساً لسلوكيات كافة الدول تقريباً. وبانضمام المزيد من الدول مثل الصين والهند إلى نادي المجتمعات الأكثر استهلاكاً للطاقة, فقد أصبح لزاماً علينا تطوير المزيد من المؤسسات والوسائل التي تمكننا من توجيه المنحى التنافسي بين الدول, إلى منحى تعاوني.

وبدخول الصين العام الماضي إلى نادي الدول الأعلى استهلاكاً للطاقة, فقد تفوقت في ذلك على جارتها اليابان, التي كانت تحتل المرتبة الثانية مباشرة بعد الولايات المتحدة في استهلاك النفط. وفي هذا ما يشير إلى التحديات الناشئة من تزايد درجة التنافس بين الدول في مجال استهلاك الطاقة من جهة, في الوقت الذي تزداد فيه فرص التعاون الدولي في المجال نفسه من الجهة الأخرى.

وبسبب تزايد حاجتها للنفط, وحرصاً منها على سد تلك الحاجة, فقد مضت الصين في إبرام عدة اتفاقيات وصفقات مع دول مثل إيران وبورما والسودان وغيرها من البلدان المصدرة للذهب الأسود, مما لا ترتضيه ولا تستسيغه الولايات المتحدة. بل إن بين هذه الدول ما تعتبره الولايات المتحدة, مهدداً مباشراً للأمن العالمي, كما هو حال إيران.

ويزداد قلق المسؤولين في واشنطن من أن يطغى حرص الصين على تلبية حاجتها من النفط والوقود, على دعمها للجهود التي تبذلها الولايات المتحدة باتجاه فرض عقوبات دولية على طهران, بسبب مضيها في تطوير برامجها النووية, التي تشك واشنطن في أن تكون لها صلة بنوايا تطوير السلاح النووي. بيد أن الصين تبدي من جانبها أيضاً حرصاً على بناء علاقات تعاون اقتصادي مستقرة مع الولايات المتحدة, التي تعد شريكها التجاري الأكبر. ومن رأي بعض الخبراء أن في وسع واشنطن العزف على وتر تلك الرغبة الصينية, واستثمارها في مجال التعاون معها وغيرها من الدول الأخرى, بغية تعزيز علاقات التعاون في مجال الطاقة وأمنها.

هذا وقد تأكدت رغبة الصين في مستوى أكبر من التعاون الدولي الاقتصادي, وكذلك تطلعها إلى لعب دور أكبر في الإطارين الاقتصادي والأمني الدوليين, خلال زيارة رئيسها "هو جنتاو" الأخيرة إلى واشنطن, على حد قول مسؤولي البيت الأبيض. وإن كان ثمة إنجاز بعيد المدى لتلك القمة المشتركة التي عقدها الرئيسان بوش و"هو جنتاو", فهو يتمثل دون شك, في رؤية القادة الصينيين لبلادهم, على أنها شريك رئيسي في النظام الاقتصادي الدولي. ذلك هو ما قاله "دنيس ويلدر"، المدير الأول بالإنابة لقسم الشؤون الشرق آسيوية بمجلس الأمن القومي الأميركي. غير أن من المراقبين من لاحظ أن في مثل هذه التعميمات, ما يشير إلى عجز الولايات المتحدة عن انتزاع أي التزامات ملموسة ومحددة من الجانب الصيني, مثل تسريعها لخفض قيمة عملتها "اليوان", أو انتزاع موافقتها على فرض عقوبات دولية على طهران مثلاً.

ولكن أهم ما يلاحظه الخبراء والمراقبون, الخوف من أن تكون الإدارة الأميركية, العقبة الرئيسية أمام أي تعاون دولي في مجالي أمن الطاقة واستهلاكها. وتتلخص المشكلة كما يقولون, في صعوبة رضا الإدارة عن الهيكل الإداري الذي سيقترح للإشراف والرقابة على تعاون دولي كهذا. ولكن هناك من يرى أن بذرة هذا الهيكل الإداري تتوفر سلفاً في الوكالة الدولية للطاقة, وهي فرع من منظمة "التعاون والتنمية الاقتصادية" المختصة بتقديم الخدمات للدول المتقدمة. ومن رأي جيمس بارتيس –خبير شؤون الطاقة والأمن بمؤسسة "راند" في ولاية فرجينيا- أن الوكالة الدولية للطاقة, أو أي مؤسسة شبيهة بها, يمكنها أن تصلح مظلة للتعاون الدولي في مجال استهلاك الطاقة وأمنها.

*محرر الشؤون الخارجية بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-29-4-2006