كيف تعصم التشريعات جهاز الدولة من التضخم ؟...العراق أنموذجا ً

 

أ . د سليم الوردي

 

 

في مقدمة وظائف الدستور: استشراف نموذج الدولة التي ستنهض بتطبيقه فهل يرمي الى دولة موجهة لنشاطات المجتمع ام مستحوذة عليها، كما كانت عليه منذ نحو من نصف قرن. لاسيما ان لنمط الدولة المستحوذة رصيداً تاريخياً كبيراً في حضارات وادي الرافدين . وقد حاول الدستور الليبرالي لسنة 1925 اختراق ذلك الإرث الاستحواذي ، بما أرساه من أسس للحرية الاقتصادية فلم تتجاوز مشاركة القطاع العام في تكوين الدخل القومي نسبة 15 بالمائة حتى سنة 1952 .

بيد ان العهد الجمهوري نسف تلك الاسس الليبرالية في ادارة الاقتصاد ، وحفز النزعة الاستحواذية للدولة على نشاطات وفعاليات المجتمع العراقي ، وفي مقدمتها النشاط الاقتصادي . فارتفعت تلك النسبة من 15 بالمائة الى 75 بالمائة في سبعينيات القرن الماضي ، فصاعدا.

تقوضت في 9 نيسان 2003 اسس البناء السياسي للدولة المستبدة من دون ان تتقوض قاعدته المادية التي كان يقوم عليها. فلايزال الاستبداد النفطي يحكم مسارات وسياسات الدولة العراقية وفي المقدمة منها استحواذ جهاز الدولة على قرابة 80 بالمائة من تخصيصات الموازنة العامة ( تحت باب النفقات التشغيلية ) وإذا علمنا ان عوائد النفط تمثل اكثر من 92 بالمائة من ايرادات الموازنة العامة يصبح واضحاً ان جهاز الدولة يستاثر بحصة الاسد من عوائد ثروات العراق النفطية .

جهاز طفيلي

لا حاجة الى التعرض لظاهرة الفساد الإداري ، بعد ان اقر الدستور استشراءها ، وسمى هيئة مستقلة لمواجهتها ( هيئة النزاهة ) الا ان الدستور لم يتناول او ينوه بالفساد البنيوي في جهاز الدولة المتمثل بالبطالة المقنعة وهو الاكثر خطورة من حيث الخسائر التي يلحقها بالمال العام .

خاصة ان البطالة المقنعة آخذة بالتفاقم خلال السنوات الاخيرة . والخطير في الامر ان الرأي العام يشجع عليها حين يدعو الدولة الى استحداث المزيد من الوظائف العامة لإمتصاص البطالة ، غير مكترث بما يفضي اليه ذلك من تكريس للبطالة المقنعة في جهاز الدولة ، بما يفاقم من ترهله وتدني كفاءة ادائه. ومما يذكر بهذا الصدد ان الموازنة العامة لسنة 2008 وضعت تخصيصات لاستحداث أكثر من 155 الف وضيفة لامتصاص البطالة كما أفاد السيد وزير المالية (صحيفة الصباح العدد 1273 في 2007/12/26). هذا مع اقراره بوجود البطالة المقنعة في القطاع العام والسعي للتخلص منها بفتح الابواب امام أي موظف ليأخذ نصف راتبه لمدة سنتين اذا انصرف للعمل في القطاع الخاص  (صحيفة المدى العدد 1107 في 2007/12/8). وإذ لاتفصح الاحصاءات الرسمية عن حجم هذه الظاهرة ، لايملك الباحث الا ان يستعين بالتقارير الاجنبية وان حامت الشكوك في درجة صدقيتها .

يشير تقرير اميركي للمفتش العام لاعادة اعمار العراق ان نصف الموظفين الحكوميين في العراق لايلتحقون باعمالهم يومياً . ومعظمهم لايعمل لأكثر من ساعتين او ثلاث يومياً ويقدر تقرير السفارة الاميركية ان ثلاث وزارات مدنية تعاني مشكلة الموظفين الاشباح تدفع لهم المرتبات ولكنهم لايأتون الى الدوام مطلقاً. وعلى اثر نشر هذا التقرير بايام كشفت هيئة النزاهة عن 17 الف اسماً وهمياً تتسلم رواتب شهرية من مؤسسات حكومية (صحيفة المدى العدد 1084 في 11/ 11 / 2007 ). ومما يذكر ان ظاهرة التغيب عن الدوام وصلت واستشرت في اهم مؤسسة سيادية في البلد ، وهي مجلس النوّاب .

وفي ضوء المعطيات اعلاه لن نبالغ اذا قدرنا ان البطالة المقنعة باشكالها المختلفة تستغرق زهاء 50 بالمائة من جهاز الدولة . وهو مايعني من حيث النتيجة ان عشرات ترليونات الدنانير قد هدرت من المال العام خلال السنوات الاخيرة جراء البطالة المقنعة في جهاز الدولة ، ومع هذا فان الدستور لم يرصدها او ينوه بها ، فما بالك ان يستشرف سبل معالجتها !

غياب مفهوم الوظيفة العامة في الدستور

يسترعي الانتباه ان الدستور بمواده المائة وتسع وثلاثين لم يتطرق الى " الوظيفة العامة " حتى ولاعلى سبيل التنويه بها في فقرة من فقرات مواده . بينما تمثل " الوظيفة العامة " الخلَية التي تكَون بملايينها جسد جهاز الدولة ، وتنتظم تحت عنوانها السلطات الثلاث : التشريعية والقضائية والتنفيذية وتندرج فيها جميع الوظائف القيادية والتنفيذية ابتداءً من قمة الهرم ( رئيس الجمهورية ) نزولاً الى ادنى درجة في السَلم الوظيفي .

ان تعويم مسألة الوظيفة العامة في الدستور يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه امام الحكومات لتضخم جهاز الدولة بهدف توسيع قاعدتها السياسية في المجتمع ، واحكام قبضتها عليه من خلال التحكم مباشرة بموارد رزقه، وهو مايرمي اليه الاستبداد النفطي اما المسألة الاخرى فتتعلق بالتناسب بين مرتبات موظفي الدولة ، أي التوازن بين اعلى واقل مرتب في الدولة العراقية . فقد بات هذا الموضوع يثير اشكالات يتحسس منها الراي العام ، الى حد الادانة احيانا .

واحاول ـ وانا اتناول الموضوع ـ ان اناى بنفسي عن دائرة التحسس هذه من دون ان اغفل ما يترتب عليها من هوة نفسية وسياسية بين النخب القيادية من جانب والقاعدة المليونية للموظفين والمجتمع باسره من جانب اخر . ان من ينتقد المغالاة في مرتبات الوظائف العليا، او من يدافع عنها ، كلاهما لا يملك معياراً للقياس  ولا بد ـ بتقديري ـ من استنباط ضوابط دستورية تحكم التوازن بين مرتب اعلى وادنى وظيفة عامة.

فإذا اقتنعنا ان يزيد مرتب اعلى وظيفة بمائة مرة على ادنى وظيفة . فمعناه : اذا كان مرتب ادنى وظيفة 100000 ديناراً ينبغي الا يتجاوز مرتب اعلى وظيفة 10000000 دينار . واذا كانت الزيادة بـ 1000 مرة عندها لا يتجاوز مرتب الوظيفة الاعلى 100000000 دينار. ونحيل من يرغب بالاطلاع على التمايز الكبير في مرتبات سلم جهاز الدولة الى (ملحق صحيفة الصباح الاقتصادي العدد 1275 في 9/ 12/ 2007.  ويطرح السؤال: كيف نحدد درجة هذا التوازن ( عدد المرات ) .

الجواب هو ان نسترشد بتجارب الدول الاخرى التي تحكمها نظم ديموقراطية . نسأل مثلا عن مرتب رئيس الولايات المتحدة الاميركية وفي جنوب افريقيا والهند وعدد اخرى من البلدان الديموقراطية وبكم مرة يزيد على مرتب ادنى وظيفة في دولهم فلربما اكتشفنا ان مرتبات الوظائف القيادية عندنا مجحفة بالقياس الى المسؤوليات التي ينهضون بها ، ولربما العكس : أي انهم يتسلمون مرتبات مبالغ بها. ان الاتفاق على درجة التوازن واقرارها دستوريا يعصم من الزيادات في مرتبات الوظائف العليا لدى كل مناقشة للموازنة العامة السنوية ، ان لم تقترن بزيادات مناسبة في مرتبات كل درجات السلّم الوظيفي في الدولة العراقية .

كبـح جمـاح جهـاز الدولـة

تفيدنا الخبرة المستقاة من عهود الاستبداد النفطي وامتداداته الراهنة ، ان من المستحيل كبح جماح النزعة التضخمية لجهاز الدولة ما دام طليق اليد في التصرف بعوائد النفط . اما المادتان 108 و 109 من الدستور اللتان تعالجان ملكية الشعب العراقي للنفط والغاز وتوزيع عوائدها على الاقاليم ، فيمكن للحكومات مراوغتهما وتوظيفهما على النحو الذي تشاء . وقد تجلى ذلك في مشروع قانون النفط والغاز . فمن بين 45 مادة لم يخصص المشروع لتوزيع عوائد النفط والغاز إلا فقرتين باهتتين في المادة (40) منه . ان تعويم مسألة توزيع عوائد النفط والغاز سواء في الدستور او في مشروع قانون النفط والغاز امر ذو دلالات لا تبعث على التفاؤل . ولا بد للرأي العام ان ينتبه له ويضغط لتشريع قانون مكرس لتوزيع عوائد النفط والغاز ، ينطوي على احكام واضحة تضبط انفاق الدولة على جهازها . ونقترح الاتي:

1- ان لا تتجاوز تخصيصات جهاز الدولة ( باب النفقات التشغيلية ) نسبة معينة من تخصيصات الموازنة العامة ، الا في حالات استثنائية يقرّها مجلس النواب.

2- ان لا تتجاوز تخصيصات الموازنة العامة نسبة معينة من عوائد النفط، بما يدفع جهاز الدولة  الى تعظيم ايرادات الموازنة غير النفطية. ومما يذكر ان هذه النسبة شهدت تناقصاً من نسبة 97 بالمائة سنة 2006 الى 93 بالمائة سنة 2007 الى 87 بالمائة في موازنة 2008 (صحيفة الصباح العدد 1276 في10/ 12/ 2007 ) وهو مؤشر ايجابي يجب التشبث به والعمل على ان تسجل هذه النسبة تدنياً مستمراً في الموازنات العامة للسنوات القادمة.

3- يراعى الانخفاض المستمر للنسبتين اعلاه .ويعدّ ذلك معياراً كلفويا لقياس كفاءة اداء الحكومة ومن شأن احكام المواد اعلاه ان يضع حدا لتضخم اجهزة الدولة وترهلها، بهدف زيادة كفاءة ادائها . وحين تصبح ضوابط العمل في الوظيفة العامة اكثر صرامة سينصرف عنها الكثيرون ممن يجدون فيها مرتعاً خصباً لسلوكهم " التنبلي " .

4- تخصيص نسبة متصاعدة من عوائد النفط والغاز ـ على مدار السنين ـ لتمويل منظومة صناديق الاعانات الاجتماعية التي تشمل صناديق مرحلية واخرى دائمية مثل:

اولاً : صندوق اعانة ضحايا ومعاقي عهود الاستبداد والعنف السياسي .

ثانياً : صندوق اعانة الايتام والمسنين وذوي الحاجات الخاصة .

ثالثاً : صندوق اعانة العاطلين عن العمل.

5- تمويل صندوق اسكان الاجيال القادمة . وذلك بفتح حساب في مصرف الصندوق يودع فيه مبلغ من المال باسم كل مولود عرقي جديد ، ليحصل على دار سكنية حين يبلغ سنّا معيناً .

تتطلب الاطروحات المقترحة اعلاه المزيد من البحث والتدقيق . اما الهدف من طرحها فهو التنبيه الى خطر تعويم مسألة توزيع عوائد النفط والغاز ، الذي يهدد بتيه الشعب العراقي في دائرة الاستبداد النفطي الشيطانية وإن ارتدى جلباب الديموقراطية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabah