أزمة الائتمان تخلّف وراءها ظلالا قاتمة

 

كريس غيلز

 

 

لم يكن حدوث أزمة ائتمان عالمية ضمن توقعات 2007. وحتى انطلاقها في 9 آب (أغسطس) الماضي, كان الإجماع هو أن المخاطر الاقتصادية تضاءلت منذ نهاية 2006 وبوسع رودريجو راتو المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي السابق، الاحتفال بأربع سنوات استثنائية من التوسع العالمي المؤكد وخاصة 2008، شبه مؤكد. وكان الاقتصاد العالمي غير متوازن بدرجة أقل مع تقلص عجز الحساب الجاري للولايات المتحدة.

ولكن في ذلك اليوم من آب (أغسطس) الماضي، تحول الأمل إلى الخوف في أسواق الائتمان إذ إن إعادة تسعير عالمي للمخاطر قد بدأت. ولكن الأكثر أهمية أن المستثمرين كانوا قلقين من أنهم يحتفظون برهونات أمريكية عديمة الملاءة ضمن محافظهم بحجم أكبر كثيراً مما كانوا يتصورون سابقاً، ويعملون بأنهم لم يعودوا قادرين على بيعها وكانت جميعها مخبأة ضمن منتجات ائتمان مهيكلة معقدة، والتي أدركوا أنهم لم يفهموها ولكن كانوا يظنون بأنها آمنة. وكانت النتيجة هي انتشار الذعر.

وفجأة وبلا مقدمات جفت أجزاء كبيرة من أسواق الائتمان. وكان التمويل قصير الأجل ـ وخصوصاً سوق الأوراق التجارية المدعومة بالأصول - غير متوافر للبنوك والشركات المالية الأخرى. وسرعان ما واجه مصرفان ألمانيان المشاكل لعجزهما من جمع الأموال النقدية، لتمويل التزاماتها الناشئة عن أدوات ضخمة خارج الميزانية العمومية للمصرفين.

وهبطت أسواق الأسهم هبوطاً حاداً مع تسابق المستثمرين لبيع بعض الأصول من أجل التسديد الكامل للديون التي لم يعد بمقدورهم الاستمرار في تمويلها. وبالتالي فإن نسبة الأوراق التجارية الممتازة المدعومة بالأصول في تناقص مستمر منذئذ. وعلى نطاق العالم باتت البنوك مدركة أن الالتزامات العرضية التي وافقوا على تحملها في الأوقات الطيبة، يمكن أن تصبح وافقة ومن ثم شرعت في ادخار الأموال النقدية.

أدى ذلك إلى أزمة ائتمانية طالت البنوك الأخرى، دافعة أسعار الفائدة في أسواق المال إلى مستويات أعلى من أسعار الفائدة الرسمية المحددة بواسطة البنوك المركزية وانتهى آب (أغسطس) وبدأ أيلول (سبتمبر) الماضيان، وكانت الأسواق ما زالت تعاني هذه الأزمة.

واستجاب الاحتياطي الاتحادي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي للوضع عن طريق إغراق أسواق المال بالسيولة، والتخفيف من قيود المعايير الإضافية التي تشترطها غالباً على البنوك لوضع أيديها على الأموال النقدية التابعة للبنك المركزي. وكانا يحاولان السير فوق حبل مشدود بين كفالة البنوك التي اتخذت قرارات خطرة، والحيلولة دون حدوث أي انهيار للاستقرار المالي.

ووقف بنك إنجلترا بطريقة لا تخلو من العجرفة على جانبي الطريقة، حتى أرغمته الأزمة التي ضربت مصرف الرهن البريطاني "نورثرن روك" كي يصبح المقرض ملاذا أخيرا. وكان الشعور العام بالأزمة من النوع الذي وجد الترحيب من قبل المودعين بمصرف نورثرن بانك، أشبه بشخص ما يشعل "النار" في مسرح مكتظ بالمتفرجين.

بدأ أول بنك شعبي يعمل في بريطانيا منذ 1866 وأوقف فقط من قبل الحكومة البريطانية، إثر موافقتها على ضمان 100 في المائة من الأموال النقدية للمودعين في ذلك لبنك، وفي أي بنك آخر يمر بالظروف نفسها.

وجاء تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي، ومن ثم بدأت بعض علامات التحسن تلوح على الأفق عبر النظام المالي. استردت أسواق الأسهم عافيتها وشرعت أسواق الائتمان التبين بين الفرص الخطرة والآمنة. وعلى الرغم من أن أسواق المال ما زالت بعيدة للغاية من الوضع الطبيعي، فإن الفروق بين سعر أموال الأشهر الثلاثة والفورية في الولايات المتحدة، منطقة اليورو والمملكة المتحدة، تراجعت من أكثر من نقطة مئوية إلى نحو 0.5 نقطة مئوية.

ولكن على الرغم من أن العديدين يشعرون بأن الأسوأ قد مرّ، ليس هناك أدنى شك بأن النظرة المستقبلية للاقتصاد باتت مظلمة. ومن واقع قلقه الزائد بشأن الظروف الضاغطة في سوق الائتمان عمد "الاحتياطي الاتحادي" الأمريكي إلى خفض أسعار الفائدة بواقع نصف نقطة إلى 4.75 في المائة في منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي، معلنا أنه يريد "المساعدة في منع حدوث آثار عكسية على الاقتصاد الأوسع، والذي ربما ينهض من التشويش في أسواق المال وتعزيز نمو متوسط بمرور الوقت وألغى البنك المركزي الأوروبي ECB وبنك إنجلترا وبنك اليابان الخطط التي كانت تهدف إلى رفع أسعار الفائدة، والتي كانت تلوح بها مسبقاً أو مرغوباً من قبل البنوك المركزية.

وأخيراً جداً يبدو أن الانهيار المنظم في الدولار الأمريكي قد تسارع وليصبح انهياراً كاملاً وفي أيلول (سبتمبر) الماضي لوحده، ارتفعت قيمة اليورو بنسبة 4.4 في المائة مقابل الدولار. وكلما كان انهيار الدولار أسرع ولفترة أطول، أصبح المستثمرون الذين يمولون عجز الحساب الجاري الأمريكي، أكثر قلقاً وبالتالي فإن المجتمع المالي العالمي سيجتمع في واشنطن هذا الأسبوع في الاجتماع السنوي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في اللحظة الأكثر توتراً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي خلال العقد الجاري.

وربما الجانب الأكثر إثارة للأعصاب، هو الملاحظة البسيطة بأن الفوضى والاضطراب يسودان في أسواق الائتمان والمال منذ آب (أغسطس) الماضي، عندما كان الاقتصاد العالمي قوياً وعندما تم التنبؤ بانتهاء ائتمان رخيص بدرجة غير مسبوقة من قبل الجميع تقريباً غير أنه ما زالت هناك أسباب تدعو للبهجة والسرور، إذ إن الاقتصادات الناشئة، وخصوصا الصين، تظل قوية وتقود توسع النمو العالمي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:  aleqtisadiah