أيام انحسار الدولار

 

محمد العريان

 

 

عملات مثل اليوان والين والوون ستتحرك إحداها أمام الأخرى، وفي مواجهة اليورو والدولار بأشكال جديدة ومفاجئة

تعرض الدولار الأمريكي لضربة موجعة أخرى الأسبوع الماضي، ولم يكن السبب فقط الأخبار الإضافية عن خسائر الديون العقارية غير المؤهلة، بل أيضا تصريحات مسؤول صيني قال إن الصين تملك "خطة واضحة جدا" لتنويع احتياطي نقدها. يعتقد معظم الاقتصاديين أن مراحل ضعف إضافية تنتظر الدولار، ومن أهم الأسئلة المطروحة: كيف سيؤثر ذلك في المستهلكين والمستثمرين في أرجاء العالم؟

إن تراجع الدولار هو جزء من عملية إعادة موازنة أكبر بأشواط وذات نتائج أهم تجري على صعيد الاقتصاد العالمي، وستتفاوت تأثيراتها تفاوتا كبيرا بين بلد وآخر. فيما تستمر الولايات المتحدة في إدارة عجز تجاري ضخم، يبقى تراجع قيمة الدولار أمرا من شبه المستحيل عدم تجنبه على المدى المتوسط إضافة إلى ذلك، من المرجح أن تتقلص حركة الاستثمارات في سندات الدولار مع استمرار بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض معدلات الفوائد، وبشكل أعم، مع قيام النظام النقدي الأمريكي بتسديد الخسائر الناجمة عن تدهور الديون العقارية غير المؤهلة.

لقد تراجعت قيمة الدولار، حتى الآن، نحو 40 بالمائة منذ بلوغها أعلى نقطة لها قبل خمس سنوات تقريبا. إن سبب ذلك لا يعود فقط إلى انعدام التوازن في المدفوعات، بل أيضا إلى كون الدولار قد انطلق من موقع هيمنة هائلة في تخصيص مجموعة الاستثمارات لشركات الاستثمار الكبرى حول العالم، ومن بينها الكثير من البنوك المركزية (أبرزها اليابان والصين وشركات النفط في الشرق الأوسط) إن ذلك يضعفه حيال عملية تنويع مجموعات الاستثمارات التي ستتسارع مع سعي أولئك المستثمرين إلى تخفيف وطأة المخاطر المركزة على نقودهم.

سوف يختلف تأثير الانخفاض بشكل واسع بين مكان وآخر. إنه يُلمس بأحد أشكاله حاليا في أوروبا، حيث ارتفعت قيمة اليورو مقارنة بالدولار إلى مستويات غير مسبوقة. فلا عجب في أن يتذمر المصدرون الأوروبيون من ضغوط المنافسة مع تدفق السيّاح الأوروبيين إلى الولايات المتحدة.

إن وطأة هذه الظاهرة أخف في آسيا، حيث ارتفعت قيمة مجموعة من 10 عملات آسيوية ناشئة بنسبة 16 بالمائة قياسا بالدولار خلال السنوات الخمس الأخيرة. وما نتج عن ذلك من انخفاض لقيمة العملات الآسيوية بالنسبة إلى اليورو أعطى دفعا للصادرات الآسيوية القوية أصلا.

كيف سيؤثر الدولار الأضعف قيمة في الأمريكيين؟ إن أسرع تأثير لهبوط الدولار يُلمس الآن من خلال الارتفاع المرتبط بذلك في أسعار النفط وأسعار مواد أولية أخرى. ومع انتقال هذه التكاليف الأعلى إلى السلسلة الإنتاجية، فإنها ستتسبب في انخفاض نسب الأرباح، وفي تضخم الأسعار، وزيادة الضغوط على الرواتب. وسيكون من شأن ذلك زيادة تعقيد عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يزيد حدة المقايضة بين استيعاب التضخم وتجنب حدوث بطء كبير في النشاط الاقتصادي.

ما الذي يعلل سبب هذه الاختلافات اللافتة بين العملات والبلدان؟ أود التشديد على عامل مهم ومغفل في معظم الأحيان: إن حركة العملات لا تمثل ببساطة الأمور التي ينبغي أن تحصل، بل تمثل ما تسمح الحكومات بحصوله. خلال السنوات القليلة الأخيرة، سمحت أوروبا لعملتها بالتحرك بحرية في استجابتها لقوى الأسواق.

مقارنة بذلك، أحجمت بعض البلدان الآسيوية، بقيادة الصين، عن السماح بحصول مرونة من هذا النوع خوفا من تعطيلها ديناميات مرحلة نجاح تاريخي عن حق في النمو. لقد عنت هذه التركيبة أن اليورو نفذ القسم الأكبر من عملية تكييف ضعف الدولار الذي يعود سببه إلى الوضعين الاقتصادي والنقدي في الولايات المتحدة.

إن إحجام بلدان آسيا عن السماح لعملاتها بالتحرك سيتلاشى على الأرجح تدريجيا خلال الأشهر والسنوات المقبلة. ففي الواقع، مع بلوغ الكثير من الاقتصادات الآسيوية مستوى جديدا من الصلابة والنضج الاقتصاديين والمؤسساتيين، ستزداد مصالحها القومية بشكل مطرد في سماحها بارتفاع قيمة عملاتها، وفي تنفيذ ذلك عبر الانقياد خلف قوى الأسواق.

هذا التحول المتوسط الأمد في السياسة النقدية سيكون جزءا من تحول أشمل للمنطقة وللعالم. توقع أن يبتعد النمو الآسيوي تدريجيا من الصادرات إلى صيغة يلعب فيها الاستهلاك المحلي دورا أكبر. سينتقل صانعو السياسات في المنطقة بصورة خاصة من تفضيل المنتًج إلى إعطاء المستهلك أهمية أكبر وخلال هذه العملية، سيتحمل المستهلكون الآسيويون مسؤولياتهم تدريجيا وسيعمدون إلى موازنة التأثير العالمي المتناقص للمستهلكين الأمريكيين الواقعين تحت ضغوط الأسعار المتهاوية للبيوت والمديونية الكبيرة.

صحيح أن هذه الظاهرة لن تكون سلسة على الإطلاق، إلا أنها ستسمح بإعادة التوازن الاقتصادي والنقدي على صعيد العالم الذي سيكون بحاجة ماسة إليها إن الاقتصاد العالمي ينتقل في الواقع من اعتماده على ماكينة أمريكية وحيدة ومستنزفة بشكل متزايد إلى اعتماده على ماكينة تستمد طاقتها من عدة اقتصادات ناشئة ستكون النتيجة صورة أطول أمدا لميزان الحساب، ولكن ستكون أيضا دورا جديدا وأهم لعملات مثل اليوان والين والوون.

ستتحرك هذه العملات في مواجهة اليورو ومواجهة إحداها للأخرى بأشكال جديدة ومفاجئة خلال السنوات المقبلة. ولن تتمحور الأخبار حول ضعف الدولار فقط» بل ستظهر البروز التدريجي للعملات الآسيوية كقوة فاعلة على صعيد النقد الدولي. إن رأي الصينيين في الدولار لن يكون سوى عامل واحد من عدة عوامل تحرك العملات ضمن مجال استثمارات عالمي متغير وأشد تعقيدا.

* الرئيس والمدير التنفيذي لشركة "هارفارد مانجمنت". وسينضم في شهر يناير إلى شركة "بيمكو" بصفة عضو مجلس إدارة ومسؤول استثماري مشارك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:nufooz-14-11-2007