محنة صناعة النفط العراقية سببها غموض الدستور

 

 

وليد خدوري

 

 

في خضم الأزمات الإنسانية والسياسية العديدة التي يمر بها العراق حالياً، ثمة مشكلة اقتصادية حيوية ستؤثر سلباً في مسيرته الاقتصادية في المستقبل المنظور، كما تؤثر فيه الآن، تتمثل في الغموض الذي يحيط بالمواد الدستورية المتعلقة بإدارة الثروة النفطية والغازية للبلاد.

يذكر ان كاتباً أميركياً معروفاً بمقالاته التي تدعو إلى تقسيم العراق هو من حرر هذه المواد قبل إملائها حرفياً على لجنة صياغة الدستور المغلوبة على أمرها حينئذ ولم تستطع تغيير النصوص المتناقضة، التي كان واضحاً للخبراء النفطيين العراقيين أنها ستؤدي إلى مشاكل مزمنة في صناعة النفط العراقية، ليس بسبب تقسيم المهام والأعمال بين المحافظات والأقاليم من جهة ووزارة النفط وشركة النفط الوطنية من جهة أخرى، بل بسبب التعمد في الغموض في توزيع المهام والمسؤوليات بين هذه الأطراف.

وخير دليل على سوء هذه البنود للصناعة النفطية، المذكرة التي رفعها أخيراً 80 خبيراً نفطياً عراقياً إلى رئيس مجلس النواب احتجاجاً على توقيع حكومة إقليم كردستان عقوداً لمشاركة الإنتاج مع الشركات الأجنبية، قبل ان يوافق مجلس النواب العراقي على قانون النفط، ناهيك عن الخلاف العلني الدائر عبر وسائل الإعلام وفي المجلس بين وزير النفط حسين الشهرستاني وحكومة إقليم كردستان. إذ يؤكد الوزير أنه لن يسمح للشركات التي توقع عقوداً مع حكومة إقليم كردستان، بالعمل في المناطق العراقية الأخرى، وأنه لن يسمح بتصدير النفط من كردستان، بينما تطالب حكومة الإقليم بإقالة الوزير، ويصرح الوزير علناً أنه مدعوم في موقفه هذا من رئيس الوزراء ومجلس الوزراء.

وتتمثل خطورة هذه المبادرة غير المسبوقة عربياً في إضعاف نفوذ الحكومة في العاصمة. والأهم من ذلك، في فتح المجال لشركات النفط العالمية للاستفادة من ضعف المؤسسات في المحافظات ومحدودية خبرتها في المفاوضات مع الشركات النفطية المدعومة بمحامين ومحاسبين وجيولوجيين عالميين، بينما تفتقر مؤسسات المحافظات في العراق إلى الحد الأدنى من هؤلاء الخبراء. وطبعاً، تفتح هذه الثغرة تساؤلات عن مقدار الشفافية في هذه العقود.

وتتلخص نقاط الاختلاف في ثلاثة أمور أساسية، هي أولاً، مدى صلاحية الأقاليم والمحافظات في التفاوض وتوقيع عقود استكشاف وتطوير مع شركات نفط عالمية ولمدة ربع قرن تقريباً، من دون استشارة وزارة النفط أو علمها لقد كان الخلاف والغموض في تفسير الدستور مقصودين وأديا كما كان متوقعاً إلى نشوب هذه الخلافات، لكن ليس بهذه السرعة وبين حلفاء أساسيين في الحكم اليوم.

وتكمن مشكلة توقيع عقود نفطية مهمة من قبل بعض المحافظات لمدة 20 أو 25 سنة، في إلزام البلد باتفاقات اقتصادية دولية من دون علم الخبراء والمسؤولين في وزارة النفط أو حتى استشارتهم. ويحتمل جداً ان تضعف هذه العقود التي لم تطلع عليها وزارة النفط عند المفاوضات، الموقف التفاوضي المستقبلي للبلد. ويذكر ان إقليم كردستان يحتوي نسبة صغيرة جداً من الاحتياط النفطي العراقي بينما 90 في المئة منه تحتويه محافظة البصرة. ومن ثم نستطيع ان نتصور الخسارة التي سيتكبدها العراق لو بادرت البصرة والمحافظات الجنوبية إلى اتباع أسلوب التعاقد الحالي ذاته المتبع في إقليم كردستان.

ويتمثل الأمر الثاني في خلق مشكلة كبيرة لصناعة النفط العراقية مستقبلاً حول ضرورة توقيع اتفاقات لمشاركة الإنتاج. والواقع ان معظم الدول النفطية في العالم تبنت اتفاقات كهذه، إلا أنها تُطبق في المناطق غير المستكشفة، إذ تُمنح الشركات الأجنبية في هذه العقود حق تملك جزء من الاحتياط ونسبة أعلى من الأرباح، بسبب تحمل الشركة العاملة المخاطرة في احتمال عدم العثور على النفط وانفاق عشرات الملايين من الدولارات لاستكشاف النفط.

ويُعتبر هذا النوع من العقود المتبع في معظم الدول النفطية محبذاً من جانب الشركات الدولية. أما في العراق، فما حصل في إقليم كردستان حتى الآن وأثار الكثير من النقد واللغط، هو منح هذه العقود لمناطق حصلت فيها اكتشافات، وفيها شواهد نفطية بل حتى القليل من الإنتاج. لذلك فإن عنصر المخاطرة الجيولوجية يكاد يكون معدوماً بالنسبة إلى الشركات الأجنبية التي وقعت هذا النوع من العقود.

ولا ندري لماذا تُمنح هذه الشركات عقوداً لمشاركة الإنتاج في غياب أي أخطار جيولوجية. والخوف كل الخوف في العراق بالذات، حيث تتواجد عشرات المناطق ذات الشواهد والتركيبات النفطية المعروفة، يكمن في ان استعمال هذا النوع من العقود لتطوير هذه المناطق، سيعني خسارة مالية كبيرة للبلد فوق كل ما مر به حتى الآن.

وتبين، ثالثاً، ان أحد العقود الموقعة، الذي حصلت عليه شركة «هنت أويل» الأميركية، يشمل مناطق خارج حدود إقليم كردستان تقع في محافظة نينوى (الموصل). ويفاقم هذا الأمر مخاوف من عدم إحاطة وزارة النفط أثناء التفاوض بتفاصيل الاتفاقات والخلافات التي ستخلقها هذه العقود التي يتجاوز بعضها حدود المحافظة أو الإقليم. وسينتج من هذه المشاكل خسارة مالية كبيرة للبلد نتيجة لتأخر استكشاف المنطقة المعينة وتطويرها لسنوات إلى حين الحصول على قرار قانوني يحل الخلاف، ناهيك عن الأتعاب والتكاليف القانونية، والخلافات السياسية المحلية التي ستنجم عن مشاكل من هذا النوع.

نرجو ان يُحال الخلاف ما بين الوزارة وإقليم كردستان إلى المحكمة الدستورية العراقية للبت فيه بأسرع وقت ممكن لتقليل الخسائر الناجمة عنه. كما نرجو ان تجد الأحزاب السياسية العراقية الشجاعة الكافية لوضع مصلحة البلد أولاً بدلاً من مصالحها الضيقة فتراجع هذه المواد قبل استفحال نتائجها وضياع ملايين الدولارات سنوياً نتيجة الخلافات التي ستنشب، والتي بدأت فعلاً الآن.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-16-12-2007