لماذا التوجه الخليجي شرقاً؟

 

د. طارق سيف

 

خلال الأشهر الثلاثة الماضية تواردت الأخبار حول زيارات عديدة لزعماء وقادة بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى دول مهمة في القارة الآسيوية، وتراوحت تعليقات الخبراء والمحللين والمراقبين على هذه الزيارات بين من اعتبرها توجهاً استراتيجياً جديداً، وأنها تحرك ضروري كان يجب الانتباه إليه والتركيز عليه منذ فترة طويلة لأنه مرتبط بمصالح حيوية وعلاقات تاريخية ممتدة عبر العصور، وبين من اعتبرها زيارات عادية وطبيعية تحدث كل فترة زمنية تهدف إلى تأكيد وجود علاقات خليجية مع بعض دول آسيا. فما الدوافع الحقيقية لمثل هذه الزيارات التي جرى تكثيفها في الفترة الماضية، وكأن دول مجلس التعاون الخليجي قد تذكرت فجأة أنها تتبع جيوستراتيجياً لقارة تدعى آسيا؟

لقد ظهر هذا التوجه "شرقاً" في سياسات العديد من الدول العربية منذ فترة الحرب الباردة تجاه القطب الآخر، لكنه تحول كلياً منذ أوائل التسعينيات عقب تفتت الاتحاد السوفييتي وانهيار الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا، وبروز دول شرق آسيا اقتصادياً، ثم ظهور قوى نامية آسيوية نووية، وانتباه النظام العالمي الجديد إلى وجود إشارات ودلائل في أن تصبح واحدة أو أكثر من دول آسيا قوة إقليمية عظمى، وربما تتحول إلى قطب دولي إقليمي، لذا وفي ظل نمو التكتلات بين دول آسيا وصعود قوتها على المستويين الإقليمي والعالمي كان من الواجب أن تنتبه لهذا الأمر دول العالم عامة ودول الخليج على وجه الخصوص بحكم الانتماء القاري والقرب الجغرافي.

ومن ثم نجد أن التوجه الخليجي شرقاً أمر تفرضه دوافع مهمة ومتنوعة، تضم مصالح عدة بعضها استراتيجي وبعضها الآخر اقتصادي، ومن أهم هذه الدوافع:

- تنويع مصادر العلاقات "السياسية" بعد ما أدى الارتكان السياسي الكامل على الغرب؛ وخاصة الولايات المتحدة، إلى استمرار سياسة الكيل بمكيالين، وتركيز واشنطن على مصالحها الحيوية فقط دونما أي اعتبار لمصالح الدول الأخرى.

- تنويع العلاقات "الاستراتيجية" حيث التوجه الخليجي شرقاً يتيح فهماً أوضح وأدق لدول آسيا للقضايا العربية والخليجية، الأمر الذي قد يسمح لها بالمساهمة الجادة في حل هذه القضايا بصورة عادلة تضمن حماية المصالح العربية والخليجية.

- محاولة الخروج من نفق الاتهام بالإرهاب وإثبات "طبيعة" دول الخليج، فمنذ وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 تم وضع فأس الإرهاب في عنق الدول العربية خاصة الخليجية منها، وأصبحت النظرة أن هذه الدول مشاتل لإنتاج الإرهابيين والمتطرفين.

- الاستفادة من التوهج الاقتصادي للنمور الآسيوية، وخبراتهم وتجاربهم الواقعية في التنمية الشاملة، بعد أن ارتكز التعامل الاقتصادي الخليجي على مدار نصف القرن العشرين على الغرب، وهو أمر لم يحقق الحصول على التكنولوجيا المتطورة وظهرت قيود عدة على التبادل التجاري ويجري التركيز على منتج وحيد هو "النفط" فقط.

- تصحيح مسار التعاون الاقتصادي الشامل بدلاً من التركيز على تصدير سلعة استراتيجية واحدة فقط، من خلال التوسع في جعل أسواق آسيا مجالاً مهماً لتصدير المنتجات الخليجية، حيث تشكل السوق الآسيوية مستقبلاً متنفساً مهماً للمنتجات البتروكيماوية وغيرها.

- عدم خضوع التعامل الخليجي مع آسيا للعوامل الأيديولوجية أو للأهواء والمصالح والضغوط التي اشتهر بها الغرب في سياساته واستراتيجياته الخارجية.

- ضمان حل مشكلات العمالة الأجنبية حيث يوجد في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 16 مليون عامل وعاملة من دول وسط وجنوب آسيا، بما يوفر أفضل الظروف لمنع انتقال الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية الداخلية والمشكلات البينية في الدول الأصلية للعمالة إلى دول مجلس التعاون الخليجي من جانب، ويسمح بحل أية مشكلات خاصة بأوضاع هذه العمالة من جانب آخر.

- بناء علاقات استراتيجية تسمح لدول الخليج بالوساطة والتدخل عند الأزمات بين دول آسيا لمنع تفاقمها.

- تأكيد الانتماء الخليجي لآسيا، والتعاون والتنسيق لمواجهة التهديدات والتحديات والمخاطر المشتركة.

- تزايد احتياجات آسيا المطرد والمتضاعف للطاقة، حيث تمثل شريان الحياة للاقتصاديات الآسيوية المتطورة.

- الاستفادة من خبرات دول آسيا المتقدمة في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، فقد تحولت كل من الصين والهند إلى أكبر دولتين متخصصتين في التكنولوجيا رفيعة المستوى التي ستقود الثورة التكنولوجية القادمة.

- الاستثمار وإقامة المشروعات المشتركة على نطاق كبير ومتنوع، نظراً إلى وجود فرص واعدة جديدة للاستثمار، فضلاً عن انتشار الشركات الآسيوية العالمية، وتحولها إلى منارة لنشر التكنولوجيا في العالم، وإلى المحرك الأساسي للدفع بعجلة النماء الاقتصادي في الدول غير الصناعية.

تبرز أهمية التوجه شرقاً في أنه يأتي في ظل الصعود القوي لاقتصاديات دول جنوب شرق آسيا، خاصة الصين والهند وماليزيا، هذه المجاميع الهائلة من البشر التي قررت أن تخرج من سجن الفقر إلى حرية الثروة ومن عجز الموارد إلى قدرة تنويع الإنتاج، في الوقت الذي عجز فيه العالم العربي عن تحقيق ذلك وهو الأقل سكاناً والأكثر مصادر ثروة، لقد أصبح واضحاً أن الأقطاب الكبار الجدد قادمون من الشرق، وباتت أسواق هذه الدول مطمعاً مهماً للاقتصاديات الغربية التي تعاني حالياً انخفاضاً في النمو وتبحث عن أسواق لصادراتها.

لقد استطاعت معظم دول آسيا أن تحول صراعاتها البينية وغضبها من فقرها وقلة ثرواتها الطبيعية، إلى قوة تنطلق بهم في مجالات التكنولوجيا وتسخير العمالة الرخيصة لتصبح مصدراً للعملة الصعبة.

إن للعلاقات الخليجية- الآسيوية جذوراً تاريخية وليست وليدة اليوم، وقد اكتسبت هذه العلاقات أبعاداً مضاعفة ونالت قوتها من التفاعلات التي تحققت عبر العمالة والتجارة والتفاعل الثقافي وتأييد الحق العربي في القضية الفلسطينية في المحافل الدولية عبر تجارب قديمة ومنذ أزمنة طويلة.

ولكن هناك مجموعة من المحددات يجب أن تحكم التوجه الخليجي شرقاً من أهمها: ألا يكون الموضوع موسمياً أو نابعاً من دوافع آنية بل يجب أن يتحول إلى استراتيجية واضحة ومؤكدة، وأن يضمن هذا التوجه التوازن بين توفير احتياجات آسيا من الطاقة وحصول الخليج على التكنولوجيا الآسيوية المتقدمة، وإيجاد قدر من التوازن في الميزان التجاري، وحل مشكلات العمالة في الإطار الثنائي مع تفهم دول العمالة الآسيوية لخصوصية طبيعة هذه العمالة في دول مجلس التعاون الخليجي مع عدم إنكار دور هذه العمالة في التحديث والتطوير والتنمية الخليجية، والتأكيد على وجود فرق كبير بين العمالة الآسيوية المهاجرة والعمالة المكلفة بعمل مؤقت، والاستفادة من منافسة الصين والهند للدور الأميركي في مجال الأمن العالمي.

وفيما يخص الأمن الإقليمي في الخليج تبرز الحاجة إلى تنسيق الجهود مع القوى الآسيوية للعمل على منع وصول التقنيات العسكرية المتقدمة والأسلحة الهجومية إلى الدول التي تهدد أمن واستقرار منطقة الخليج، والحد من التطرف الديني والإرهاب العابر للحدود، ومكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، والاستفادة من التطور في منظومات السلاح الآسيوي.

 التوجه الخليجي شرقاً أمر تفرضه المعطيات الجيوستراتيجية وظروف البيئة العالمية على المديين القريب والمتوسط، ولكن يجب أن يكون هذا التوجه مدروساً بدقة ووفق استراتيجية واضحة الأهداف ليمكن حصد الثمار.

وكل ذلك بحسب راي د. طارق سيف في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الاماراتيه – 23-4-2006