الولايات المتحدة والصين:من سيفوز السباق؟

 

 

مايكل آر بلومبرغ

 

 

لايزال النظام الأمريكي ينطوي على إيجابيات كامنة، ولكن لا يمكننا أن نتباطأ سباق نستطيع كلنا الفوز فيه

إن التحول الاقتصادي الذي شهدته الصين خلال العقدين الماضيين قصة ساحرة، لكنها لاتزال غير مفهومة بشكل صحيح. لقد لعب الكثير من السياسيين الأمريكيين على وتر مصادر القلق الاقتصادي عند الناخبين، وذلك بإلقائهم اللوم على الصين، وتلميحهم إلى أن الصينيين هم مصدر متاعبنا وأنهم يشكلون تهديدا لازدهارنا ورفاهنا. لكن استنادا إلى خبرتي التي تمتد إلى 35 عاما في القطاع الخاص،وإلى السنوات الست في إدارتي أكبر مدينة في أمتنا، أعتقد أن الصين لا تشكل تهديدا لأمريكا، بل فرصة لها» فرصة هائلة.

ينبغي علينا أن نقر بأن الصين والولايات المتحدة دولتان متنافستان، لكن من جهة أخرى ينبغي علينا أيضا أن نفهم أن السياسة الجغرافية والاقتصاد العالمي ليسا لعبتين يربح فيهما أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر. فمثلما يشكل اقتصاد أمريكي مزدهر فائدة للصين، يشكل اقتصاد صيني مزدهر فائدة لأمريكا هذا يعني أن لدينا مصلحة في التعاون لحل مشاكلنا المشتركة، بدلا من محاولة دفع الآخر إلى العمل من خلال ترهيبه أو تخويفه. وهذا يعني أيضا أن علينا استغلال الفرص ليتعلم أحدنا من الآخر.

لقد اجتمعت في أوائل ديسمبر في بكين وشنغهاي بقادة في قطاع الأعمال وفي الحياة السياسية. لم تكن تلك أول رحلة لي إلى هاتين المدينتين» فالشركة التي أسستها قبل 25 عاما شيدت مكاتب في 130 مدينة، من ضمنها بكين وشنغهاي وهونغ كونغ. وعلى مر السنوات شاهدت الصين تنمو وتتحول إلى آلة اقتصادية، لكني شاهدت أيضا نقاط الهشاشة التي تعزز وتدعم نظامها. على بُعد سبعة آلاف ميل، يسهل على الإنسان أن يعتقد أن الصين تنضح بالنجاحات. لكن الصورة على الأرض أشد تعقيدا بدرجات.

عندما حطت طائرتي في مطار بودونغ قرب شنغهاي خلال زيارتي الأخيرة، ركبت القطار السريع المنساب مغناطيسيا الذي يربط المطار بالمدينة هذا القطار الذي تبلغ سرعته القصوى 268 ميلا بالساعة، أسرع بأشواط من أي قطار يعمل في الولايات المتحدة. قطار المستقبل الفائق التطور هذا يرمز إلى كيفية عمل شنغهاي، بناطحات سحابها الشاهقة وأسواقها المالية المزدهرة، على منافسة نيويورك لنيل لقب مدينة المستقبل إلا أن أحد أبرز الأسباب التي جعلت الصين تصنع القطار المنساب مغناطيسيا - والسبب الذي يجعل بلدانا أخرى مثل اليابان تطور شبكة قطاراتها المنسابة مغناطيسيا - كان الإسهام في التخفيف من حدة زحمة السير الخانقة المتزايدة على طرقاتها، والتخفيف من حدة التلوث المتزايد لأجوائها.

عندما تكون في شنغهاي أو بكين، يستحيل عليك الإفلات من أي منهما، وكلاهما معا يهددان بخنق اقتصاد الصين وسكانها. إن توسع المدن الصينية يكشف أيضا أن أمام الصين تحديات اقتصادية جوهرية طويلة الأمد. على سبيل المثال، نظام التعليم في الصين لا يوفر، ببساطة، عددا كافيا من العمال ذوي المهارات - كالمهندسين والأطباء والعلماء والمديرين ــ يلبي حاجات اقتصادها وفي الوقت نفسه، ترتفع تكاليف الرعاية الصحية ارتفاعا هائلا، الأمر الذي يتسبب بقلق مالي متفاقم بين العائلات الصينية.

زحمة سير خانقة، تلوث، مصادر قلق لجهة التعليم، تكاليف رعاية صحية تسير نحو الارتفاع. إن كانت هذه الأمور تبدو مألوفة، فينبغي أن تبدو كذلك. ففي نيويورك وكل أنحاء أمريكا، نواجه مشاكل مماثلة في جميع تلك الميادين، لكن بسبب المبالغة في الحديث عن الصين، يسهل علينا أن ننسى أننا لانزال متقدمين عليهم بأشواط. نحن نتمتع أيضا بنظام حكومي أقل فسادا بدرجات وأكثر استقرارا بأشواط، وذلك بفضل سياستنا الديموقراطية، وحرية إعلامنا، وأسواقنا المنفتحة الشفافة.

إن التحدي الذي نواجهه لا يتمثل بمنعنا الصين من مجاراتها حالتنا اليوم، بل بمنع أنفسنا من التباطؤ. وهذا يعني تخطينا الجمود السياسي الذي حال دون إجرائنا استثمارات في بنية القرن الـ21 التحتية التي نحتاج إليها، وليس ذلك باكتفائنا بسكك حديدية لقطارات سريعة، بل بتشييد مرافئ أكبر، وإقامة المزيد من أنظمة الترانزيت الواسع النطاق، والمزيد من قدرات الطاقة النظيفة، وأنظمة أوسع للاتصال اللاسلكي العريض النطاق.

وهذا يعني أيضا تخطي الجمود الواسع النطاق في بذل الجهود لتحسين تكاليف الرعاية الصحية ونوعية التعليم. إننا نثبت، في نيويورك، أن رفع مستوى المعايير وتحميل المدارس والتلاميذ مسؤولية النتائج يمكن أن يؤديا إلى تحسن كبير في إنجازات التلاميذ. إن أمريكا تتمتع بالجامعات الأكثر تطورا وتقدما في العالم، وهذه الأخيرة رائدة الابتكارات في مختلف الميادين. لكن بهدف الحفاظ على ذلك التفوق، نحن بحاجة إلى نظام تعليم رسمي يضاهيها جودة، ويهيئ تلاميذنا ليسلكوا دروب النجاح في الاقتصاد الجديد.

ألعاب هذا الصيف الأولمبية ستمنح الصين الفرصة لتعرض تقدمها الاقتصادي المبهر. لكنها ستذكّر أيضا العالم بأنه لايزال أمامها عمل كثير ينبغي إنجازه لبناء مجتمع معافى تُحترم فيه الاختلافات في الآراء - المتلعقة بالسياسة، والفلسفة والإيمان - كحقوق أساسية للإنسان. نحن نعيش هذا الدرس يوميا في نيويورك، وهذا الأمر، مثلما يمكن أن ترى الصين في يوم من الأيام، هو أعظم أفضلياتنا التنافسية في الاقتصاد العالمي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek