على مائدة قمة الذهب الأسود الدولية

 

 

عيد بن مسعود الجهني

 

 

وُلِدَتْ منظمة «أوبك» في 14 أيلول (سبتمبر) 1960، من رحم مؤتمر بغداد الشهير في العاشر من ايلول (سبتمبر) من العام نفسه الذي شارك فيه ممثلو السعودية، العراق، الكويت، إيران، وفنزويلا، وأقروا تأسيس المنظمة، وكان المخاض عسيراً، وجاء الميلاد في ظروف سوق نفطية غاية في التعقيد، في حقبة من التاريخ النفطي تسيطر فيها شركات النفط العالمية على السوق العالمية لهذه المادة وتملك القوة والنفوذ في كل نواحيهما - الاكتشاف والإنتاج والتسعير والنقل - فهي المنتجة والمصدرة والمستوردة للنفط.

وعلى رغم الأهداف النبيلة التي ضمنتها «أوبك» دستورها، وفي مقدمها حماية مصالح أعضائها والعمل على استقرار الأسعار في السوق الدولية للنفط، إلا أن البداية كانت غير مبشرة، فشركات النفط الكبرى ومعها الدول الصناعية لم تول المنظمة الوليدة نظرة الاهتمام التي تستحقها، إذ اعتقدت بأن دور المنظمة المستقبلي في رسم سياسة النفط الدولية سيكون محدوداً، بل إن وكالة الاستخبارات الأميركية أعدت تقريراً سرياً جاء في 43 صفحة لم يعط لتلك المنظمة بعد مضي شهرين على ولادتها الصعبة سوى أربعة اسطر، ما يؤكد عدم اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بـ «أوبك» على رغم ان أميركا هي اكبر مستهلك للنفط على المستوى الدولي.

إذاً، لم تكن البداية مبشرة لهذه المنظمة وبقيت حالها هكذا حتى بزغت شمس عقد السبعينات من القرن الماضي، ليدق الخير أبواب «أوبك» بعد ان استفاقت من نومها العميق وتكاتف أعضاؤها ووحدوا صفوفهم وسيطروا بشكل كبير على سوق النفط الدولية، وعزز موقفهم تغيير ظروف العرض والطلب، إذ رجحت كفة الطلب على العرض، وظهرت على السطح بوادر النقص في الإمدادات نتيجة زيادة الطلب على النفط. ومن هنا بدأ نفوذ «أوبك» يقوى ويعلن عن نفسه على رغم أنها ليست صاحبة القرار الوحيد في سوق النفط الدولية، فهناك دول كثيرة منتجة للنفط خارج «أوبك» تمسك بأوراق اللعبة وعلى رغم ذلك فإن تأثير «أوبك» أصبح واضحاً حتى ان اتفاق الغات GATT في تلك الحقبة من التاريخ وصفها بأنها تكتل احتكاري في وجه الدول الصناعية، هدفها تقييد تجارة النفط ورفع أسعاره.

وفي حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973 خرجت صرخة كان لها دويها لتضيف بعداً مهماً الى الهدف الاقتصادي الذي حدده دستور المنظمة هو البعد السياسي، وعرف العالم ان النفط له أثر مباشر في الصراعات الدولية، وأدرك ان النفط هو المحرك الرئيسي للاقتصاد الدولي واقتصاد الدول الصناعية بوجه خاص، وان عصر النفط الرخيص قبل 1973 قد انتهى الى غير رجعة، وان ما تعودت عليه محطات شحن الوقود في بعض الدول الصناعية من منح حسومات عليه لدفع عجلة بيعه لسنوات طويلة بسبب حجم المعروض منه أصبح من الذكريات.

ومع سيطرة «أوبك» على الأسعار العالمية للنفط في عقد السبعينات ونجاحها خلال عامي 1973 و1974 في رفع السعر من 2.90 دولار الى 11.65 دولار للبرميل الواحد، انتهت مرحلة مهمة في تاريخ الصناعة النفطية التي كانت تنفرد فيها الشركات الكبرى بسلطة التسعير التي احتكرتها لفترة تناهز نصف قرن.

وتغيرت نظرات الاستصغار التي كانت دول العالم الصناعي وشركات النفط الكبرى ومؤسساته تنظر بها الى «أوبك» عند مولدها، وتغيرت طريقة التعامل معها وتغيرت لهجة التقارير التي تكتب عنها، إذ اعتبر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن في تقرير له ان «أوبك» هي القوة الاقتصادية السادسة في العالم آنذاك، ونشر ذلك التقرير في «الفايننشال تايمز» اللندنية عام 1974 وجاء فيه: «ان عام 1973 شهد ظهور قوة اقتصادية سادسة في العالم هي الدول أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط التي أضيفت الى القوة العسكرية لكل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي (السابق) والصين واليابان ودول السوق الأوروبية المشتركة». وطبقت «أوبك» خلال عقد السبعينات سياسة سعرية وإنتاجية مكنتها ان تواجه التحديات والضغوط الدولية التي تعرضت لها، وخصوصاً من جانب الدول الصناعية الكبرى وحققت انتصارات دعمت من مركزها ووطدت مكانتها في المجتمع الدولي.

ولتأكيد قوة «أوبك» التي بدأت أسعار نفوطها في الارتفاع المستمر خلال عقد السبعينات، عقد ملوك ورؤساء دول المنظمة أول قمة لهم في الجزائر في شهر آذار (مارس) 1975، وأصدروا إعلاناً مهماً أكد أهمية قيام دول المنظمة بالتشاور والتنسيق مع الدول المستهلكة، لدعم نظام اقتصادي عالمي على أساس من العدالة والنظام المشترك بين المنتجين والمستهلكين. وأخذت أسعار النفط طريقها للارتفاع المستمر حتى بلغت 40 دولاراً في أوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي كنتيجة حتمية للثورة الإيرانية ثم الحرب الإيرانية - العراقية، قبل ان تبدأ نزولها التدريجي لتبلغ عام 1986 حوالي 7 دولارات للبرميل الواحد، بعد ان توالت الأزمات على «أوبك» وكان معظم هذه الأزمات من داخل المنظمة نفسها.

أزعج هذا التدني الكبير في أسعار النفط منظمة «أوبك» فنهضت وعقدت مؤتمراتها الوزارية لرفع أسعار النفط مركزة على قاعدتي رفع الإنتاج أو خفضه، وتمكنت بذلك من تحسين مستوى الأسعار باتخاذ موقف دفاعي والحيلولة دون انهيار جديد ورفع الأسعار، وهو أمر معقول يدعم ويؤكد استقرار سوق النفط الدولية.

ومع هذا فإن المتتبع لسياسة المنظمة منذ أواسط الثمانينات وحتى أواخر التسعينات وتحديداً بين عام 1986 و 1998 يصل الى نتيجة مؤداها ان المنظمة لم تتمكن من نهج أسلوب محدد في سياستها النفطية، ما عدا قيامها بخفض الإنتاج عندما تتدنى الأسعار وتصل إلى نقطة حرجة، كما حدث عند الانهيار الكبير في الأسعار عام 1986 ثم في عام 1998.

وفي عامي 1999 و 2000 عندما انخفضت الأسعار لجأت «أوبك» الى خفض الإنتاج، ما أدى إلى تحسن الأسعار حيث كان موضوع الأسعار على جدول أعمال القمة الثانية لـ «أوبك» التي عقدت يومي 27 و 28 ايلول (سبتمبر) 2000 في كاراكاس، وصدر عن المؤتمر إعلان كاراكاس الشهير الذي أكد التزام المؤتمرين توفير إمدادات نفطية كافية وآمنة للمستهلكين في أوقاتها المناسبة وبأسعار معتدلة ومستقرة، من شأنها ان تسهم في استقرار السوق والنمو المستدام للاقتصاد العالمي، إضافة إلى التعاون بين «أوبك» والدول الأخرى المصدرة للنفط وإيجاد قنوات جديدة فاعلة للحوار بين منتجي النفط ومستهلكيه.

