أسعار النفط فكّت ارتباطها بأساسيات السوق

 

 

 

تميز عام 2007 بظواهر على صعيد الطاقة ، لعل أهمها فك ارتباط اسعار النـــفط بأساســــيات العرض والطلب في الأسواق العالمية. وخير مثال على ما حدث، انخــفاض الأسعار الى مستوى 50 دولاراً تقريباً في أوائل العام، ثم ارتفاعها تدريجياً لتستقر على نحو 80 دولاراً في أواخر فصل الصيف، ومن ثم قفزتا فجأة لتشارف في الخريف الحاجز المعنوي وهو 100 دولار بعد ان هددت تركيا بغزو شمال العراق. وعندما لم ينفذ هذا التهديد في حينه، انخفضت الأسعار الى 85 دولاراً وعادت لتعبر عتبة 90 دولاراً في الأسابيع الأخيرة من نهاية العام.

لمهم في كل هذه التذبذبات، هو عدم بروز عوامل مهمة في الأسواق، على علاقة بالعرض والطلب لكي يجعلها تتغير بهذه النسب العالية وبهذه السرعة. فلم يحدث اي نقص مادي مهم في الإمدادات خلال هذه الفترة، وتم تلافي اي خلل بسرعة بحيث لم تتأثر الأسواق مادياً بالنقص الموقت ، كما لم تحدث أي زيادة ملحوظة في الطلب نتيجة انتعاش اقتصادي مفاجئ جديد، تدفع بالأسعار الى هذه المستويات القياسية لقد ساد جو من الغموض في تفسير ما يحدث ونسبت هذه التطورات التي تعدّ سابقة الى بلورة الخلافات المزمنة ما بين الدول المصدرة والمستهلكة ودفاع كل طرف عن مصالحه.

دفعت الدول المصدرة بوجهة نظر تؤكد ان هناك إمدادات كافية في الأسواق، وبصورة منتظمة، ومن ثم لا حاجة لزيادة الإنتاج من قبلها، لأنه اذا حصل، سيؤدي الى إغراق الأسواق وانهيار الأسعار. ومع حلول فصل الخريف، تخوفت الدول المصدرة من حدوث انكماش في الاقتصاد الأميركي بسبب أزمة ديون الرهن العقاري، وانعكاساتها على الاقتصاد الأميركي والعالمي، ومن ثم مستويات الطلب على النفط في النصف الأول من عام 2008. وبالفعل تراوح انتاج دول المنظمة خلال عام 2007 بين 27 و30 مليون برميل يومياً.

عقدت منظمة «أوبك» قمتها الثالثة في الرياض في تشرين الثاني (نوفمبر)، برئاسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي اعلن في حفلة الافتتاح عن مبادرة لتأسيس معهد أبحاث متخصص في العلاقة بين إنتاج الوقود الاحفوري والبيئة، واقتراح السبل اللازمة لتحسين البيئة كما أعلن في خطابه عن تبرع المملكة العربية السعودية بـ300 مليون دولار لتنفيذ هذه الفكرة، تبعتها لاحقاً الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت وتبرع كل منهما بـ150 مليون دولار للمشروع ذاته.

ومع بدء تنفيذ هذا المشروع، تكون دول «اوبك» قد أخذت الخطوات الأولى للمبادرة بالتحقق علمياً من العلاقة ما بين النفط والبيئة، وكيفية التعامل مع هذا الموضوع الذي اخذ يتبوأ صدارة جداول الأعمال في المؤتمرات العالمية، ناهيك عن الاهتمام المتزايد للرأي العام العالمي بالموضوع نظراً لتأثيره اليومي على حياة المواطنين المعيشية ويعني اعتماد هذا المشروع من قبل «أوبك» ان المنظمة قررت تبني المبادرة في مواضيع البيئة بدلاً من الانكفاء في الدفاع، كما كان الوضع في الماضي.

وتعني المبادرة هنا، ليس فقط الاعتماد على العلم والتجارب البحثية في الدفاع عن وجهة نظر الدول النفطية، بل أيضاً اقتراح مبادرات علمية واقتصادية لتحسين البيئة، مع الاستمرار في استعمال المنتجات البترولية، وليس من خلال الاستغناء عنها، كما يدعو بعضهم حالياً في الدول الصناعية.

أما الدول المستهلكة ، فلم تتوقف عن الطلب بزيادة الإنتاج للمحافظة على مستويات عالية من المخزون التجاري والاستراتيجي. من دون تحديد المستوى المنشود. واستمر المخزون التجاري في معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خصوصاً في الولايات المتحدة، طوال عام 2007 تقريباً بحدود معدلاته في السنوات الخمس الماضية.

ويمكننا الإشارة الى أمور رئيسة عدة لعبت دوراً مهماً في الأسواق النفطية خارج نطاق أساسيات السوق خلال عام 2007، وهي:

أولاً: المضـاربات في الأسواق المالية

ساعد انخفاض قيمة الدولار وتصاعد وتيرة الأزمات السياسية في الشرق الأوسط على ارتفاع مستوى المضاربات في أسواق النفط، بخاصة مع اقتراب نهاية العام. وتوقع المضاربون تحقيق ارباح أعلى بسبب هذه التطورات. ولم يحد من مستوى المضاربات هذه سوى تفاقم أزمة ديون الرهن العقاري في الولايات المتحدة، وعمليات جني الأرباح.

ثانياً: التلكؤ في تشييد مصافٍ جديدة في الدول الصناعية

استمرت الدول الصناعية الغربية في سن القوانين المتشددة التي تحد من طموح الشركات التي تنوي تشييد مصافٍ جديدة لتلبية الطلب المتزايد على المنتوجات البترولية وتعاقبها أحياناً. وتتذرع هذه الدول في عرقلتها، بتأثير النفط السلبي على البيئة لكن اخذ يتضح ان التلكؤ في بناء المصافي في الولايات المتحدة وأوروبا منذ ربع قرن تقريباً، هو سبب رئيس في ارتفاع أسعار المنتجات البترولية، لأن النفط الخام متوفر بما فيه الكفاية.

ثالثا: التطورات السياسية

بقي هاجس الملف النووي الإيراني مسيطراً على أسواق النفط العالمية طوال عام 2007، كما في العامين السابقين، ويمكن اعتبار هذا العامل من أهم الأسباب التي دفعت بالأسعار الى المستويات القياسية التي وصلت اليها خلال العام، تخوفاً من فشل المساعي الديبلوماسية للوصول الى حل مع طهران حول هذه المسألة الشائكة. وتصاعد دور هذا العامل او انخفض مع سلبية التصريحات أو إيجابيتها حول التفاؤل او التشاؤم بالنسبة للمساعي الديبلوماسية، لكنه على رغم ذلك، بقي مهيمناً على الأسواق نظراً لخطورة أي عملية عسكرية ضد إيران وانعكاساتها على تدفق النفط من دول الخليج، إضافة الى احتمال اختلال ميزان القوى في منطقة الخليج في حال حصول إيران على السلاح النووي، ومدى انعكاسات هكذا خطوة على نفوذها السياسي الإقليمي وتصرفاتها تجاه جيرانها.

تلعب الأزمات السياسية دوراً في التأثير على أسعار النفط. ولا تشمل هذه التطورات الصراعات في الدول المنتجة فقط، بل أيضاً الخلافات السياسية والقوانين المتشددة في الدول المستهلكة ذاتها. فنرى، على سبيل المثال، ان مواقف المرشحين الجمهوريين والديمقراطيين لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة يؤثر بدوره على أسواق النفط. وقد تجلى هذا من خلال التصريحات المتعددة لهؤلاء خلال الحملة الانتخابية في عام 2007، تحضراً للانتخابات الرئاسية العام المقبل، وخصوصاً مع اقتراب سعر برميل الخام الأميركي من مستوى 100 دولار، ومدى تأثير ذلك على أصوات الناخبين. فأخذ كل من المرشحين الجمهوريين يقترح كيفية التعامل مع هذا المستوى القياسي للأسعار. وبهذا الصدد، اقترحوا جميعاً تقليص الاعتماد على النفط الخام وتبني زيادة الاستثمارات في المفاعلات النووية لتوليد الطاقة، والحصول على مصدر طاقوي محلي، من دون حاجة الى استيراده من الخارج، وكأن التجارة الدولية أمر معيب وركز الديمقراطيون على تقليص استخدام النفط أيضاً، لكن من اجل تحسين البيئة.

وفي الدول المصدرة، انخفض إنتاج نيجيريا بنحو900 ألف برميل يومياً في بعض الأحيان، وذلك بسبب الهجمات المتكررة لثوار حركة تحرير دلتا النيجر على المنشآت النفطية وتخريبها، وعجز الحكومة الفيديرالية النيجيرية طوال السنة، من الوصول الى حل توافقي مع الثوار ونتيجة لهذه العمليات انخفض الإنتاج النيجيري من نحو 2،50 مليون برميل كان مخططاً لها الى مليونين تقريباً. وكان يمكن ان ينخفض اكثر من ذلك لولا بدء الإنتاج من حقول بحرية جديدة، فعوّض النقص في الإنتاج ورفعه الى مستوى معقول نسبياً.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-25-12-2007