انقلاب ماهية عملة العالم لتصبح مشكلة أمريكا؟

 

كريشنا غوها

 

 

للولايات المتحدة تقاليد طويلة الأمد (إن لم تكن متواصلة) في اللامبالاة إزاء ضعف الدولار، يعود تاريخها إلى جون كوناللي وزير خزينة حقبة نيكسون، الذي قال على نحو شهير لمجموعة من الأوروبيين الزوار: الدولار عملتنا ولكنه مشكلتكم. والعنوان الرسمي اليوم هو أن للولايات المتحدة سياسة "دولار قوية" ولكن لا يبدو أنه يعني أكثر من مجرد دعم لسعر الصرف الذي تحدده السوق ومنذ ذروته في 2002 تراجع الدولار بنحو 24 في المائة على أساس تقييم التداول، مع تراجع أكثر حدة بكثير بلغ 41.2 في المائة مقابل اليورو و32.8 في المائة مقابل الجنيه الاسترليني. وتسارعت وتيرة هذا التراجع عندما تكشفت أزمة الائتمان، حيث هبط الدولار 8.8 في المائة مقابل اليورو منذ آب (أغسطس) الماضي.

وحتى يومنا هذا كان التراجع في حقيقة الأمر مشكلة للأجانب إلى حد كبير، فالشركات المتمركزة في أوروبا والمناطق الأخرى التي لديها أسعار صرف معومة فقدت تنافسيتها قياساً بالشركات الأمريكية. وعانى المستثمرون الأجانب من معدل عوائد رديء على استثمارات الدولار ،عندما يعاد صرفها إلى عملتهم الخاصة. في المقابل ارتفع صافي الصادرات الأمريكية. وكان المقصود من تخفيضات "الاحتياطي الفيدرالي" لمعدلات الفائدة في أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) الماضيين، أن تعمل جزئياً على زيادة الصادرات الأمريكية أكثر بإضعاف الدولار.

في غضون ذلك، عمل التخفيض على زيادة صافي الممتلكات الأمريكية من الأصول في الخارج، بجعل الأصول الأمريكية التي يملكها المستثمرون الأمريكيون، أكثر قيمة قياساً للأصول الأمريكية التي يملكها المستثمرون الأجانب ولم يرد المستثمرون الأجانب بطلب عوائد أعلى لتعويض مخاطر العملة، رغم أن الولايات المتحدة ما زالت تمر بعجز حساب جارٍ كبير. وبذلت الشركات الأجنبية قصارى جهدها لرفع أسعار الدولار الذي يتقاضونه من الزبائن الأمريكيين، بكبح انتقال ضعف العملة إلى تضخم.

على أية حال، قد لا يخلو الدولار الضعيف من المشاكل بالنسبة للولايات المتحدة في المستقبل، كما كان الحال في الماضي. لقد أصبح التراجع في الدولار ملحوظاً ومتواصلاً بحيث برزت ثمة مخاطر متزايدة بوجود تضخم مستورد ويتزايد هذا الأمر بحقيقة أن أسعار الطاقة والسلع يدفعها بلغة الدولار، الطلب القوي في آسيا وحذر نيكولاس ساركوزي الرئيس الفرنسي الكونغرس بقوله: لا يمكن أن يبقى الدولار مشكلة الآخرين وإذا لم نكن حذرين، فإن الذعر النقدي يمكن أن يتحول إلى حرب اقتصادية. وقد نكون جميعنا ضحاياها.

إن تراجع الدولار يشعل التوترات الاقتصادية والتجارية وفي الوقت ذاته، فإنه يضيف إلى مخاطر التضخم وفقاعات أسعار الأصول في الأسواق الناشئة سريعة النمو، مثل الصين، التي تربط عملتها بالدولار وباختصار، فإنه يبلور المشاكل الهيكلية في اقتصاد عالمي، حيث يوجد في بعض القوى التجارية الرئيسية أسعار صرف ثابتة، بينما يوجد في أخرى أسعار معومة.

يقول ديفيد وو من "باركليز كابيتال" إن الدولار فقد جنته الآمنة، في الوقت الذي تفاقمت فيه أزمة الائتمان، حتى أن بعض المعلقين يقولون إن الأسواق تتصرف، كما لو أن الدولار فقد مركزه كعملة العالم الاحتياطية. إن العملات لا تفقد مركزها الاحتياطي بين ليلة وضحاها، بيد أن الثقة العالمية مضطربة بشكل واضح. يمكن أن يحدث أحد هذه الأشياء الثلاثة.

يمكن أن يستقر الدولار، ويعتقد "الاحتياطي الفيدرالي" أن المستثمرين ربما استفادوا فعلياً، من الانخفاض اللازم لتعديل العجز الأمريكي. وإذا استقر الدولار، فسوف يبقى إلى حد كبير مشكلة للأجانب.

قد يستمر الدولار في التراجع ولكن بطريقة منظمة، دون أي زيادة في المخاطر على العوائد التي يطلبها المستثمرون الأجانب للاحتفاظ بالأصول الأمريكية. وإذا كان الحال كذلك، فإنه سيكون أيضاً مشكلة للأشخاص خارج الولايات المتحدة.

أو قد يستمر الدولار في التراجع بطريقة غير منظمة بشكل متزايد، يصاحبه ارتفاع في المخاطر على عوائد الأصول الأمريكية. وإذا حصل ذلك، فسوف يصبح مشكلة كبيرة للولايات المتحدة. ويجب استبعاد ذلك الأمر إن مخاطر حدوث ركود أمريكي تزايدت في أعقاب أزمة الائتمان، وقللت من جاذبية الأصول الأمريكية.

في غضون ذلك، فإن الاحتمال زاد من إمكانية أن يعمد بلد واحد أو أكثر من البلدان التي تربط عملتها بالدولار، بفك ذلك الارتباط معه، مما يقلل مصدراً للطلب على الدولار. وعلاوة على ذلك، فإن مشهد البنوك الأمريكية التي تصارع لإيجاد مقدار ما خسرته فيما يتعلق بالمنتجات الائتمانية، هز الثقة في الأسواق الأمريكية.

صاحب أحدث تراجع في الدولار هبوط أسواق الأسهم، وزيادة توزيعات الائتمان د تكون تلك مصادفة - تبقى عوائد السندات طويلة الأجل الأمريكية متدنية. ولكنها قد تكون إشارة إلى أن الأجانب بدأوا بطلب عوائد أعلى على أصول الدولار وفي أسوأ الحالات، فإن المخاوف إزاء الدولار يمكن أن تؤدي إلى تخبط للوصول إلى مخرج.

وقد يعمل "الاحتياطي الفيدرالي" تحت الضغط على رفع معدلات الفائدة لتحسين الدولار المنهار، وتعديل نبضه التضخمي - في اللحظة التي يمكن أن يحتاج فيها الاقتصاد إلى إجراء تخفيضات على معدلات الفائدة ومثل هذه النتيجة المتطرفة ما زالت غير محتملة ولكن حتى إذا انتهت هذه الحادثة نهاية سعيدة بالنسبة للولايات المتحدة، فإن ثمة دروساً يستفاد منها.

أولاً، في الوقت الذي تشق فيه السياسة النقدية طريقها بشكل متزايد خلال أسعار الصرف، فإن البنوك المركزية سوف تكون معرضة للجدل السياسي الدولي.

ثانياً، إن عجز الحساب الجاري الأمريكي الكبير، يعقد جهود "الاحتياطي الفيدرالي" للتعامل بقوة مع مخاطر النمو، لأن أي اقتصاد عاجز سيكون عرضة دوماً على الأرجح، إلى فقدان ثقة المستثمر العالمي.

ثالثاً، ثمة ظروف قد لا يستطيع فيها "الاحتياطي الفيدرالي" إنقاذ الاقتصاد والأسواق المالية الأمريكية. وبالنسبة للمستثمرين المعتادين على الاعتقاد بأن "الاحتياطي الفيدرالي" قوي للغاية، فإنها فكرة متزنة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqtesadiah