هـاجس الــركــــود الإقتصادي العظـيـم

 

روبرت جيه صامويلسون

 

 

للركود بعض المنافع، لكن لا أحد يحب الآثار الجانبية له: زيادة البطالة وانخفاض الأرباح

ننتظر كلنا على ما يبدو الركود العظيم المقبل. فالجميع يعرف أن دورة الأعمال لم تُصحّح وبالتالي فإن الركود حتمي عاجلا أم آجلا. وتشير بعض المؤشرات إلى إمكانية حصوله في القريب المنظور.

فقد تدنى مؤشر ثقة المستهلكين لمجلس المؤتمر خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وفي مارس، أجاب 30 بالمائة من المستطلعة آراؤهم أن الوظائف "وفيرة" أما اليوم فباتت نسبتهم 24 بالمائة. وكل هذه العلامات نذير شؤم لأنه في ثقافتنا السياسية والإعلامية، يعتبر كل ركود كارثة أو ما شابه.

والأسبوع الماضي، خفّض الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة للمرة الثانية منذ شهر أغسطس. ويستقرّ اليوم عند 4.5 بالمائة بعد أن بلغ أعلى معدلاته الأخيرة عند 525 بالمائة. وإذا حصل ركود، فإن الاحتياطي الفيدرالي يتحمل جزءا من المسؤولية. ومع أن الاقتصاد نما بمعدل سنوي قوي قدره 3.9 بالمائة في الفصل الثالث، إلا أن علماء الاقتصاد اعتبروا هذا الارتفاع انحرافا. وهم يتوقعون نموا أبطأ أو ركودا لأن ثلاث قوى نافذة تهاجم اليوم التوسع الاقتصادي.

لنستعرض التهديدات.

أولا، الإسكان. فانهيار القطاع يتعمق. ويشير عالم الاقتصاد ريتشارد برنر من شركة "مورغان ستانلي" إلى أن مبيعات المنازل الجديدة والحالية انخفضت على التوالي 42 بالمائة و30 بالمائة مقارنة بأعلى معدلاتهما قبل أكثر من سنتين. فمبيعات المنازل الجديدة أدنى بـ47 بالمائة من أعلى نسبة لها سجلت في يناير 2006 وهي مستمرة في الهبوط. وفيما يتزايد عدد المنازل غير المباعة لاتزال أسعار العقارات في منحى هبوطي. ويجد مؤشر كايس شيلر (تيمنا بأسماء مخترعيه، عالمي الاقتصاد كارل كايس وروبرت شيلر) أن الأسعار في أغسطس انخفضت 4.4 بالمائة على الصعيد الوطني مقارنة بالسنة السابقة. ومن بين المناطق المدينية الـ20 المشمولة بالمسح، هناك خمس فقط (آتلانتا، تشارلوت في ولاية نيويورك، دالاس، بورتلاند بولاية أوريغون، سياتل) شهدت ارتفاعا في الأسعار. من جهة أخرى، انخفضت الأسعار 7.8 بالمائة في ميامي و5.7 بالمائة في لوس أنجلوس.

ثانيا، أسعار النفط ستسفر أي تهديدات للاحتياطيات الحالية (مثل الأعاصير في خليج المكسيك أو هجوم تركي على العراق) عن رفع الأسعار. وتجاور هذه الأسعار الـ90 دولارا للبرميل الواحد فيما يتحدث المحللون علنا عن إمكانية الوصول إلى 100 دولار للبرميل. وحتى قبل الارتفاع الأخير للأسعار، ازدادت تكاليف الطاقة لتبلغ 6.2 بالمائة من إنفاق المستهلكين في الفصل الثاني مقارنة بـ4.5 بالمائة عام 2002 بحسب جاك لافيري، كبير الاقتصاديين السابق في "ميريل لينش" الذي بات اليوم مستشارا اقتصاديا. وستستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في إضعاف القوة الشرائية للسلع ولخدمات أخرى وفق ما يقوله.

وأخيرا، مشاكل الائتمان. وقد تكبّد المقرضون والمستثمرون خسائر بسبب الرهون العقارية غير المدفوعة من جانب أشخاص غير مؤهلين، وهذا أدى إلى تشديد معايير الاقتراض لمستدينين آخرين. وقد يسوء الوضع أكثر قبل أن يتحسن بحسب ما تقول في تقرير جديد المحللة ديانا فازا من شركة "ستاندارد آند بورز". ومع تباطؤ الاقتصاد، تتوقع تخلفا متزايدا في تسديد السندات من جانب الشركات المستدينة الضعيفة لا سيما الشركات المنوطة بإنفاق قوي للمستهلكين (تجار التجزئة، سلاسل مطاعم المأكولات السريعة وشركات الترفيه).

ويتصدى لهذه الضغوط الاقتصادية القوية التي تدفع باتجاه الهبوط كلّي من النمو القوي في الصادرات (الذي بلغ 16 بالمائة كمعدل سنوي في الفصل الثالث) وإنفاق متزايد للحكومة الفيدرالية (وصل إلى 7 بالمائة). ويرتبط المعدل الاقتصادي بشدة بنتيجة حرب شد الحبال هذه. وفي هذه الأثناء، ما نفتقر إليه وسط كل هذه التأوهات بسبب احتمال وقوع ركود، هو حس لرؤية الأمور بنوع من النسبية.

بالطبع، لا أحد يحب الآثار الجانبية للركود: ازدياد في البطالة، وانخفاض في الأرباح ومزيد من الإجهاد. ومع ذلك، فإن الخطب الشعبية تغالي في تصوير الأضرار. وبصورة عامة، إن الركود مشكلة لكنه ليس مأساة. فمنذ الحرب العالمية الثانية، شهدنا 10 حالات ركود بمعدل واحد كل ست سنوات (وفي الواقع إن تحديدا شائعا يُعرّف الركود بأنه هبوط في الإنتاج طوال فصلين على الأقل، مع أن لجنة من علماء الاقتصاد تُجري التأريخ الحالي لدورات الأعمال). وفي ما عدا حالتي الركود الحادتين ــ ركود ما بين سنة 1973 و1975 وركود عامي 1981 و1982 ــ فقد بلغت البطالة الشهرية أعلى معدلاتها عند 7.1 بالمائة.

كما أن حالات الركود غالبا ما تغاضت عن المنافع التي تحدّ من هذا الركود. وفي الأسواق الضعيفة، لا تتمكن الشركات بسهولة من رفع الأسعار ولا زيادة معاشات العاملين. وبشكل متواز، تعاقب حالات الركود المضاربات المالية المتهورة واستثمارات الشركات الضعيفة. فالرهانات السيئة لا تؤتي ثمارا. وتساهم هذه الآثار المؤدّبة في تعزيز قوة الاقتصاد على المدى الطويل لكن مقولة كهذه تبدو قاسية لأن الأثر الأولي للركود مؤلم. اليوم، قد يؤدي ركود في الولايات المتحدة إلى عكس المنحى التصاعدي لأسعار النفط وتسريع هبوط سليم في أسعار العقارات. ويشير عالم الاقتصاد برنر إلى أن الهبوط البطيء في الأسعار يمدّد الركود في مجال الإسكان لأنه يدفع "المشترين العتيدين إلى الانتظار للحصول على أسعار أكثر إغراء". عبر وضع أسعار المنازل في المتناول، قد يسفر هبوط سريع وحاد في إحياء قطاع العقارات بسرعة أكبر.

وتلهج الألسن حاليا بعبارة "المخاطر الأخلاقية". هذه العبارة النابعة من مصطلحات التأمين تعني ما يلي: إذا أفرطت في تأمين امرئ ضد المخاطر، فقد تشجعه على سلوك غير مرغوب فيه. ومثال ذلك أن التأمين الرخيص على الفيضانات سيؤدي إلى تزايد بناء المنازل على طول الشواطئ الخطرة. ويواجه الاحتياطي الفيدرالي مشكلة مشابهة. فإذا حاول جاهدا تفادي الركود - من خلال سياسة الإنفاق السهل - فقد يخلص المستثمرون ورجال الأعمال والعمّال إلى أنه لا داعي للخوف. وعندئذ قد ينتهجون سلوكا خطرا ومسببا للتضخم يزيد الوضع سوءا و"يؤدي إلى حالة ازدهار كبرى يليها ركود بالحجم ذاته" وفق ما يحذر منه جون مايكن وهو عالم اقتصاد في معهد الشركات الأمريكية.

لقد مررنا بهذا الوضع سابقا.

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، اتبع الاحتياطي الفيدرالي سياسات الإقراض السهل عملا بفكرة - وضعها ودافع عنها علماء اقتصاديون كبار - أن الحكومة قادرة على إنهاء حالات الركود وإبقاء الاقتصاد قريبا من "العمالة الكاملة".

إلا أن السلوك السيئ الذي تم تشجيعه وقتها تجسّد في تضخم في المعاشات وارتفاع في الأسعار من جانب الشركات ولم يخش العمال من وقوع ركود لكن السحر انقلب على الساحر: فقد تلا ذلك ركود كبير فاق الـ 10 بالمائة إضافة إلى حالتي الركود القاسيتين بين 1973 و1975 ثم عامي 1981 و1982 (وبلغت معدلات البطالة القصوى: 9 بالمائة و10.8 بالمائة) إن مشكلة "المخاطر الأخلاقية" الفعلية اليوم هي أن نسلك من جديد هذا المسار الخطر.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aletehad-14-11-2007