ان القمة الثالثة لدول منظمة «أوبك» التي تنعقد اليوم في العاصمة السعودية الرياض صاحبة اكبر احتياطي نفطي عالمي (264 بليون برميل) واكبر مصدر له، إذ يبلغ إنتاجها اليومي حوالي 9 ملايين برميل، تأتي في ظروف دولية غاية في التعقيد تشهدها سوق الذهب الأسود. فهذه القمة الدولية التي ستبحث الأسعار التاريخية التي دقت باب المئة دولار، وقد تتخطاها إذا تعقدت الأجواء الدولية وزادت حدة التوتر بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة وإيران، هذا إضافة الى عوامل أخرى منها الحالة المزرية في العراق والأجواء الساخنة بين الأكراد في كردستان وانقرة، وتأزم الوضع في لبنان، ناهيك عن الوضع في فلسطين بسبب الاحتلال الإسرائيلي وتدني أداء المصافي في أميركا وتعرُّض بعض المنشآت النفطية للتخريب في بعض الدول المنتجة للنفط، وآخرها ولن يكون الأخير مهاجمة أنابيب النفط الخميس الماضي التي تملكها شركة «شل» في جنوب نيجيريا، وكلها عوامل تسهم في رفع أسعار النفط.

ونحن نتوقع ان تكون على جدول أعمال القمة النفطية الدولية مسائل مهمة منها الارتفاع السريع في الأسعار وتطمين الدول المستهلكة الى إمدادات نفطية آمنة لدعم رخاء ورفاهية العالم، على رغم ان القمة على ما يبدو لن تقرر زيادة الإنتاج، مع ان وزير الطاقة الأميركي صمويل بودمان طالب الثلثاء الماضي المنظمة بزيادة إنتاجها للحد من ارتفاع الأسعار وتراجع مستويات المخزونات من النفط، وهو ما رفضه الأمين العام للمنظمة عبدالله ابراهيم البدري قائلاً: «ان المنظمة لا ترى حاجة الى زيادة إمدادات النفط في الوقت الحالي»، وعلى الجانب الآخر فإن حماية البيئة لن تغيب عن جدول الأعمال، دعماً للحوار العالمي والمفاوضات المستمرة حول سلامة البيئة.

وهناك معضلة معقدة أمام المؤتمر تحتاج الى وقفة متأنية لمعالجة الداء العضال المتمثل في انهيار سعر صرف الدولار الذي يسعر به النفط (لسوء حظ) حتى أصبح سعر برميل النفط عند 100 دولار لا يعادل أكثر من قيمة البرميل الواحد عندما كان سعره بين 39 و40 دولاراً للبرميل عام 1981.

وعلى كل فإنه إذا كان عقد السبعينات عصرا ذهبيا لـ «أوبك» ورفعت الحروب والثورات أسعار نفوطها فإن هذه الألفية بحروبها التي شنتها الإدارتان الأميركية والبريطانية على أفغانستان والعراق أكدت سحرية الذهب الأسود، وتوافرت كل العوامل لتدعم مكانة «أوبك»، فقوي نفوذها وزادت قوتها على رغم أنها ليست الوحيدة في سوق النفط الدولية فإلى جوارها دول منتجة أخرى وشركات كبرى وكلها تعد لاعبة أساسية في ساحة النفط الدولية.

إن «أوبك» التي تسيطر على أكثر من 79 في المئة من الاحتياطي النفطي المؤكد عالمياً ويزيد إنتاجها على 30 مليون برميل في اليوم، لديها فائض بحدود 3 ملايين برميل، بينما الاستهلاك العالمي للنفط بحدود 85 مليون برميل في اليوم، ولذا فإن الدول خارج «أوبك» تزود سوق النفط الدولية بحوالي 55 مليون برميل في اليوم، وهنا يتضح ان المنظمة على رغم احتياطيها الضخم فإنها لا تنتج بكامل طاقتها الإنتاجية ولديها فائض وتبحث عن مشترين، أما الدول الأخرى فإنها تنتج كل برميل تستطيع إنتاجه، ولذا فإن التشنج الذي تشهده سوق النفط وارتفاع سعرها ليس مرده نقصاً في الإمدادات بل الى الأسباب الكثيرة التي أوردنا بعضها.

اصبح الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام منظمة «أوبك» لتؤكد مكانتها الدولية، وعليها من خلال قمتها الثالثة ان تضع الأسس السليمة لتأكيد هذه القوة ونفاذ تلك السيطرة، وألا تدع مدخلاً لسوسة الخلافات التي نتاجها الطبيعي ضعف البنيان وانهياره أو وقوفه أطلالاً لا خير فيها، وعليها تأكيد قوتها وسيطرتها حتى لا ينخر الإخفاق في كيانها.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat