صعوبة تصوير المستقبل الاقتصادي

 

 

علي بن طلال الجهني

 

 

لم يواجه الاقتصاديون المهنيون مشكلة أكبر من مشكلة إعطاء صورة واضحة عما سيكون عليه النشاط الاقتصادي في المستقبل، سواء أكان المراد معرفة مستقبله كنشاط اقتصادي محدد كقطاع الصناعة الكيماوية، أم نشاط وطني يخص وطناً معيناً، أو منطقة تشمل دولاً عدة، أو العالم أجمع.

وإذا كان الأمر كذلك، فالسؤال: لماذا توظف المصارف وبيوت الاستثمار والمصالح الحكومية الاقتصاديين؟

والجواب يعتمد على سبب التوظيف، فإن كان لتحليل المعلومات المتوافرة، فقد يكون الاقتصاديون المهنيون أقدر الناس على أداء هذه الخدمة. وإن كان سبب التوظيف للتنبؤ أو إعطاء صورة عما سيكون عليه وضع اقتصادي في المستقبل، فإن نبوءات أقدر الاقتصاديين وتحليلات أقدر المحللين الماليين سواء لأسواق الأسهم أو لدخل الوطن لا تختلف، على المدى الطويل، عن قراء «الكف» وقراء «الفنجان».

لماذا هذه الصورة السوداء التي تعكسها المعلومات الموثقة عن تعذر تصوير المستقبل؟ هل لأن جميع من حاولوا تصوير مستقبل - أي تنبؤ - نشاط اقتصادي لقطاع أو سوق مالية أو لاقتصاد وطني عام أو كوني، هم أغبياء أو سذج أو جهلة بعلوم الإحصاء الرياضي؟

لا بالطبع، السبب الحقيقي هو الحرص على معرفة ما تتعذر معرفته بطريقة صحيحة، الآن وفي كل آن، عما سيحدث في المستقبل.

ومن الأرجح أن أي أستاذ مساعد في أية جامعة جيدة، يستطيع الحصول على كل المعلومات التي يحتاجها، عن الماضي والحاضر، ولديه النماذج المتاحة في كل كليات الاقتصاد والمال وفي الإنترنت لتوظيفها للتنبؤ بمستقبل ما يريد معرفة مستقبله.

ولكن وبعد إدخال المعلومات، وحتى ولو فرضنا أنها دقيقة، وبعد توظيف نماذج رياضية علمية، إذا تغير شيء يسميه علماء الإحصاء الرياضي، عوامل أخرى - كثيراً ما تكون أهم من كل المعلومات السابقة التي تم إدخالها في «النموذج» الكلي، التي في ذهن واضع النموذج - فإن النتائج ستتغير عما هو متوقع نوعاً أو كماً.

إن الحياة الاقتصادية، ومنذ منتصف القرن الماضي، حياة ديناميكية متحركة، أعيت كل من يحاول تثبيتها ليعرف أين ستكون. ولن يغير هذه الحقيقة وجود الأجهزة الحاسبة العملاقة والإنترنت وأخواتها.

إن من قد يسمعون في القنوات الفضائية عن «قنوات صاعدة» و «قنوات هابطة» أو مستوى «مقاومة» أو مستوى «للانطلاق» أو «للتراجع»، قد يظنون أن هذه مصطلحات أكثر من محاولة معرفة مستقبل الأسواق بناءً على الماضي أو أملاً في أن يكون المستقبل على خط مماثل لما سارت عليه عناصر اقتصادية في ماضٍ قريبٍ أو بعيد. والسبب أن العناصر المؤثرة في الحياة الاقتصادية، سواء كانت اقتصادية بحتة أم سياسية أم غيرهما من تصرفات البشر، هي بطبيعتها دائمة التغير.

وصحيح أنه كلما توافرت معلومات أكثر وأدق عن قطاع اقتصادي واحد كقطاع المصارف زادت نسبة الصواب في توقع أرباحه أو خسائره في المستقبل القريب

ومرة سُئلَ اقتصادي كبير كان يملك مكتباً للدراسات الاقتصادية، التي كانت تباع بثمن عال لكبار المصارف وبيوت الاستثمار، لماذا تبيع هذه «التنبؤات» وأنت أعرف العارفين بكثرة أخطائها؟ فكان جوابه وباختصار: لأنني أجد من يدفع لها هذه المبالغ العالية بالنسبة إلى الفرد، ولكنها في الوقت ذاته ضئيلة بالنسبة إلى القائمين على إدارة شؤون هذه المنشآت الاقتصادية الضخمة، لحماية أنفسهم من المساهمين لو لاموهم على اتخاذ قرار آني يَثبُت خطأه في المستقبل. أي ان المنشآت الاقتصادية الضخمة التي تدفع مبالغ كبيرة لإجراء دراسات عن المستقبل سواء قام بها اقتصاديون أو محللون فنيون (الأسهم والسندات) ليست إلا متاريس، في كثير من الأحيان، «يدرق» (أي يختفي) وراءها أفراد لحمايتهم من نيران المساهمين أو المالكين.

وأحياناً قد يحفز كبار بيوت خبرات الاستثمار إلى شراء خدمات محللين فنيين لـ «تخمين» مستقبل أسعار الأسهم والسندات، لأن الكثيرين من المستثمرين قد يؤمنون بصحتها، وهذا يؤدي إلى صدق النبوءات ما دام المستثمرون يتصرفون بناء عليها.

ولكن لا بد من التأكيد أن تحديد معرفة شيء سيحدث في المستقبل، من بين الأشياء التي تخضع لسنن خالق هذا الكون ليس متعذراً، لأن سنن الخالق لا تتغير.

فعلماء الفلك يعرفون ومنذ قرون، المسافة بين الكثير من الكواكب وسرعة كل منها، ولذلك يعرفون متى ستغرب الشمس ومتى ستطلع في أي مكان محدد على سطح الكرة الأرضية بالدقيقة والثانية بعد مئة سنة أو ألف سنة. وهم أيضاً يستطيعون تحديد مولد الأهلة بعد مئة سنة أو بعد شهر أو مئة ألف شهر أو اقل من ذلك أو أكثر. والسبب يعود إلى أن علماء الفلك لا يحاولون معرفة مستقبل شيء تحكمه مؤثرات متغيرة. بل أشياء تحكمها سنن خالقها التي لا تتغير.

أما النشاط البشري، وعلى وجوهه كافة، فالمتغيرات فيه أكثر من الثوابت. ومن يحاول مطاردته لتحديد صورته في المستقبل كمن يحاول اللحاق بالسراب لتحديد حقيقته.

وحتى علم النفس التجريبي، وهو أكثر العلوم الاجتماعية دقة، قد يُوظف لمعرفة التصرفات النفسية لفرد في المستقبل بناء على ما هو معروف عن ومن تصرفات هذا الفرد في الماضي، ومع ذلك لا يوجد ما يؤكد أن الفرد التي تمت دراسة حالته سيتصرف في المستقبل كما توقع أفضل المحللين أن يتصرف بناءً على تصرفاته في الماضي. وهذا لا ينفي أهمية الأدوية لمعالجة أمراض قد تبدو نفسية مع أنها جسدية أو نتيجة لتفاعلات كيماوية مع أدوية أخرى.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-4-12-2007