فوضى العملات.. سيف على رقاب الجميع

 

جير الدين باوم

 

 

بالنسبة لـ"إيف سان لوران" دار تصميم الأزياء الفرنسية المشهورة، التي تُصنِّع منتجاتها بشكل حصري في أوروبا، أصبح الانخفاض المستمر في قيمة الدولار الأميركي في مقابل اليورو في الوقت الراهن، يشكل قلقا دائما، لدرجة أن المدير العام للدار" فاليري هيرمان" تجد نفسها الآن تفكر في أمور لم تكن تفكر فيها من قبل، مثل عدد الجيوب في كل تنورة، وثمن التطريز المثبت على الفستان؛ و"هيرمان" مصممة على ضرورة قيام "إيف سان لوران" بإضافة تشكيلة من الفساتين التي لا تزيد أسعارها عن 1900 يورو، إلى قائمة معروضاتها من الفساتين.

منذ ستة شهور فقط كان هذا المبلغ يعادل 2,565 دولارا، أما اليوم فإن الدار مضطرة لبيع نفس النوع من الفساتين بزيادة تبلغ 215 دولارا لتحقيق نفس الربح تقريبا، وهو ما ترفضه "هيرمان" لأنها لا ترغب كما تقول في تحميل تلك الزيادة على عاتق المستهلك، ولكنها تقول إنها إذا ما استطاعت توفير جيب من الجيوب التي كانت توضع على الفساتين دون أن يؤدي ذلك إلى التأثير على جودة التصميم وجماله، فإنها لن تتردد في ذلك.

يشار إلى أن ارتفاع اليورو والانخفاض المستمر في الدولار أصبحا يضغطان على المصدرين الأوروبيين، ويقلصان من أرباحهم، ويضاعفان من خسائرهم، ويزيدان من نسبة الاستغناء عن الموظفين، بل ويؤديان أحيانا إلى إغلاق بعض المصانع. والمنتجون لا يكتفون في الوقت الراهن بالحد من إنتاج السلع والبضائع المتجهة إلى السوق الأميركية، ولكنهم يفكرون أيضا في إعادة النظر في الطريقة التي تنفذ بها أعمالهم،؛ يذكر في هذا السياق أن اليورو قد تجاوز حاجز 1.47 دولار وهو ما يعني أنه قد ازداد بنسبة 11.5 في المائة مقارنة بالدولار منذ بداية العام. ويمكن للجنيه البريطاني والين الياباني، واليوان الصيني المُقيّم بأقل من قيمته الحقيقية أن تلعب دورا في قصة فوضى العملات الحالية وذلك كما يرى المصدرون الأوروبيون.

أكثر تداعيات هذه المشكلة بروزا، ذلك الأثر الذي أحدثته العلاقة بين اليورو والدولار على صناعة الطيران، وخصوصا بالنسبة لشركة إيرباص الفرنسية، التي تعتبر المنافس الرئيسي لشركة البوينج الأميركية؛ فانخفاض الدولار أدى إلى جعل أسعار طائرات البوينج أرخص خارج الولايات المتحدة الأميركية، وجعل بالتالي أسعار إيرباص أغلى. وقد وصف "لويس جالوا" المدير التنفيذي لـ"EADS" الشركة الأم لإيرباص مؤخرا، الانخفاض المستمر في العملة الأميركية، بأنه شبيه بسيف معلق فوق رأس الشركة ومستقبلها، ووعد بتوفير 1 مليار يورو من إجمالي نفقات التشغيل بحلول عام 2010 أو 2011 على أقصى تقدير.

وهو ما يعني أن الشركة ستستغني عن عدد من الوظائف يفوق العدد الذي تقرر توفيره بالفعل والبالغ 10 آلاف وظيفة، وهو العدد الذي تحدد بموجب القرار الذي تم اتخاذه عندما وصل سعر اليورو إلى 1.35 مقابل الدولار .

في تصريح كان قد أدلى به أثناء حضوره لفعاليات معرض دبي للطيران قال "توم إندرز" رئيس شركة إيرباص – حاول من خلاله إلقاء المزيد من الضوء على المشكلة التي تعاني منها شركته-: "كما تعرفون، فإنه إذا ما انخفض الدولار بمقدار 10 سنتات فسوف نكون مطالبين بتوفير 1 مليار يورو إضافي، ولهذا السبب تحديدا فإن إيرباص تمر في الوقت الراهن بعملية تحول جوهري، بل ويمكن القول بعملية تغيير كامل للاتجاه، أي أننا باختصار في طور خلق إيرباص من جديد".

التأثير الأقل دراماتيكية -وإن لم يكن الأقل أهمية- هو المتعلق بالشركات الأوروبية الأخرى التي تصدر معدات متطورة، كما تصدر المنتجات التقنية، ومواد التجميل، والسيارات، والبضائع الترفيهية. فبالنسبة للشركات التي تبيع جزءا كبيرا من بضائعها في الولايات المتحدة، أو تتنافس مع شركات تتعامل بالدولار يعتمد البقاء في السوق على رفع الأسعار، وتخفيض تكلفة الإنتاج، والتحوط ضد تقلبات العملات.

في كل يوم تقريبا تعلن شركة جديدة في أوروبا تعرضها للمزيد من الخسائر، واضطرارها إلى تخفيض عدد الوظائف، وتُرجِع ذلك لفوضى العملات؛ في الشهر الماضي كانت شركة "رولز رويس" البريطانية هي التي أعلنت أنها تريد نقل 230 وظيفة ونقل عملياتها الخاصة بتصنيع التوربينات الصناعية من مصنعها الحالي الكائن بالقرب من" ليفربول" إلى مصنع آخر يقع في "مونت فيرمون"، بولاية أوهايو الأميركية، بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج وقوة الجنية مقابل الدولار.

يقول بعض المحللين إنه كان يتعين على المسؤولين الحكوميين أن يعملوا على التخفيف من قلق المصدرين منذ مدة ولكنهم لم يفعلوا ذلك سوى مؤخرا، عندما أدلى "جان كلود تريشيه" -رئيس البنك المركزي الأوروبي بتصريح علق فيه على التغير في أسعار العملات ووصفها بأنها تغيرات "وحشية". ولكن "رينولد جيجر" -رئيس شركة "لوكسيتان أوف بروفينس"- لم يعجبه اكتفاء "تريشيه" بالإدلاء بهذا التصريح بعد طول انتظار، وأعرب عن غضبه لأنه لم يتدخل في اللحظة المناسبة لمساعدة المشروعات الصغيرة، وكتب إليه رسالة شاكيا من أن 12 في المائة تقريبا من أرباحه البالغة 400 مليون دولار سنويا قد تبخرت على مدار العام الماضي بسبب تغيرات أسعار الصرف.

في الوقت الراهن تقوم الكثير من الشركات الأوروبية الكبيرة والصغيرة بنقل بعض عملياتها الإنتاجية خارج حدود أوروبا وأحيانا خارج نطاق منطقة اليورو، وذلك إلى مناطق ودول أخرى تتميز بانخفاض أسعار العمالة مثل الصين وشرق أوروبا أو الهند مع الاستمرار في وضع ملصق يفيد بأن بضائعها "مصنوعة في أوروبا" على أساس أن بعض أجزاء منتجاتها لا يزال يصنع في القارة."

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitehad-2-12-2007