تيان الصيني وجحيم ما بعد الثورة الثقافية

 

 

ديفيد بروكس

 

مكتبه غرفة ملابس الإمبراطور

لقد حلت المصائب والأهوال بالكثير من الأمم والشعوب خلال القرن العشرين؛ وفيما يبدو فقد تجاوز معظمها تلك المحن بطريقة أو بأخرى، وهذه قصة أحد الذين أصيبوا بجراح الثورة الثقافية الصينية، وكيفية تعافيه منها، مع إعطاء لمحة عامة سريعة عن نهوض التنين الصيني الحديث.

فقد كان ''إدوراد تيان'' في سن الثالثة فحسب، عندما دشّن الزعيم الصيني ''ماو تسي تونغ'' ثورته الثقافية، وبفعلها تم ترحيل والديه اللذين درسا علوم البيئة في الاتحاد السوفييتي، إلى المناطق البيئية الريفية، فما كان من بعض سكان تلك القرية إلا أن هجموا على البيت وأحرقوا جميع الكتب الموجودة فيه. ثم تلا ذلك الحدث انفصاله عن شقيقته وإرساله للعيش مع جدته بمدينة ''شينيانج'' الصناعية. وقد كانت جدته هذه امرأة فظة قاسية الطباع، على رغم صدقها واهتمامها بتربيته. ذلك أن الشعار المحدد لتعاملها مع الأطفال هو: ''إياك أن تبتسم قط قبل أن يخلد الصغار إلى النوم''. ويذكر ''تيان'' كم كان حانقاً على والديه خلال فترة انفصالهما عنه لمدة أحد عشر عاماً، إذ كثيراً ما تساءل قائلاً لنفسه: لماذا لم يهتما بي؟! ومن يومها لم يحتفظ ''تيان'' بعلاقة طيبة مع والديه إلى أن تزوج وأصبح أباً هو الآخر.

وفي سنوات الشباب الباكر تلك، كان ''تيان'' منشغلاً بدراسة الماركسية، وبحلمه بأن يصبح جندياً في صفوف جنود الثورة الثقافية؛ إلا أن جدته أقنعته بأن يواصل تعليمه وألا يلتحق بالجيش. وبالفعل التحق في عام 1981 بجامعة ''ليانونينج'' وما أن تخرّج فيها حتى انهمك بإرسال الرسائل إلى شتى الجامعات الأميركية أملاً في الحصول على منحة دراسية من إحداها. تلك هي ما قدمتها له جامعة تكساس، فما كان منه إلا أن قبل بها، اعتقاداً منه أن مدينة ''لوبوك'' في تكساس تقرب من نيويورك. وكما يقول، فقد كانت أول مرة له يسافر فيها بالطائرة هي تلك الرحلة التي قطعها من ''بكين'' إلى ''سان فرانسيسكو''، ثم منها إلى ''دالاس'' حيث فوجئ بأكبر مطار دولي شهده في حياته.

هناك ألح عليه شعور غامض بضرورة أن يحذو حذو والديه ويتخصص في علوم البيئة مثلهما، وهكذا انتهى الحال بذلك الصبي الصيني القادم من ''شينيانج''، إلى أن يحصل على درجة الدكتوراه في علوم الإدارة من مزرعة في ولاية تكساس. ذلك أنه أمضى خمس سنوات في قيادة السيارات حول مزارع تلك الولاية، إذ كان بحثه لدرجة الدكتوراه هو إعداد نموذج إحصائي لانتشار طفيليات نبتة ''البروم'' وهو البحث الذي لم يطلع عليه سوى عشرة أشخاص فحسب، بعد سنوات من العمل المضني أمضاها فيه! وفي جامعة تكساس التكنولوجية التي درس فيها، أتيحت لـ''تيان'' فرصة الحصول على جهاز كمبيوتر ''ماكنتوش'' كان يسرّي عنه ويخفف عنه عزلته عن أهله ووحدته في أوقات الفراغ، حيث لم يكــن له من أصدقــاء هنــاك.

وفي وقت مبكر من عقد تسعينيات القرن الماضي، بدأت إصلاحات ''دينج زياوبينج'' تحدث تحولات كبيرة في الصين، في حين كانت شبكة الإنترنت هي الأخرى تحدث تحولات جذرية على نطاق العالم بأسره. وعندها أحس ''تيان'' بأن فرصته الذهبية قد حانت، فما كان منه هو وصديق صيني آخر له في مدينة ''دالاس''، إلا أن أنشآ شركة "AsiaInfo" القابضة بهدف جلب تكنولوجيا الإنترنت إلى وطنهما. وفي حوالي ثلاث سنوات، قفز عدد موظفي هذه الشركة إلى 320 موظفاً بينما بلغ دخلها السنوي نحو 45 مليون دولار.

لكن وفي عام ،1999 أنشأت الحكومة الصينية شركة جديدة هي مجموعة ''تشاينا نيتكوم'' كي تنافس شركة ''تشاينا تليكوم'' في إدخال خدمة الموجة الواسعة إلى الصين؛. وطلب من تيان أن يتولى منصب المدير التنفيذي لهذه الشركة الجديدة فقبل بالعرض، وهكذا انتهى الحال بذلك الباحث القادم من مزارع تكساس إلى أن يصبح رئيساً لحوالي 230 ألفاً من العاملين تحته. غير أن ظلال الثورة الثقافية لا تزال تخيم في مكان ما من سماء بلاده. ولذلك فقد طغى هاجس انعدام الأمن الوظيفي عنده، وشغل حيزاً كبيراً من تفكيره دائماً. وكان ذلك ما دفعه إلى العمل مع شركات استثمارية أخرى في المجال مثل شركة ''هنري كرافيس''.

وبعد أن سئم من أجواء البيروقراطية المخيمة على شركة ''تشاينا نيتكوم'' التي يتولى إدارتها، اضطر إلى تقديم استقالته عنها وأنشأ له شركة جديدة هي ''تشاينا برودباند كابيتال'' المالية. وتختص هذه الشركة بتمويل الشركات المستثمرة في مجال الهواتف النقالة كوسيط قادم لتقنية المعلومات، كما تملك الشركة نفسها جزءاً من شركة MySpace China، وهاهو يجلس الآن وحيداً في مكتبه الذي يتوسط حديقة عائلة كينج الإمبراطورية، حيث كان الأباطرة يأتون هنا لأداء طقوس عبادة الشمس، أما مكتبه بالذات، فقد كان غرفة الملابس الخاصة بإمبراطور تلك العائلة.

بقي أن نعلق على أن هذا الشعور المستمر بعدم الأمان والاطمئنان لدى ''تيان''، وكذلك الحاجة المستمرة لأن يثبت كفاءته وقدرته في كل مرة يتولى فيها منصباً إدارياً ما، إنما هما صورة طبق الأصل لذات المشاعر التي كانت تنتاب وتؤرق النخب المتعلمة إبان فترة الثورة الثقافية، التي اكتسحت الجزء الغالب من الثقافة الصينية التقليدية، ولا يزال ذلك الفراغ الروحي الذي خلفته الثورة بحاجة إلى أن يملأ ويسد، وعندها فحسب، سيشعر الصينيون بصدمة ما بعد الجحيم الثقافي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad