منظمة التعاون الاقتصادي تستبعد ركوداً اقتصادياً وتنصح الصين برفع قيمة عملتها وتلافي التضخم

 

 

 

بكين قلقة من الخفض المستمر للفائدة الأميركية

بعد تزايد الضغوط على الاقتصاد الأميركي وتخوف مسؤولين ماليين من تدهور جديد في أسعار العقارات السكنية في البلاد لجأ البنك الفيدرالي الأميركي أخيراً - ومجدداً - إلى سلاح تخفيض معدل الفائدة على الدولار بمقدار ربع نقطة ليصل إلى ٤،٢٥ في المئة بهدف وقف كرة الثلج من الانحدار وفيما أثار ذلك استياء الصين التي تملك أضخم احتياط للورقة الأميركية الخضراء خارج الولايات المتحدة يشعر المصرف المركزي الأوروبي بالاضطرار قريباً إلى استخدام السلاح نفسه لمواجهة تداعيات تعادل الفائدة بين اليورو والدولار على الإيداع والاستثمار في العملتين.

وكان البنك الفيدرالي سجل في الفترة الأخيرة هبوطاً جديداً قوياً في أسعار المساكن في الولايات المتحدة هو الأدنى منذ أربعة عقود، كما لحظ للمرة الأولى، بحسب تعبير مسؤولين فيه، «تراجعاً في نشاطات الشركات الأميركية وفي الاستهلاك الداخلي للمواطنين»، ما أثار القلق على اعتبار أن الاستهلاك الداخلي يشكل أحد الأعمدة الأساسية في الاقتصاد الأميركي، بل وربما العمود الأساس.

وفيما حقق الاقتصاد الأميركي نمواً مفاجئاً من ٤،٩ في المئة في الربع الثالث من العام الجاري لا ينتظر اقتصاديون وخبراء أكثر من واحد في المئة من النمو في الربع الأخير، ما يشكل أسوأ نتيجة تسجل منذ فترة طويلة جداً. ولكن بما أن خفض الفائدة جاء أقل مما رغب فيه المودعون الأميركيون الذين أملوا بتخفيض نصف نقطة دفعة واحدة، لم تؤد الخطوة المتواضعة بحسب تحليل خبراء، لا إلى دعم الدولار كما يجب من جهة، ولا إلى تأمين سيولة بنكية كافية من جهة ثانية، لمنع حدوث ركود محتمل في الاقتصاد الأميركي.

وانتقد اقتصاديون الخفض المتواضع علناً، ومنهم بصورة خاصة رئيس مجلس إدارة «بنك أوف أميركا» الضخم، كين ليفيس الذي كشف أن مصرفه سيعلن قبل نهاية السنة خسارة 3.3 بليون دولار في قطاع الرهن العقاري من دون أن يتحدث بالطبع عن الخسائر التي يمكن أن يعلنها مصرفه في الشهرين المقبلين من العام الجديد ولأن قرار خفض الفائدة كان مخيباً لآمال اقتصاديين أميركيين وأوروبيين، بقيت العملة الأميركية على تراجعها أمام اليورو والعملات الأخرى بعد تحسن بسيط طرأ عليها ولذلك يتوقع خبراء عودة البنك الفيدرالى إلى خفض جديد على الفائدة آخر كانون الثاني (يناير) المقبل في وقت أعربت الصين، التي تخزِّن احتياطات ضخمة بالدولار، عن قلقها من التخفيض المستمر وحذر رئيس المصرف المركزي الصيني زهو كسياشوان واشنطن على هامش قمة اقتصادية صينية ـ أميركية عقدت أواسط الشهر الجاري في بكين «من أن خفض الفائدة يمكن أن يعرَّض الاقتصاد العالمي إلى طوفان من السيولة المالية وإلى إرباك الأسواق الصينية».

ويحذر محللون أميركيون من أن خطر دخول الولايات المتحدة في مرحلة ركود اقتصادي ارتفع حالياً إلى نسبة ٥٠ في المئة، لكن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية التي تضم ٣٠ دولة صناعية أوروبية استبعدت في تقريرها الاقتصادي الدوري الأخير دخول الاقتصاد الأميركي، الذي يعتبر أكبر اقتصاد في العالم، مرحلة الركود نتيجة المصاعب المالية الجمة التي يواجهها علماً أنها توقعت تراجع نموه إلى ٢ في المئة العام المقبل على أن يعود إلى الارتفاع إلى 2.2 في المئة عام ٢٠٠٩. وأضافت أن البطالة سترتفع في الولايات المتحدة في الفترة ذاتها من 4.5 حالياً إلى ٥ في المئة وعلى عكس أوروبا التي سينخفض دخل صادراتها بصورة ملموسة بسبب ارتفاع سعر اليورو سيتمكن الميزان التجاري الأميركي في السنتين المقبلتين من تخفيض عجزه من 5.6 إلى 5.3 في المئة بسبب تحسن صادراته المتعززة بسعر الدولار المنخفض ومثل الولايات المتحدة حضّ تقرير خبراء المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي الصين على رفع قيمة عملتها اليوان «لأن تركه كما هو لا يؤثر سلباً في العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والصين فقط، بل وأيضاً في مساعي بكين لضبط الازدهار العالي الوتيرة لاقتصادها وإعادة التوازن إليه» وتابعت أن على رغم تدخل البنك المركزي الصيني أكثر من مرة لرفع سعر الفائدة فإن معدل التضخم في الصين لا يزال عالياً جداً ووصل حالياً إلى 6.5 في المئة. وحذّرت من دخول البلد «في دوامة خطرة من التضخم بسبب الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية».

وذكر التقرير أيضاً أن الاجتماع الذي عقده مسؤولون ماليون في الاتحاد الأوروبي والمصرف المركزي الأوروبي مع مسؤولين ماليين صينيين مطلع الشهر الجاري في بكين لإقناعهم بضرورة رفع قيمة اليوان، لم يؤد إلى النتيجة المرجوة، بل اكتفى الصينيون «بإظهار استعدادهم» للانفتاح أكثر في تعاملاتهم في سوق تبديل العملات الصعبة.

وفي الوقت الذي تتهم أوروبا الدولة الصينية بدعم اقتصادها الداخلي بصورة اصطناعية من خلال السياسة التي تتبعها في سوق القطع النادر، توجه الولايات المتحدة بدورها إلى الصين تهمة «السعي الى وضع اليد على فرص أفضل في المنافسة الدولية من خلال الإبقاء على سعر اليوان المنخفض بصورة مصطنعة» ويؤدي هذا الأمر بحسب خبراء أميركيين إلى تعميق اللاتوازن الحاصل منذ سنوات في الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة الذي سجل العام الفائت فائضاً مقداره ٢٣٣ بليون دولار لمصلحة الصين.