مأزق البنوك.. بين النسور والفضلات

 

ديفيد إغناتيوس

 

 

حينما تشعر فرق الإنقاذ في مطار ما أن هناك احتمال وقوع اصطدام طائرة بسطح طريق الهبوط تقوم بتغطيته بمادة رغوية لتقليل احتمال وقوع حريق نتيجة للصدمة وهذا ما تقوم به بنوك الاحتياط الفيدرالية وبنوك مركزية أخرى حينما تضخ سيولة مالية في الأسواق المتضررة ماليا.

ولكن يجب عدم التوهم بأن إعلان البنوك المركزية الأربعاء الماضي عن جهد مشترك جديد لضخ السيولة المالية في النظام المالي العالمي هو ليس سوى دليل على عصبيتها، فالضغط على الائتمان العالمي الذي بدأ منذ صيف 2006 لم يبدأ بترك تأثيره بشكل كامل، والبنوك المركزية من جهتها تخاف من أن الضغط على النظام المالي قابل على دفع الاقتصاد العالمي صوب كساد عميق. لذلك فإن قرار المسؤولين المصرفيين بتغذية النظام بالنقود عبر نظام جديد لمزادات علنية، سيسمح للبنوك بالاقتراض بشكل أرخص مما لو أنها اقترضت من سوق البنوك التجارية. وما يمكن اعتباره غير طبيعي هو أن خمسة من أكبر البنوك المركزية وافقت على اتخاذ إجراءات مشتركة من خلال تشكيل لجنة إنقاذ والهدف هو ليس منع هبوط في الأسعار بل للتخفيف من آثاره.

وقرر المسؤولون الفيدراليون أنهم بحاجة إلى السماح للتعديل بأن يحدث في الأسواق المالية مع أسعار للأوراق المالية الداعمة للقروض العقارية ولمدخرات أخرى، بحيث يحدث هبوط في المستويات ستسمح في الأخير للأسواق أن تتخلص من مشاكلها.

يريد المسؤولون الفيدراليون تجنب غلطتين كانوا يقعون فيها خلال الأزمات المالية السابقة؛ فهم أولا لا يريدون أن يكونوا حادين كسلطات مصرفية بعد انهيار أسعار العقارات الذي ضرب نيو إنجلاند في أوائل التسعينات. وقام منظمو الضوابط آنذاك بإجبار البنوك كي تتخلص من ديونها عن طريق بيع ودائعها في سوق منهار، وهذا ما جعل دورة الهبوط أسوأ.

كذلك يريد المسؤولون الفيدراليون تجنب أن يكونوا متساهلين بشكل كبير، مثلما كان الحال مع السلطات اليابانية خلال الأزمة المالية الطويلة التي عصفت باليابان. إذ سمح للبنوك اليابانية أن تبقي القروض السيئة في سجلاتها أملا بأن تتمكن من تطوير وسائلها للخروج من الأزمة. بدلا من ذلك أدت السياسة اللينة إلى تطويل فترة الأزمة.

وما يخيف مسؤولي البنوك المركزية اليوم هو تبخر الثقة من النظام؛ فالبنوك لا تثق بعضها ببعض من حيث الأرقام التي تقدمها، طالما أنه لا يوجد شخص قادر على معرفة القيمة الحقيقية للأوراق المالية الداعمة للقروض العقارية التي يحملها كل طرف، فإنها تظل تفترض وقوع الأسوأ. وهذا ما جعلها تراكم من السيولة النقدية باعتبارها حاجزا وقائيا ضد خسائرها وكذلك بسبب أنها عصبية حول قرض أي شخص آخر.

قال تيد ترومان من معهد بترسون في واشنطن: «المشكلة الأولية تكمن في أن البنوك لا تثق بعضها ببعض. وهي لا تستطيع أن تحصل على التمويل، لذلك فهي لا تقرض، وهذا يمكن أن يتسبب في التأثير بشكل غير مباشر على الاقتصاد بشكل أوسع».

وظهر بورتريه الأسبوع الماضي لهذه الأزمة في تقرير أصدره بنك التسويات الدولية. وحسب التقرير فإن السندات المالية الداعمة للقروض العقارية هبطت إلى 3 مليارات دولار في سبتمبر(ايلول)، مقارنة بـ 30 مليار دولار في عامي 2005 و2006. وعموما انخفض الاقتراض انخفاضا حادا مع إصدار سندات مالية وأوراق نقدية في الربع الثالث أقل من نصف ما تم إصداره في الربع السابق.

كيف يشعر اللاعبون الأساسيون بهذه السوق عند ساحة الفعل؟ سألت أحد المسؤولين عن الاستثمارات الخالية من المخاطرة hedges فقال إنه ظل خارج السوق لأنه غير متيقن مما يجب فعله وأضاف: «إذا كان هناك شخص ما قادرا على أخذي خارج كل مواقعي فسأقوم بذلك».

هذا هو السوق المالي المكافئ لأن تقول إنك تريد أن تبدأ كل شيء من جديد فبعد ستة أشهر على انهيار سوق الائتمان، هذا هو ما يشعر به اللاعبون الأساسيون على الأسواق أن تغرق أكثر قبل قدوم النسور كي تحمل كل الفضلات وتبدأ عملية إعادة البناء من جديد.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aawsat-18-12-2007