العراق: إشكالية إبرام العقود النفطية والمصلحة الوطنية..!

 

باقر الفضلي

 

الخلافات المتفاقمة حدتها بين الحكومة الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان، حول دستورية إبرام العقود النفطية مع الشركات الأجنبية هذه الأيام، باتت تجد صداها أخيراّ في قاعات مجلس النواب العراقي، مسببة حالة من سوء الفهم، ومن خلط غير محمود العواقب، للمصالح السياسية والقضايا الدستورية، مما يبعث على التخوف من تصاعد حدة الخلافات بين الفريقين، من مجرد خلافات شكلية حول تفسير النصوص الدستورية الى أزمة سياسية تضاف الى باقي الأزمات العالقة اليوم في مسار العملية السياسية، ومنذرة بتصدع العلاقات الأخوية والتأريخية بين مكونات المجتمع العراقي مستقبلا. وقد يبدو التشابك بين الحكومتين في هذه الشأن، علامة ظاهرة في هذا الطريق..!

ولكن وبعيداّ عن إستباق الأحداث، لابد على المراقب أن يشير الى خصوصية طابع النزاع حول مشكلة التفاهم بين الطرفين ، والبحث عن النقاط الإيجابية التي يمكن أن تساعد على إيجاد مسار اكثر واقعية للخروج من الأزمة الحالية، غير الطريق الحالي الذي ينتهجه الطرفان، والذي لا يعدو عن كونه، غير فعل ورد فعل في طريق التصعيد الذي لا يخدم المصلحة الوطنية ويزيد من شقة الخلاف..!

ما يوحد موقف الطرفين من هذه الإشكالية المعقدة، هو إتفاقهما المبدأي على أن مرجعية المشكلة برمتها تتركز في الدستور، ويمكن تأكيد ذلك من خلال تشبث كل طرف منهما بأحكام الدستور بشأن مسألة النفط والغاز، وبالذات النصوص الدستورية للمواد (110، 111،112) وأحكام مسودة قانون النفط والغاز المطروحة أمام مجلس النواب لغرض التصديق..!

فحكومة إقليم كردستان من جانبها، تضفي الشرعية الدستورية من خلال تمسكها بالتفسير الذي تجده مناسباّ لتلك النصوص الدستورية، لتبرير إبرامها لعقود النفط مع الشركات الأجنبية، ومن جانبها الحكومة الإتحادية تطعن بهذا التفسير لنفس النصوص، ولها تفسيرها الخاص لها، والذي تستند عليه في رفضها لمشروعية عقود النفط المبرمة من قبل حكومة الإقليم..!

وفي الحالتين يجد المراقب نفسه أمام تفسيرين مختلفين لنصوص دستورية، هي محط خلاف منذ البداية، مما يصبح معه، من غير المناسب أن يقف المرء الى جانب أي من التفسيرين لتلك النصوص، خاصة إذا صدرا من جهات لا تملك صلاحية التفسير للنصوص الدستورية، وذلك في حالة إذا جرى خلاف حول تفسير تلك النصوص بين جهات مناط بها التنفيذ لهذه النصوص بصورة مشتركة، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالإختصاصات – نص المادة 112 من الدستور- المشتركة بين تلك الأطراف..!

من هنا نقول وبصريح نص المادة/112 من الدستور، وليس بغرض تفسيرها، إن عملية إبرام العقود النفطية مع الشركات الأجنبية من قبل الإقليم، تندرج وطبقاّ لنص هذه المادة في رأيي، ضمن عملية التنسيق المشترك مع الحكومة الإتحادية في هذا المجال، ومن جانب آخر يصبح من المتعذر معه الإستدلال بأحكام مسودة قانون النفط والغاز بهذا الشأن لعدم قانونية هذه المسودة لعدم التصديق ..!

المادة (112):

((اولا: تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للاقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون.

ثانيا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار.))الدستور العراقي  

من كل ما تقدم، فإن كل ما يجري من تصعيد على الصعيد العملي بين طرفي الخلاف؛ من تصريحات حادة وتهديد بالتحدي او التعويل على إتخاذ إجراءات إستتثنائية، من طرف ضد الطرف الآخر، لا يصب في مصلحة حل الخلاف القائم بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم، بقدر ما يعقد المشكلة، ويفسح في الطريق أمام كل من يعشق تأزيم الأمور لغرض في نفس يعقوب، ولا يخدم من جهة أخرى مصالح الشعب العراقي عرباّ وكورداّ وقوميات أخرى..!

لقد حدد الدستور العراقي الطريق الشرعي والعادل في حالة مواجهة حدوث خلافات في تفسير النصوص الدستورية من قبل السلطات الحكومية وفي حالة المنازعات الدستورية والقانونية بين هذه الجهات، وحدد الجهة الدستورية التي تمتلك وحدها حق التفسير لنصوص الدستور، وقد أجمل كل ذلك في نص المادة/93 والمادة/94 كما في أدناه:

المادة (93):

تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي:

اولا: الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة.

ثانيا: تفسير نصوص الدستور.

ثالثا: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الافراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة.

رابعاً: الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية.

خامسا ً: الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الاقاليم أو المحافظات.

سادساً: الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وينظم ذلك بقانون.

سابعا ً: المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.

ثامنا ً:

أ- الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم.

ب- الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للاقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في اقليم.

المادة (94):

قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة.

وبالتالي فإنه من نافل القول، أن يتم الإلتزام بنصوص الدستور في هذه المسألة الخلافية، من قبل الأطراف المختلفة، وإحالة الخلاف الى ( المحكمة الإتحادية العليا) لأنها الجهة الدستورية الوحيدة التي تمتلك حق البت في مثل هذه الخلافات، و تجميد عملية إبرام العقود لحين البت في دستوريتها من قبل المحكمة المذكورة..!

وهذا لعمري، وحده الإجراء الذي يتطابق مع الدستور في ظروف الخلاف الحالي، ووحده من يكفل التهدئة ويطفيء نار التصعيد، ويقطع الطريق على المتصيدين في المياه العكرة، ويعزز وحدة وتلاحم الشعب أمام الأخطار.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:akhbar