كم هي المسافة بيننا وبين الثورة الصناعية

 

د. فهد بن سليمان الدهيش

 

 

إن هذا الكون عامر وفي حركة دائمة ولن تتوقف حتى يرث الله الأرض ومن عليها ولذلك تعلمنا منذ الصغر أنه "لكل مجتهد نصيب" لذا لا ينجح المهمل ولن يتقدم الكسول ولن تتقدم أي أمة إلا بالعمل الجاد والدؤوب والعمل المتميز الذي يقود صاحبه إلى النجاح وتقديم ما هو مفيد, فالمصادر بجميع أنواعها موجودة ومستقرة ولا يستفاد منها إلا بالعمل المنظم لاستخراج هذه المصادر وتسخيرها للبشر ومن هذا المنطلق عملت الأمم والدول في جميع العصور بالعمل وتطوير العمل لأن فائدة العمل هي الإنتاج ومقدار الإنجازات التي تكون الثمرة للعمل الجيد.

لذلك لو رجعنا قليلا إلى أسباب الثورة الصناعية وتقدم العالم الغربي حتى أصبح في درجة السبق هي العمل وتبني الأفكار والإبداعات الجديدة وتطبيقها في العمل للاستفادة من المصادر المتاحة سواء المصادر الظاهرة أو الباطنية. إن العمل الجيد والمنظم هو الذي يستكشف حاجات الأمم والشعوب ثم العمل على إنتاج وتغطية هذا الاحتياج الذي تتسابق فيه اليد العاملة لتحقيقه.

فمثلا عند اكتشاف المناطق الجديدة التي فيها كثير من المصادر والمعادن الذي يحتاج إليها الناس ولدت حاجات النقل بصورة كبيرة لنقل هذه المواد من المصدر إلى التصنيع ومن التصنيع إلى الاستهلاك فهناك خرجت وانبعثت طرق النقل ووسائل النقل ومن هنا ولدت الثورة الصناعية التي قدست وطورت العمل وليس أي عمل بل العمل الذي يختصر وينقل هذه البضائع والمصادر الطبيعية بأسرع وقت وأكبر كمية ممكنة وبعد ذلك بدأ جني الثروات وأيضا احترام الآخرين لمن يقوم بهذه الأعمال التي تخدم البشرية, ومن هذا المنطلق وجدت الدول المتقدمة والدول المتخلفة, يعني الدول والأمم التي تعمل وتقدس العمل أكثر تصبح في النهاية دولة متقدمة والعكس صحيح.

لذلك ومن هذه النقطة بالذات أدرك العلماء والمهندسون والمفكرون أن نقطة التقدم أو الثراء هي العمل الذي يقود إلى الإنتاج الوفير وليس كثرة المصادر, المصادر مطلوبة ومهمة ولكن ليست هي الأساس - إذاً العمل العمل العمل - ولحماية وتطوير وتقييم العمل الجيد انبثقت ووجد أنظمة وقوانين وطرق لتمييز وإبراز العمل الجيد الذي في النهاية يقود إلى الثراء أي قبول الآخرين لما يَنتُج عن هذا العمل فالعمل والعمال هما اللذان نشأ وحافظا على الثورة الصناعية وما عقبها من وفرة وزيادة في الإنتاج.

إذاً الدول الغربية على وجه الخصوص هي قائدة الثورة الصناعية ومن ثم هذا الإنتاج الضخم زاد عن الاحتياج ومن ثم البحث عن مواطن ومواقع أخرى لاستقبال هذا الإنتاج الوفير ولكن بشروط يضعها القوي على الضعيف ومن أهمها الحصول على المصادر الطبيعية ونقلها إلى البلد الأم للتصنيع ليتم وتدور العملية الإنتاجية.

ثم أتت دول وأمم خارج دائرة الدول الغربية وحاولت أن تكون متتبعة لنظم وطرق الثورة الصناعية وهنا قد تسمى مرحلة تبني الثورة الصناعية وهذه الدول هي (دول الاتحاد السوفياتي مع أوروبا الشرقية وكذلك اليابان) فهذه الدول انخرطت بالكامل لتجسيد مفهوم الثورة الصناعية والمتمثل في تقديس العمل وتقييم الإنتاج وكانت التضحيات كبيرة جدا في هذا المجال حيث إن الأمة بكاملها اتخذت هذا الخيار ولا بديل عنه لذلك أصبحت من الصانعين الثورة الصناعية في جميع المجالات وجميع الصناعات ومن العلامات البارزة في هذه الدول أنها شيدت الشركات العملاقة التي تستطيع أن تنقل المعرفة والتقنية من العالم الغربي لتستفيد منها في العمل الذي تمارسه ويكون الإنتاج ذا قيمة وجودة عالية ليكون منافسا ومقبولاً في الأسواق الغربية.

أما الدول التي لم تقدس العمل ولم تتخذ هذا الخيار منهجا للتطور فظلت عالة على الدول الغنية لاستقبال جميع احتياجاتها حتى الأسلحة التي تتقاتل فيما بينها كانت تأتي من الدول التي تسير في نعيم الثورة الصناعية بل حتى مصادرها الطبيعية لم تستطع أن تستفيد منها وحدها بل وجدنا أنها تمنح الامتيازات الضخمة للدول المتقدمة لتستخرج هذه المصادر ويكون الناتج مقسما بينهما, وبعد هذه الفترة كان هناك دول وأمم كتب عليها التخلف ولم تلحق في الفترات السابقة ولكنها وعت الدرس وأيقنت أن لا خلاص لها ولا تقدم إلا بتقديس العمل والإنتاج اللذين يقودان إلى سد الحاجة والفائض كذلك. ومن هذه الدول كوريا الجنوبية وماليزيا- وعند التقصي نجد أن من أهم الأسباب التي قادت هاتين الدولتين إلى تطور العمل ما يلي :

1- إنشاء شركات ضخمة في جميع المجالات الصناعية.

2- نقل المعرفة والتقنية وهذا يتطلب التضحية بالمنفعة العاجلة من أجل المنفعة البعيدة أو الطويلة حيث إن أصحاب المعرفة والتقنية لا يوافقون على نقل هذه المعارف والتقنيات إلا بمنافع ومصالح عاجلة يوفرها من خطط للمنفعة الآجلة.

3- إنشاء نظام وقانون يسهل جميع هذه العمليات وينظم حقوق الشركاء الناقلين المعرفة والتقنية.

وبتطبيق هذه الشروط وهذه الإجراءات أصبح العمل منظما ويمكن تقييمه وأيضا استطاعت أن تتحكم في الإنتاج, ومن هذا أصبحت هاتان الدولتان على مسار وطريق نعيم الثورة الصناعية.

إن كثيرا من الدول وخصوصا دول الشرق الأوسط في مسار محاولات التقدم ولكن علامات الاستفهام كثيرة والعقبات كبيرة والمُدَََََََََََّعون كُثُر, لذلك أرى أنه من العوامل التي تقصر المسافة بينا وبين نعيم الثورة الصناعية هو تحقيق الشروط السابقة التي عجل بها الكوريون والماليزيون ومنها التضحية بالمنفعة قصيرة الأجل لأصحاب الصناعة وناقلين المعرفة والتقنية والتخطيط على المنفعة الآجلة وهذه من أهم الأسباب التي سوف تنظم العمل وترقى فيه إلى مستوى الدول المتقدمة.

وأيضا يكون هناك جهة مسؤولة عن تحقيق الشرط الأول وهو إنشاء وتكوين الشركات العملاقة, فإن من الضروري أن يكون هناك جهة مشرعة وهي الهيئة العامة للاستثمار, فهذه الجهة مشرعة ومنظمة وراصدة وباحثة في الاستثمار وينبغي ألا تتعدى سلطتها هذه الحدود, إذاً لا بد أن يكون هناك جهة مسؤولة عن تنفيذ هذه الاحتياجات ولتكن مثلاً (هيئة إنشاء وبناء المشاريع العملاقة) وهذا من باب إصلاح القديم وإيجاد الجديد ولا ندع القطاع الخاص ومن ليس لهم خبرة التحكم في مصير الأمة فنجد مثلاً أن كثيرًا من أصحاب رؤوس الأموال ومن ليس لديهم خبرة في مجال الصناعة - يعمل اتفاقية مع شركة أجنبية - ثم يطالب بإنشاء مشروع كبير دون سابق خبرة وفحص وهذا من العوائق في مسيرة طريق نعيم الثورة الصناعية وفي عدم تحقيق نقل المعرفة والتقنية بالطريقة الصحيحة التي يستفيد منها الوطن وأيضًا هذا معارض لتحقيق الشرط الثاني السابق الذكر حيث إن هذه الشركات في الغالب ليست من صناع المعرفة والتقنية.

نعم القطاع الخاص يكون رادفاً ومهما في المشاريع المتوسطة والصغيرة, لذلك من الضروري أن تكون هذه الجهة أو الهيئة (هيئة إنشاء وبناء المشاريع العملاقة) من مهامها توضيح وعرض جميع المشاريع التابعة للمشروع الضخم الذي أنشئ.

أيضًا من النقاط الأساسية لاستدامة المسيرة على خطا الثورة الصناعية هو أننا في الوقت الحالي بالذات نحتاج إلى التضحية بالمنفعة العاجلة على أن نحصل على المنفعة الآجلة بالطريقة التي تساعد على توطين التقنية والنقطة الأخيرة التي أعتقد أنها لا بد أن تكون من ضمن هذه المنظومة وهي كيفية تنظيم وتقييم العمل أي استحداث جهة مسؤولة عن صناعة وتطوير العمل ولتكن مثلاً (هيئة تقييم وتطوير العمل والإنتاج) ومن مهامها أن تكون لها القدرة على تقييم وقياس وتطوير العمل والإنتاج لأن العمل كما أسلفنا هو الأساس في باكورة الثورة الصناعية فنستطيع بهذه الجهة أن يكون لدينا مقياس لعمل الشركات والموئسسات والأفراد وكذالك تقدير قيمة وكمية الإنتاج لكل فرد وهذا سوف يساعد على استقرار واستدامة العمل الصناعي وزيادة الإنتاج ومن ثم الوصول إلى الوفرة الزائدة.

*أستاذ الهندسة الصناعية والمدير التنفيذي لشركة ميس للطاقة

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: aleqtisadiah