البنوك تكشف الآن فقط عن خسائرها من أزمة الرهن العقاري

 

 

جيليان تيت

 

 

أبدى رجال البنوك والمشرعون حول العالم صدمتهم حيث أعلن البنك الأمريكي، "ميريل لينش"، قبل أسبوعين، أنه تكبد خسائر بلغت ثمانية مليارات دولار أمريكي في أوراقه المالية المتعلقة بالرهونات العقارية. وبالنسبة لتخفيض قيمة الموجودات التي كانت ضعف حجم الخسائر، ذلك التخفيض الذي توقعه هذا البنك قبل أسبوعين ونصف، فإنه أحدث فجوة "غائرة" بعدة مليارات من الدولارات الأمريكية كما لاحظت وكالة التصنيف الائتماني الأمريكية، "ستاندرد أند بورز".

غير أن المستثمرين تلقوا خلال الأسبوع الماضي قوائم من الأرقام أكثر غوراً وبينما تابع المحللون الماليون نتائج "ميريل لينش"، توصل بعضهم إلى الاستنتاج بأن هذا البنك الأمريكي يمكن أن يضطر إلى تخفيض أربعة مليارات دولار إضافية من قيمة الموجودات خلال الأشهر المقبلة.

لم تقتصر هذه الحسابات على هذا البنك وحده، حيث إن محللي "ميريل لينش" حذروا بعد أن أعلن بنك UBS في الأسبوع الماضي عن خسائر بلغت 3.4 مليار دولار أمريكي (2.3 مليار يورو، أو 1.6 مليار جنيه إسترليني) عن الربع الثالث من هذا العام، من أن "سويس بانك" يمكن أن يتكبد خسائر تصل إلى ثمانية مليارات دولار في الربع الرابع من هذا العام ونجد في الوقت نفسه أن سعر سهم "سيتي جروب" تراجع بحدة إثر شائعات بأنه على وشك الاعتراف بتكبد خسائر فادحة.

إن مثل هذا التسونامي من الحبر الأحمر (الخسائر الكارثية) يمكن، دون شك، أن يشكل صدمة في أي وقت. ولكن الكشف عن هذه الخسائر في هذا الوقت يثبت وجود حالة من عدم الاستقرار للمستثمرين لسببين معينين. أما السبب الأول، فهو أن هذه الأرقام تمثل تذكيراً غير سار بأن الألم الناجم عن الاضطراب الائتماني هذا الصيف مازال بعيداً عن نهايته، على عكس ما كان بعض رجال المصارف والسياسيين الأمريكيين المندفعين يحاولون ادعاءه قبل أسابيع قليلة ويحذر تيم بولند، المحلل في بنك باركليز في المملكة المتحدة من: "أنه إذا أردنا الحكم على الأمور انطلاقاً من أسعار السوق الثانوية، فإن من المتوقع أن تكون الخسائر المتعلقة بالرهونات خلال الربع الرابع من هذا العام أعلى من تلك التي شهدها الربع الثالث".

أما السبب الثاني، فهو أن تخفيض قيم الموجودات ذكّر المستثمرين بمدى قلة المعلومات حول أماكن استلقاء جثث الاضطراب الائتماني الذي حدث هذا الصيف. وربما يكون الأمر الأشد صدمة فيما يتعلق بإعلانات الخسائر الأخيرة، هو أنه بينما أعلنت البنوك الكبرى عن تخفيضات في قيم موجوداتها بأكثر من 20 مليار دولار، فإنه لا يبدو أن هذا المبلغ يتضمن كل الخسائر المنتظرة.

خلال الأسبوع الماضي حذرت لجنة من الكونغرس الأمريكي من أن مقرضي الرهون يمكن أن يستولوا على مليوني بيت أمريكي خلال العام المقبل، مما يدمر ما قيمته 100 مليار دولار من الثروة. ويعتقد بعض اقتصاديي القطاع الخاص أن الخسائر الإجمالية الناجمة عن مشكلات الرهن يمكن أن تصل إلى 200 مليار دولار، أو إلى ما يزيد على ذلك. واعترف أحد كبار صانعي السياسة في العالم الشهر الماضي بضخامة حجم المشكلة قائلاً: "إن ما يستمر الجميع في السؤال حوله هو أين تستقر هذه الخسائر، وأين يمكن أن تكون بقية تلك الـ 100 مليار دولار؟" ويضيف: "إن الأمر المقلق هو أنه ما زال هنالك الكثير من عوامل عدم اليقين المحيطة بهذا الأمر".

يعكس عدم اليقين هذا، إلى حد ما، حقيقة أن الحجم الملموس للعجز عن السداد في مجال الرهن الأمريكي ما يزال غير واضح، وخصوصا في قطاع سوق الرهن المعروفة بقروض ذوي الملاءات المالية الضعيفة التي قدمت إلى مقرضين ذوي تاريخ ائتماني ضعيف. وارتفعت خلال العام الماضي وتيرة حالات العجز عن السداد من جانب أولئك المقترضين في الولايات المتحدة بصورة حادة، لا سيما تلك الرهونات التي تمت في عامي 2006 و 2007 غير أنه ما يزال من غير الواضح ما هو حجم الخسائر الذي سوف يلحقها هذا الأمر بالبنوك في نهاية المطاف، حيث إن المعتاد أن يستغرق المقرضون عدة أشهر بين الاستيلاء على بيوت المقترضين، وبيعها بعد ذلك.

الأكثر من ذلك هو أنه من غير الواضح تماماً كيف سيتطور نمط العجز عن سداد أموال الرهن. وبينما يبدي بعض الاقتصاديين مخاوفهم من أن معدلات العجز يمكن أن ترتفع بصورة حادة خلال العام المقبل، فإن آخرين يشكون بأن الحكومة الأمريكية سوف تجبر المقرضين على التساهل مع المقترضين. وتتراوح تقديرات خسائر قطاع الرهن بين 100 مليار دولار (حسب الأرقام الحكومية)، وعدة أضعاف من ذلك المبلغ.

غير أنه حين يتعلق الأمر بحساب الأثر الواقع على البنوك، فإن المهمة تصبح أصعب من ذلك. والسبب في ذلك هو أن البنوك خلال السنوات القليلة الماضية لم تكن تحتفظ بالقروض الرهنية الضعيفة، وإنما كانت تعيد ترزيمها في "أوراق مالية مدعومة بالموجودات" تتصف بالتعقيد، ما يجعل من الصعب تقييمها. ويقول بنك إنجلترا (البنك المركزي)، على سبيل المثال، بناء على بيانات من الصناعة المصرفية، إن هنالك ما قيمته 700 مليار دولار من السندات المدعومة بالقروض العقارية الضعيفة قيد التداول حالياً في النظام المالي العالمي، إضافة إلى ما قيمته 600 مليار دولار من السندات المدعومة بما يسمى ALT A ، أو تلك المتمتعة بجودة ائتمانية أفضل بقليل.

الأكثر من ذلك هو أن هذه السندات استخدمت في ذلك الوقت لإيجاد أوراق مالية أكثر تعقيداً مدعومة بمجاميع منوعة من الديون المعروفة بالتزامات الديون المضمونة. ووفقاً لحسابات بنك إنجلترا، فإن 390 مليار دولار من هذه الالتزامات التي تتضمن نسبة من ديون الرهون، صدرت العام الماضي، على الرغم من أن المستوى الدقيق لمكون الرهون العقارية الضعيفة متغير يعني تعدد طبقات هذه التدفقات المالية المعقدة أن من الصعب تقييم الأثر الذي سوف يحدثه عجز أصحاب المنازل عن الدفع على قيمة الأوراق المالية ذات العلاقة.

بدأت بعض وكالات تصنيف الائتمان بالفعل خلال الأسابيع الماضية بتخفيض تصنيفاتها الائتمانية، حيث نجد أن وكالتي "موديز"، و"ستاندرد أند بورز"، خفضتا ما قيمته 100 مليار دولار من الأوراق المالية ذات العلاقة بالرهونات الشهر الماضي. غير أن معظم المحللين يعتقدون أن هذه العملية التخفيضية" ما تزال في مرحلتها الابتدائية المبكرة، وأن ذلك يعني حسب الشروط الملموسة، أن حالات العجز عن سداد ديون الرهون الضعيفة لم تلحق بعد خسائر ملموسة بكثير من المستثمرين في الأوراق المالية." ويشير مات كنج، المحلل في "سيتي جروب"، إلى: "أنه ما زال أمام معظم التزامات الديون المضمونة وقت لكي تشهد الكثير من تخفيضات التصنيف، حيث لم تكن هنالك حالات عجز فعلية في سندات ABS ضمن محافظ التزامات الديون المضمونة. غير أن كل ذلك على وشك التغير".

