البضائع الصينية... والانزلاق نحو العالم

 

سارا بونجيورني

 

 

منذ أيام نطق ابني بعبارة كانت كفيلة بجعلي أتجمد في مكاني لو كان قد قالها منذ عامين، فقد قال: "بالنسبة لهدية الكريسماس، سوف أذهب للبحث عن زلاجات فهي الشيء الوحيد الذي أريده الآن". فلو كان ابني قد قال ذلك في ديسمبر عام 2005 لكنت قد استأت كوني وعائلتي قد قاطعنا كل المنتجات المصنوعة في الصين، واستمرت هذه المقاطعة طيلة العام. ومن المعروف أن الزلاجات مثلها في ذلك مثل باقي المواد التي لا تخلو منها أي قائمة مشتريات للأطفال في أميركا، كالعرائس، والشخصيات التمثيلية، وألعاب الفيديو، وغيرها عادة ما تكون مصنوعة في الصين، وعادة ما تكون أسعارها زهيدة مقارنة بمثيلاتها المصنوعة في أوروبا دون أن تقل عنها في الجودة.

ومقاطعتي للبضائع الصينية لم تكن أمراً يتعلق بالسياسة أو بسلامة تلك البضائع، وإنما كانت مجرد تجربة أقوم بها لقياس الروابط التي تربط ما بين عائلتي الصغيرة وبين الصناعات التصديرية الصينية المزدهرة؛ فقد أردت معرفة ما إذا كان بإمكاننا التملص من قبضة الصين في حياتنا كمستهلكين، وما إذا كان البعض منا يريدون ذلك في الأساس؟

ولكن هذه المقاطعة للبضائع الصينية قلبت حياتنا -بدلاً من ذلك- رأساً على عقب، فقد اشتاق أطفالنا إلى السيوف الضوئية، والعربات اللعبة العملاقة المصنوعة في الصين ولم يرضوا عنها بديلاً، على الرغم من أننا حاولنا إغراءهم ببعض الألعاب الدانمركية وغيرها من الألعاب المصنعة في دول أخرى. ولم يقتصر الأمر على الألعاب فقط، بل إننا لم نجد بديلاً للحذاء المطاطي الصيني الذي كنا نشتريه بما يعادل 70 دولاراً، سوى حذاء إيطالي لا يزيد عنه في الجودة وإن كان يفوقه في السعر بمقدار الضعف أو ربما أكثر وللتخفيف من وطأة الوضع، قمنا مرتين بإجراء تعديل على قوانين المقاطعة التي فرضناها نحن على أنفسنا بل وخرقنا قانونين منها بالصدفة البحتة، دون أن يؤدي ذلك إلى أي انفراج في الموقف. وبعد ذلك عندما جاء موعد الكريسماس، قضينا وقتاً طويلاً في أحد معارض بيع الألعاب الألمانية التي لم تعجب الأطفال كثيراً وفي الساعات الأولى من فجر رأس السنة الميلادية استيقظنا على صوت ابننا وهو يهتف في فرح "غداً سأستطيع شراء ما أريد من هونج كونج".

لقد رنت صرخة ابني التي أعلن بها انتهاء المقاطعة في أذني وكأنها صرخة حرية؛ ليس هذا فحسب، بل إنني لاحظت أن الحياة في بيتنا قد غدت ميسورة، بعد أن عادت علامة "صنع في الصين" إلى حياتنا مجدداً. بعد ذلك ومنذ عدة شهور وجدت نفسي مرة أخرى أهتم بعلامة "صنع في الصين" وذلك عندما احتلت صور بعض الأطعمة الحيوانية، وفرشاة الأسنان، والألعاب الملوثة بالرصاص، الصفحات الأولى من الصحف لأسابيع طويلة، وكان تحتها كلام كثير مؤداه أن الألعاب والبضائع الصينية هذه المرة قد أصبح من الواجب مقاطعتها لأنها تمثل خطراً على صحة الأطفال.

ولقد قمت بتفتيش بيتي أكثر من مرة بحثاً عن أي أداة من تلك الأدوات أو أي لعبة من تلك اللعب التي تحتوي على مواد خطرة. ولم يكن الدافع لذلك أن أتخذ من هذه التحذيرات الجديدة دافعاً إلى إجراء مقاطعة جديدة، حيث كان هناك فارق بين مقاطعة عام 2005 والمقاطعة الأخيرة. فالمقاطعة الأخيرة تلك أجريتها وأنا على قناعة تامة بأن الروابط بيننا وبين الصين في المجال التجاري قد أصبحت عديدة ومتشعبة وأننا لا نستطيع أبداً أن ندير ظهورنا للصين، وأن المقاطعة والاعتماد على النفس سواء في مجال الألعاب أو غيرها قد غدت شيئاً من الماضي. وكذلك لم يكن قصدي الدعوة للتغاضي عن سجل الصين في انتهاك حقوق الإنسان، أو في التعدي على البيئة، وإنما كان إثبات أن الحلول للعديد من المشكلات أصبحت تكمن في الالتفات ناحية الصين بدلاً من إدارة ظهورنا لها.

لذلك قررت أن أقوم بقفزة إيمانية. ماذا فعلت؟ اشتريت مكعبات بنائية لطفلنا الصغير كهدية بمناسبة الكريسماس (لم تكن قفزة إيمانية حقيقية لأنني اتصلت بالشركة للتحقق من أن تلك اللعبة قد جرى فحصها للتأكد من خلوها من الرصاص)، ولم أكتف بذلك بل أرسلت طلباً لشراء أحذية ثلج مصنوعة في الصين لابنتي. وعندما أعلن ابني عن رغبته في الحصول على زلاجات، توجهت إلى محلات مشهورة تقوم ببيع لعب الأطفال الصينية وعثرت على زلاجة وقلبتها لأجد الكلمات التي كنت أتوقعها دائماً وهي" صنع في الصين"، لست أدرى ما إذا كنت أقوم باتخاذ القرار السليم أما لا.. ولكن الشيء الذي أدريه جيداً هو أن العالم قد أصبح مفعماً بالفوضى إلى درجة أنه قد تحول إلى مكان غير مريح يصعب فيه اتخاذ قرارات مرتبة على الأقل بالنسبة لي.

لذلك فإنني سأواصل قراءة اللوحات والعلامات، ولكنني لن أطرح الصين خارجاً تماماً، وعندما أراقب طفلي، وهو يضع الزلاجات الجديدة في قدمه، ويبدأ في التزلج بها للمرة الأولى، سأتخيل أنه يتزلج في اتجاه بقية العالم وليس بعيداً عنه.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-26-12-2007