أسعار النفط في دوامة المضاربات

 

 بول روبرتس

 

 

لسنوات طويلة، ظلت "أوبك" تؤكد أن أسعار النفط تتحدد وفقاً لعوامل خارجية، مثل انخفاض سعر الدولار، والمضاربة، وأن المنظمة ليست لها سيطرة على تلك العوامل ولسنوات طويلة أيضاً ظل المتشككون في نوايا "أوبك" يهونون من شأن هذه الحجة، ويقولون إن المنظمة تستخدمها للتغطية على رغبة أعضائها في ضخ المزيد من النفط، بيد أن ما حدث مؤخراً كان شيئاً مختلفاً عما اعتدنا حدوثه أو ألفنا سماعه.

ففي الوقت الراهن، أصبح الكثيرون- بما فيهم المتشككون في نوايا "أوبك"- أكثر استعداداً للاعتراف بقدرة قوى خارجية- ليس لها علاقة بـ"أوبك"- على التأثير على أسواق النفط، وإلحاق أضرار بالدول المستوردة له تفوق تلك التي كان بمقدور "أوبك" الإلحاق بها.

الدليل الواضح على ذلك هو تدهور سعر صرف الدولار، فنظراً لأن النفط يجري تقييمه بالدولار، وأن قيمة الدولار قد انخفضت بمقدار الثلث منذ 2002، فإن الأميركيين كانوا مضطرين إلى إنفاق المزيد من الأموال -20 دولار أو ربما أزيد من ذلك - مقابل الحصول على برميل واحد من النفط.

العامل الثاني بعد تذبذب أسعار العملة هو تأثير المضاربات فالمبلغ الإضافي الذي اضطر الأميركيون لدفعه يتضاءل عند مقارنته بتأثير المضاربين على رفع الأسعار. فعلى الرغم من أن أسعار معظم السلع، يمكن أن تتأثر ارتفاعاً وانخفاضاً بسبب المضاربات، فإن النفط على وجه الخصوص هو أكثر هذه السلع تعرضاً لذلك، وهو ما يرجع لحقيقة أن هذا النفط معرض لانقطاع إمداداته سواء كان ذلك بسبب الأعاصير، أو حروب الحدود.

النفط سلعة يتسم سوقها بقدر كبير من عدم الشفافية، ويضم عناصر عديدة منها: المصدرون، والمصافي، وشركات الشحن، والتوزيع. وأي من هؤلاء لا يعرف كميات النفط الموجودة في مكان معين، في وقت محدد، وهو ما يعني أن التقديرات المتعلقة بكميات المخزون الزائدة الموجودة في النظام، وبالتالي الكميات الاحتياطية التي يمكن الاستعانة بها من أجل تجنب حدوث انقطاعات لواردات النفط إلى السوق العالمية، تكون قابلة نتيجة لما سبق للتغير السريع. لذلك فإنه عندما تعلن وزارة الطاقة الأميركية، على سبيل المثال، عن انخفاض مفاجئ في مخزون النفط، وبالتالي في الكميات الاحتياطية، فإن سوق النفط يستجيب لذلك من خلال رفع الأسعار.

ومن المعروف أيضاً أن النفط بطبيعته سلعة سريعة التقلب، وهو ما يجعله شديد الجاذبية بالنسبة للتجار الذين يمكنهم أن يحققوا أرباحاً طائلة من خلال المضاربة على تذبذبات الأسعار التي يمكن أن تتغير كل يوم أو حتى كل ساعة. ونظراً لأن التجار يتطلعون دوماً لأي شيء يمكن أن يسوغ الزيادة في الأسعار أو المضاربة عليها، فإن أقل حادث مهما صغر مثل وقوع اضطرابات أو قلاقل في أحد البلدان المهمة في تصدير النفط كنيجيريا على سبيل المثال، أو أي تكهنات بحدوث زيادة في النشاط الاقتصادي في منطقة سيكون عاملاً مساعداً على ارتفاع الأسعار.

ويقول "فاضل غيث" الخبير النفطي بشركة "أوبنهايمر وشركاه" في نيويورك، إن سعر بيع برميل النفط عادة ما يعادل ثلاثة أضعاف سعر استخراجه من باطن الأرض، وإنه إذا ما أخذنا في الاعتبار أن سعر استخراج برميل النفط يتراوح ما بين 15 إلى 19 دولاراً للبرميل، فإن السعر المناسب يجب أن يتراوح ما بين 45 إلى 57 دولاراً للبرميل، وأشار "غيث" إلى أن مسؤولي "أوبك" ذاتها قد صرحوا بأن سعر 45 دولاراً يعد سعراً معقولاً. وإذا ما كان ذلك صحيحاً، فإنه يعني أننا ندفع زيادة إضافية نتيجة المضاربات تزيد عن 45 دولاراً تقريباً لكل برميل نقط أو دولار واحد مقابل كل جالون من البنزين.

وعندما يكون نصف سعر برميل النفط غير مبرر بأمور جوهرية مثل العرض والطلب، فإن معنى ذلك أن هذا السعر مرشح للانخفاض إن آجلاً أو عاجلاً. والسؤال هنا هو ما الذي يمكن عمله لتجنب دفع الزيادة في سعر النفط والناتجة عن المضاربات؟ يقول العديد من المحللين في واشنطن إن هناك بعض الوسائل الفعالة في هذا الشأن، منها تنظيم عملية المضاربة على أسعار النفط، أو الإفراج عن بعض الكميات من الاحتياطي الاستراتيجي منه بما يؤدي إلى إغراق الأسواق وبالتالي انخفاض السعر.

مع ذلك لا أنصح قائدي السيارات بأن يحبسوا أنفاسهم انتظاراً لإقدام واشنطن على اتخاذ إجراء ما في هذا الخصوص. وسبب هذه النصيحة هي أنه من المعروف أنه عندما يتعلق الأمر بالنفط، فإن مشرعي القوانين لدينا عادة ما يتبنون قناعة راسخة بأن السوق سيعالج نفسه بنفسه، وأنه عندما ترتفع أسعار النفط قليلاً، فإن الطلب عليه سينخفض، وكذلك الأسعار. في نفس الوقت يجب على أنصار نظرية حرية السوق في واشنطن، أن يضعوا في اعتبارهم أن الزيادة في أسعار النفط الناتجة عن المضاربة لا تتسبب فقط في إغضاب سائقي السيارات، ولكنها تعني أيضاً أن كل زيادة في أسعار النفط ستمثل علاوة ضخمة لمصدري النفط، الذين لا يعتقد أنهم جميعاً قادرون على إنفاق تلك الزيادة بشكل حكيم.

فإيران، على سبيل المثال، تكسب 5.5 مليار دولار إضافي شهرياً بسبب الزيادة الناتجة عن المضاربة على أسعار النفط، وهي زيادة يمكن لطهران استخدامها لتمويل أي عدد من المشروعات غير المشروعة، التي يمكن أن تعوضها عن أي عقوبات اقتصادية قد تفكر واشنطن في استخدامها ضد طهران. والمفارقة الكبرى في هذا السياق، هي أن أي تصريح من الرئيس بوش بفرض عقوبات على إيران يكفي في حد ذاته لرفع أسعار النفط، وبالتالي إرسال المزيد من الدولارات إلى خزائن طهران.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad