نشر ثقافة العمل التطوعي وخدمة المجتمع

 

 

د. عدنان بن عبد الله الشيحة

 

 

خدمة المجتمع عمل تطوعي ويمثل قطاع أساس في المجتمع يسد احتياجات اجتماعية واقتصادية قد يعجز عنها القطاعان الحكومي والخاص. فإذا كانت الحكومة معنية بتقديم الخدمات والسلع العامة عبر سلطة الإجبار لتحقيق المصلحة العامة، والقطاع الخاص معينا بتقديم سلع وخدمات من خلال آلية السوق لتحقيق المصالح الخاصة بإنتاج السلع والخدمات بناء على طلب المستهلكين، فإن العمل التطوعي يحقق ما لا تستطيعه الأجهزة الحكومية التي هي في جوهرها معنية بتقديم الخدمات بالتساوي بين المواطنين، وعلى أساس قانون عام وإجراءات لا تأخذ بالحسبان الحالات الاستثنائية، في المقابل فإن القطاع الخاص يلبي احتياجات المواطنين بناء على القدرة الشرائية ومستوى الدخل، ولا يُعنى بأولئك الذين لا يستطيعون الشراء فهم يقعون خارج دائرة السوق، ولا يدخلون في عملية التبادل المنفعي بين البائعين والمشترين. وهكذا يكون العمل التطوعي وخدمة المجتمع أمرا في غاية الأهمية لتقديم خدمات تجمع بين صفة الخصوصية في تخصيصها لفئة معينة من المجتمع وفي عموميتها من حيث إن دافعها المصلحة العامة.

وعلى أن المجتمع السعودي فيه من الخيرين الذين يجودون بأموالهم ووقتهم وجهدهم في العمل التطوعي وخدمة المجتمع، إلا أنه يظل في دائرة ضيقة ويحتل النشاط الدعوي مساحة كبيرة منه. لا شك أن ذلك أمر محمود فالنشاط الدعوي والإرشادي يسهم في تحصين المجتمع ونشر الوعي والعلم الشرعي، لكن يجب ألا يقتصر مفهوم خدمة المجتمع عند هذا الحد، فالمجتمع بحاجة إلى كثير من التكاتف والتعاون والتنسيق وبذل الخير والعطاء في مجالات عدة وكثيرة، بعضها يحتاج إلى دعم مالي كبير، والبعض الآخر يحتاج إلى تقديم خدمات بسيطة تتطلب التطوع بالوقت والجهد وتتضح أهمية خدمة المجتمع والعمل التطوعي في حالات الكوارث والأزمات عندما لا تستطيع الأجهزة الرسمية احتواءها والسيطرة عليها.

في كثير من الدول تقوم الأجهزة الرسمية باستدعاء متطوعين في مجال الدفاع المدني على سبيل المثال، وتدريبهم على مساعدة الآخرين، وإرشادهم إلى كيفية التصرف أثناء الأزمات. مسؤولية إنقاذ الناس لم تعد فقط مسؤولية الأجهزة الرسمية، إذ لا تستطيع هذه الأجهزة مهما بلغت من الدقة والكفاءة والقدرة في أن تكون حاضرة في الوقت والمكان المناسبين، لذا كان لابد أن يكون هناك متطوعون مدربون على إطفاء الحرائق والتنفس الصناعي والإسعافات الأولية وتنظيم الجمهور إلى حين حضور الجهات المختصة.

العمل التطوعي عمل إنساني واجتماعي يتطلب ثقافة العطاء والتضحية والاهتمام بالآخرين، وهذا له جذوره في الثقافة الإسلامية والتقاليد العربية، إلا أنه ومع الأسف تلاشى واندثر بفعل المدنية، وتغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة، وضعف الرابط الاجتماعي، وانحسار مفاهيم المحلية ومجتمع الحي والمجاورات السكنية، وأصبح الناس لا يرغبون في الاتصال ببعضهم البعض وكأن بذل المساعدة أو السؤال عن الآخرين تدخل فيما لا يعنيهم وحشر لأنوفهم في خصوصيات الآخرين.

إن المجتمع يحتاج إلى التماسك والتواد والتعاون وسد الناس حاجات بعضهم البعض، وليس النظر إلى أن كل شيء يقع على عاتق الحكومة، وأن ما على الإنسان إلا الاسترخاء والوقوف موقف المتفرج يتحول فيها إلى طفيل يأخذ ولا يعطي، يصرف وقته في إثبات أن لا علاقة له بما يحدث حوله، وأن لا دخل له بالمشكلات الاجتماعية وأنها تقع خارج نطاقة ولا صلة له بها. فينزع نحو إلقاء اللائمة على الأجهزة الرسمية في حال وقوع خطأ ما أو تقديم الشكر والعرفان في حال حصوله على الخدمة، وهكذا يقف موقفا سلبيا ينسحب فيه عن الاهتمام بمجتمعه والإسهام في التخفيف من معاناة الآخرين وبذل النصح والتوجيه لهم، هناك الكثير الذي يُستطاع فعله، فإن كان الشخص صاحب مهنة كالطبيب أو المهندس فعليه أن يصحح مفاهيم الناس ويرشدهم لأفضل المعايير وأحسن الأساليب، وتقديم الخدمة التي تحفظ لهم صحتهم وعافيتهم وسلامتهم خارج مهامه الرسمية. وتقع على عاتق طلاب المدارس والجامعات أدوار اجتماعية في مجالات كثيرة في التوعية والتثقيف وتنظيم المناسبات والرعاية الاجتماعية.

لقد مضى حين من الدهر تحول فيه المجتمع إلى علاقة ميكانيكية اقتصادية، بعدما كانت العلاقة حميمية اجتماعية يأمر الناس فيها بالمعروف ويتناهون عن المنكر ويتعاونون على البر والتقوى. لقد ضاع هذا المعنى الجميل العام الذي هو أساس خيرية الأمة. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إطار فلسفي عام يضعه الإسلام ليكفل الحيوية والتناصح في المجتمع، ويحث على التواصل وإبداء وجهات النظر، وتنبيه الناس بعضهم للعيوب والأخطاء في كل أمور الحياة وليس فقط في العبادات، مع أن جميع الأعمال تدخل في تعبد الله إذا ما خلصت النية.

ما نحتاج إليه هو العودة إلى تفعيل القيم الإسلامية بمفهومها الشامل لتحرك المجتمع، وتجعله أكثر وعيا وإدراكا للمقاصد الحقيقية للشريعة، حيث تتوافق النظرية والتطبيق، ألم يكن الرسول الأعظم خُلقه القرآن، أي أن جميع تصرفاته من قول وعمل متفقة ومتسقة ومنسجمة مع القرآن. ألم يذم الله أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون، بل مقتهم على فعلهم مع أنه عز وجل ناداهم بالمؤمنين" يأيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.

كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" (الصف: الأيات3 و2) وامتدح الذين يقفون صفا كأنهم بنيان مرصوص. إن على كل فرد مسؤولية جماعية قد تضيق الدائرة أو تتسع حسب القدرة والاستطاعة، ولكن تبقى المسؤولية حاضرة عن مصلحة المسلمين " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" الآيات (البقرة: آية 286). هذه عدالة الإسلام، فمن منَّ الله عليه بالعطاء ومنحة نعمة العلم أو المال أو القوة والسلطة فإنه مطالب بإخراج حقها بالبذل والعطاء. ولذا كانت مسؤولية رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال عظيمة لا يخرجهم من دائرة المسؤولية تبرعهم بالنزر اليسير من أموالهم والظن بأنهم بذلك أدوا ما عليهم من حقوق تجاه مجتمعهم. فالبذل والعطاء يحددانهما القدرة المالية وحجم الثروة من جهة وحاجة الناس في المجتمع من جهة أخرى وعندما تكون هناك مشكلات اجتماعية مثل الفقر والجريمة والمخدرات في مجتمع منّ الله على أهله بالنعم الوافرة، وتجار تحسب ثرواتهم بالمليارات، يعلم أن هناك من يبخل ويمسك يده عن العطاء، ولا يؤدي ما فرض الله عليه من زكاة وصدقة.

وما يعجب له تتناقل أنباء العطاءات والمنح بملايين الدولارات في المجتمعات الغربية، فهذا يعطي ربع ثروته وآخر نصفها مع أنهم يعيشون في نظام مادي صرف، يقدسون فيه الدرهم والدينار ويرون مصلحتهم الفردية مقدمة على أي شيء آخر، بل إن هناك من يبذل الجهد في تنمية المجتمعات الفقيرة ويسعى إلى تقديم العون والمساعدة. ومع أننا لا نحتاج إلى أمثلة من المجتمعات الأخرى حيث إن لنا بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، قمة العطاء والتضحية وتقديم مصلحة الأمة ورعايتها على كل شيء. إن على أصحاب رؤوس الأموال أن يدركوا أننا في السفينة نفسها، وأن عليهم جاهدين الإسهام في معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية حتى نضمن الاستقرار والأمن والأمان الذي هو مطلب أساس للرخاء الاقتصادي ونجاح التجارة والصناعة.

كما أن علينا إشاعة ثقافة خدمة المجتمع والعمل التطوعي عبر التعليم العام، وتخصيص وقت لخدمة المجتمع يكون جزءا من مادة الوطنية، بالتعاون مع الأجهزة الحكومية مثل الدفاع المدني والهلال الأحمر والبلديات يجب أن نعلم أبناءنا أن خدمة الآخرين شرف وأن المجتمع هو البيت الكبير الذي يضمنا جميعا وتلزم خدمته.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر الكذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:  aleqtisadiah