أما المشكلة الأخرى التي تجعل من الصعب احتساب الحجم "الحقيقي" من الخسائر المرتبطة بالرهن لدى البنوك، فهي أن من الصعوبة في العادة الحصول على قيمة دقيقة للموجودات المرتبطة بالرهن، وبالتالي تقرير مدى هبوط الأسعار لغاية الآن. وأما في المجالات المالية الأخرى، مثل الأسهم، فإنه جرت العادة أن تقيم البنوك موجوداتها من خلال النظر إلى الأسواق الخارجية، أي أنه يمكن احتساب سعر سهم شركة بريطانية، على سبيل المثال خلال ثوان قليلة من خلال نظرة سريعة على قوائم البورصة. ولم يكن يجري التداول بصورة موسعة في الأوراق المالية المرتبطة بالرهونات خلال السنوات الأخيرة، كما أن النشاط المتعلق بذلك كاد يكون متوقفاً تماماً خلال الشهرين الأخيرين، ما يعني عدم وجود سوق، وبالتالي عدم وجود قيمة سوقية.

حاولت بعض البنوك في الماضي الالتفاف على هذه المشكلة بتطوير نماذج كمبيوترية لمعرفة ما يجب أن تكون عليه قيمة الأوراق المالية. غير أن هذه النماذج لا يمكن الاعتماد عليها، إضافة إلى اختلافها الواسع بين البنوك المختلفة. وتظهر الحسابات الأخيرة من جانب بنك إنجلترا، على سبيل المثال، أنه إذا حدثت تغييرات بسيطة للغاية في نوع النموذج المستخدم عادة من جانب البنوك لتقييم الديون المرتبطة بالرهن، فإن السعر الضمني للموجودات "المفترض أنها آمنة"، يمكن أن يتغير بصورة مفاجئة بنسبة يمكن أن تصل إلى 35 في المائة.

نتيجة لذلك، فإن بعض المحللين يستخدمون في الوقت الراهن أسلوباً آخر لاحتساب خسائرهم المرتبطة بالرهن، أي الاستقراء من خلال الأسعار القائمة على مؤشرات المشتقات، كتلك التي تسمى ABX وعلى الرغم من أنه لم يكن هنالك تداول موسع في سندات الرهن خلال الأسابيع الأخيرة، فإن المشتقات كانت تباع وتشترى، ما يعني أن مثل تلك المؤشرات يمكنها أن تقدم سعر تداول.

تراجع سعر التداول هذا بصورة حادة خلال الأسابيع الأخيرة، ما زاد من الضغط على البنوك لتخفيض أرقام دفاترها. غير أن البنوك لم تخفض موجوداتها بعد بالصورة التي تتضمنها تلك المؤشرات ABX  ويحسب محللو بنك ميريل لينش، على سبيل المثال، أن دين ABX متوسط الجودة يجري التداول به حالياً بقيمة 40 سنتاً من كل دولار. ولكن هؤلاء المحللين يقولون: إن "ميريل لينش" نفسه خفض هذا النوع من الديون إلى 63 سنتاً من كل دولار، وأن بنك UBS ما زال يفترض أن هذا الدين يساوي 90 سنتاً من أصل كل دولار. وتقول مصادر بنك ميريل لينش: "إن الحساب الرياضي البسيط يوحي بأن بنك UBS سوف يحتاج إلى تخفيض قيم موجودات 15.4 مليار دولار، إذا كان التسعير حسب مؤشر ABX صحيحاً".

لكن المشكلة هي أنه لا أحد يعرف بالفعل ما إذا كانت هذه الأرقام تمثل دليلاً "حقيقياً" على خسائر الرهن الملموسة. ويدعي بعض المحللين، على سبيل المثال، أن ABX دليل لا يعتمد عليه في تحديد الأسعار. والأكثر من ذلك هو أن معظم البنوك لم تبع بعد أوراقها المالية التي تعاني المشكلات في أسواق مفتوحة. وبينما هنالك تقارير تفيد بأن بعض البنوك حاولت ترتيب أشباه عمليات بيع بين المؤسسات من خلال شروط "ودودة" خلال الأشهر القليلة الماضية، فإنه يبدو أن المشرعين الأمريكيين يراقبون هذه الممارسات كذلك، لأسباب أقلها هو أن هذه الممارسات يمكن أن تضاعف الأسعار كذلك.

لكن إذا كانت هذه المشكلات تجعل من الصعب على البنوك احتساب الخسائر الناجمة عن الرهن العقاري، فإن تخمين ذلك يصبح أمراً أصعب حين يتعلق الأمر بالمجموعات المالية الأخرى. وبينما تزايد حجم سلسلة الائتمانات العقارية خلال السنوات الأخيرة، فإن ذلك جعل البنوك مكشوفة ليس فقط أمام هذه الموجودات، بل كذلك أمام عدد كبير من مؤسسات الاستثمار، بما فيها شركات التأمين، وصناديق التقاعد، وصناديق التحوط. وتستخدم هذه المؤسسات في بعض الأحيان أساليب مختلفة في تسجيل انكشافاتها المتعلقة بالرهن العقاري عن تلك التي تستخدمها البنوك الكبرى التي تقود عمليات الإصدار المالي. وتتضخم هذه الفروق كذلك لأنها تعمل وفقاً لأنظمة محاسبية وطنية مختلفة.

في بعض جوانب النظام المالي العالمي، فإن المؤسسات تحاول بالفعل تخليص نفسها من هذه الآلام. ومن السهل نسبياً، على سبيل المثال، احتساب خسائر ما يسمى بأدوات الاستثمار المهيكلة، وهي سلالة من الصناديق المتخصصة، لأن من المفروض فيها نشر "قيمة موجودات صافية" لأرقامها بصورة منتظمة. ووفقاً لوكالات التصنيف، على سبيل المثال، فإن معدل قيمة الموجودات في أدوات الاستثمار المهيكلة تراجعت بمعدل الثلث منذ بداية الصيف.

استطاع بعض المستثمرين من أصحاب أدوات الاستثمار المهيكلة الخلاص من خسائرهم. وأصبح من المعروف أن صندوق التحوط الأمريكي، TPG – Axon خفض قيمة جميع الأوراق الثانوية الصادرة من خلال أدوات الاستثمار المهيكلة فيه.

كان عدد من البنوك التايوانية التي كانت ضمن أكبر المشترين لهذه الأوراق، صريحاً بصورة مفاجئة . ومن أمثلة ذلك ما أعلنه بنك سينوباك من أنه سوف يتحمل خسائر بقيمة 43 مليون دولار على ممتلكاته من أدوات الاستثمار المهيكلة التي تبلغ قيمتها 350 مليون دولار، خلال الربع الثالث من العام الحالي.

غير أننا نجد مقابل كل حالة شفافية، حالة من تردد مؤسسة ما في الكشف عن خسائرها. ويسمح على نطاق واسع في اليابان مثلاً بألا تكشف المؤسسات عن كل موجوداتها في الأسواق، نظراً لأنها تمتلك تلك الموجودات في الغالب إلى حين أجل الاستحقاق.

نجد بصورة مشابهة لذلك أن عدم اليقين يحيط بعالم إدارة الموجودات في أوروبا القارية. وفي أثناء ذلك تولّد صناعة التأمين مشاعر من القلق بين بعض المستثمرين. ونلاحظ، على سبيل المثال أن أسعار أسهم معظم شركات التأمين الأمريكية الكبرى ذات الخط الواحد مثل MBIA و AMBAC، انهارت خلال الأيام الأخيرة بصورة لافتة للنظر بسب مخاوف من انكشاف محتمل أمام التزامات الديون المضمونة المرتبطة بالرهن. وتقول هاتان الشركتان: إن نسبة الموجودات ذات العلاقة بالرهن متدنية للغاية في نشاطاتهما التجارية. ولكن التحدي الذي يواجه هذه المجموعات الكبرى هو أن الأساليب المحاسبية لميزانياتها تفهم بمستوى ضعيف من جانب معظم المستثمرين.

يشير المتفائلون في العالم المالي إلى أن مثل عدم اليقين هذا ليس بالأمر الغريب على الأزمة الائتمانية الخاصة بعام 2007، حيث ووجه العالم المالي قبل 15 عاماً بحالة ضبابية مشابهة، حين كان يحاول التكيف مع الخسائر التي ضربت تجمع ليلويد التأميني. ويقول آدم رايدلي، الممول اللندني الكبير الذي كان متورطاً بشدة في فضيحة ليلويد: "هنالك الكثير من عوامل التشابه مع ما نشهده في هذه الأيام".

مع ذلك، فإن التحدي الذي يواجهه صانعو السياسة في أيامنا هذه هو أن العاصفة الائتمانية لعام 2007، بعكس ما كان عليه الفشل الكامل في ليلويد، ليست بالقضية القابلة للاحتواء، بل على العكس من ذلك، فإن السلسلة الغامضة لقروض الرهن الضعيفة أوجدت روابط غير متوقعة بين طيف واسع بصورة غير معتادة من المستثمرين والمؤسسات حول العالم. وكلما طال أمد خوف المستثمرين من أن هذه السلسلة يمكن أن تؤدي إلى خسائر مستقبلية كبرى غير متوقعة، زادت مخاطر حدوث حلقة لولبية تنازلية في ثقة المستثمرين، وبالتالي زيادة إمكانية مخاطر أثر ضربة قاصمة للاقتصاد "الحقيقي".

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqtesadya-14-11-2007