"ملك العملات"...لماذا يتراجع؟

 

 

بيتر جرير

 

 

يُعد الدولار الأميركي منذ أزيد من نصف قرن العملةَ المهيمنة على العالم، إذ يتم تحديد أسعار معظم السلع العالمية اليوم بالدولار، حتى وإن كانت السلعة المذكورة لن تُشرى أو تباع من قبل شركة أميركية. ثم إن معظم معاملات البنوك الوطنية المركزية مع الخارج يتم بالدولار، وليس الجنيه الإسترليني البريطاني، أو اليوان الصيني، أو الين الياباني. غير أن ملك العملات عانى الكثير خلال الأشهر الأخيرة. فمنذ أغسطس الماضي تقلصت قيمة الدولار بنحو 6 في المئة من قيمته، ولعل الأخطر من ذلك هو أنه قد يكون بصدد فقدان بريقه في الخارج: فالسياح، على سبيل المثال، لم يعودوا قادرين على الدفع بالدولار لزيارة "تاج محل" وأماكن جذب سياحية أخرى في الهند.

فهل الدولار متجه نحو فقدان مكانته العليا والمزايا المالية الوطنية التي ينطوي عليها ذلك؟ الواقع أنه سبق للدولار أن مر بأزمات في الماضي قبل أن يسترجع عافيته، ولاسيما خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات. ولكن ثمة فارقاً هذه المرة، ذلك أن للدولار اليوم منافساً ذا مصداقية هو اليورو. وفي هذا الإطار، يقول ويليام سيلبر، أستاذ المالية بجامعة نيويورك ومؤلف كتاب حول التفوق النقدي لأميركا: "إننا في وضع هش. ولكن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها، فعلينا أن نرى اليورو وقد فرض نفسه كعملة إدخار آمنة".

يسمي المهنيون الماليون العملةَ الرئيسية في العالم "عملة الاحتياط العالمي"؛ ذلك أن المصرفيين والقطاعات المختلفة في العالم مستعدون لقبولها مقابل عملات أو منتجات أخرى. فالأجانب سعداء باستعمال الدولار باعتباره الوسيلة الرئيسية لخزن الثروات، وهم مستعدون للقيام بذلك لأنهم متأكدون من أن الولايات المتحدة ليست راحلة، ولأنهم يؤمنون (في الوقت الراهن على الأقل) بأن "الاحتياطي الفيدرالي" (البنك المركزي الأميركي) سيتحكم في مستوى التضخم الداخلي الذي يتسبب في خفض قيمة الممتلكات المسجلة بالدولار. وفي هذا السياق، يقول "راسل روبرتس"، الخبير الاقتصادي بجامعة جورج مايسون الأميركية: "العديد من الناس يحملون الدولارات فقط ، لأنها سهلة الاستعمال. فالجميع مستعد لقبولها مقابل عملات أخرى أو غير ذلك".

ويمكن الوقوف على مكانة العملة الأميركية من خلال ما يلي: شركة صناعة إيرباص لصناعة الطائرات تُسعر طائراتها بالدولار، كما أن نحو 85 في المئة من صادرات كوريا الجنوبية تسعَّر بـ"الورقة الخضراء"، وذلك بالرغم من أن نحو 21 في المئة فقط منها توجه للولايات المتحدة. وبصفة عامة، فإن نحو 65 في المئة من احتياطيات العملة الخارجية المعروفة في العالم هي بالدولار، وذلك حسب إحصائيات مركز النقد الدولي.

وتستمد الولايات المتحدة قوة جيوسياسية وسمعة من مكانة الدولار، تماماً مثلما حدث مع البريطانيين عندما كان الجنيه الإسترليني هو العملة المهيمنة. فهو سهل الاستعمال بالنسبة للمصدرين والمسافرين الأميركيين ويعني المزيد من التجارة والأعمال بالنسبة للبنوك الأميركية. بيد أن الدولار لم يبدُ في حالة جيدة مؤخراً؛ حيث أخذت قيمته في التراجع تدريجياً مقابل عملات قوية أخرى منذ نحو خمس سنوات؛ وفي الأسابيع القليلة الماضية، كاد هذا التراجع أن يتحول إلى انحدار قوي. فمنذ أغسطس، تراجع الدولار بنحو 6.6 في المئة مقابل اليورو، وبنحو 4.7 في المئة مقابل الين.

وكمثال على المتاعب التي يعانيها الدولار. كانت الكويت مثلاً تربط عملتها في ما قبل بالدولار، ولكنها تخلت عنه في يوليو الماضي. هذا في وقت يدور فيه الحديث بشكل متزايد في عدد من بلدان الخليج العربي الأخرى عن إمكانية التحول إلى سلة عملات. وإضافة إلى ذلك، سعت فنزويلا وإيران سدى خلال مؤتمر القمة الأخير لمنظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" إلى إقناع أعضاء المنظمة الآخرين بتسعير النفط بسلة من العملات بدلاً من الدولار؛ وقال الرئيس الإيراني ساخراً إن الدولار "قطعة ورق عديمة القيمة".

يعود هذا الانخفاض في جزء منه إلى القلق الدولي بخصوص أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، وما قد تعنيه بالنسبة للاقتصادين الأميركي والعالمي.؛ غير أن نجاح الدولار الماضي والعجز التجاري الأميركي الكبير مسؤولان أيضاً عن المشكلة. فهناك كميات كبيرة من الدولارات مخزنة عبر العالم. وفي حال سئمت الصين، مثلاً، من رؤية دولاراتها وهي تفقد قيمتها وقررت مبادلة مبالغ كبيرة منها باليورو، فإن تدفق سيل العملة على السوق يمكن أن يضعف قيمة الدولار أكثر. وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من تعويم الدولار وانخفاض قيمته. وبالتالي، فإن مستقبل الدولار كعملة للاحتياط العالمي تتوقف بشكل كبير على أداء الاقتصاد الأميركي وسياسات الولايات المتحدة الخاصة.

على المدى القريب، من غير المرجح أن يكون وضع العملة الأميركية في خطر؛ ذلك أن جزءا كبيراً جداً من العالم المالي معتاد على التعامل بالدولار. كما أن الكثير جداً من أنظمة الكمبيوتر مبرمجة على التعامل بتسعيرة الدولار؛ والكثير جداً من المهنيين سخَّروا حياتهم المهنية لمتابعته. وفي هذا السياق، يقول "سيلبر": "هناك مقاومة قوية للتغيير في ما يتعلق بالوسيلة التي نستعملها في التبادل" ولكن على المدى المتوسط، وفي حال استمرت الولايات المتحدة في تسجيل عجز تجاري كبير عبر شراء كميات هائلة من نفط "أوبك" والسلع المصنعة في الصين من دون ارتفاع مواز في الصادرات الأميركية، فإن مصرفيي العالم قد يفكرون جدياً هذه المرة بخصوص الخيارات الممكنة. وهنا يأتي دور اليورو!

*صحفي أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad-18-12-2007