في مواجهة الأزمات الراهنة : كيف نودع الأموال في البنوك؟

 

صموئل بريتان

 

 

لا يمكن ان أكون أنا الشخص الوحيد الذي شعر بالصدمة كمراهق، حينما اكتشفت أن البنوك لا تمتلك ما يكفي من النقد في خزائنها، لسداد أكثر من نسبة ضئيلة من مودعيها.

ظهر نظام "الصيرفة الاحتياطية الجزئية" كما يسمى، عندما اكتشف صاغة القرون الوسطى، أن بإمكانهم إعادة إقراض معظم المعادن الثمينة الموجودة في خزائنهم بأمان، إذ إن المودعين لديهم لن يطلبوا أن يتم سدادها جميعاً في الوقت ذاته.

كان من المفترض للميزة الكبرى للنظام أن تكون تقنين الممتلكات من الذهب. ولكن العادة استمرت، حتى عندما جاءت النقود الورقية. وقد خسرت واحدة من أكثر الشخصيات عطفاً في رواية Cranford لروائية القرن التاسع عشر اليزابيث غازكيل، كل أموالها في أزمة مصرفية. أما آخر أزمة مصرفية كبرى شهدت تهافتاً وحمى على سحب الأموال في بريطانيا، فكانت في بنك أوفيرريند آند غيرني Overend & Gurney في 1866. كان هناك عدد من الحوادث الأخرى في الأزمنة المعاصرة، مثل الأزمة المصرفية الثانوية في السبعينيات، عندما تم تفادي المشاكل من خلال عمل بنك إنجلترا المركزي وراء الكواليس وفي الولايات المتحدة، تختفي البنوك الصغيرة سنوياً، رغم أن الإيداعات محمية في العادة من قبل خطة تأمين إلزامية.

إن الإخفاق التام لقروض الرهن العقاري الأمريكية ومضاعفاته على نورثرن بنك، وعلى أسواق الائتمان العالمية بشكل عام، أعاد التساؤلات حول النظام المصرفي الذي أمل معظم خبراء الاقتصاد الكلي، بأن تنتهي وتصبح طي النسيان.

الثقة بمن تمت تسميتهم بشكل متكبر، بـ "مودعي التجزئة" ليست هي المشكلة الوحيدة فقط في نظام النقد العالمي، إنما لا تزال الأساس الذي يعتمد عليه كل شيء آخر.

خارج الولايات المتحدة، نادراً ما يكون تأمين الودائع المصرفية كاملاً، وتكون هناك في العادة تأجيلات قبل وصول أموال الصكوك التي يعتمد عليها، التي يصدرها البنك المركزي.

وفي بريطانيا تم في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام فقط، توسيع خطة التعويض في الخدمات المالية، لتشمل الودائع المؤهلة التي تصل حتى 35 ألف جنيه استرليني. وتترك ورقة المناقشة الرسمية الجديدة المجال مفتوحاً لاحتمال زيادة المبلغ. ولكن لم يتم استيعاب الآثار المترتبة على الضمانات الكاملة، حيث يوجد فيها سمة غامضة لجلب أسئلة مثل "ما هو البنك؟" و"ما هي النقود؟" إلى السياسات العملية.

في الواقع، تم الاستفسار بشدة عن نظام الصيرفة الاحتياطية الجزئية، من قبل بعض الخبراء الاقتصاديين في الولايات المتحدة، في أعقاب فترة الكساد الكبير عندما اختفى ربع مخزون المال الأمريكي، بين عشية وضحاها تقريباً - وهو حدث أكثر أهمية من أزمة البورصة الأكثر شهرة التي وقعت في 1929.

أحد أهم النقاد كان الأستاذ هنري سيمونز من شيكاغو، مؤلف كتاب "برنامج إيجابي للتحرر الاقتصادي " A Positive Program for Laissez Faire". وفي وقت ما كان لسيمونز تأثير كبير في الخبراء الاقتصاديين في شيكاغو من أمثال ملتون وفريدمان، ولكن تم التنصل منه فيما بعد. ومن المفترض أن ذلك يعود لوجود برنامج إيجابي كبير جداً لديه، في حين أنه لا يتمتع بالقدر الكافي من الحرية وعدم التدخل.

اقترح سيمونز إنشاء مؤسسات تعمل فقط لأخذ الودائع وتمتلك 100 في المائة من الاحتياطات، ويجب أن تحتفظ بأصولها على شكل نقد أو ودائع لدى "الاحتياطي الفيدرالي". وهكذا، وباستثناء تفتت الولايات المتحدة أو كوارث مشابهة، فإن المودع يمكنه استرجاع أمواله أو أموالها دائماً وبسرعة. ويمكن للمؤسسات المالية الأخرى، سواء أكانت تسمى بنوكاً أم لا، أن تواصل دفع الفوائد والبحث عن المزيد من الاستثمارات المربحة. ولكن المواطن العادي سيعرف أنه كان يعمل من تلقاء نفسه إذا استثمر فيها، وسوف يتعلم أن العوائد الأعلى تأتي مع مخاطر أعلى.

عندما ذكرت هذه الفكرة لأحد الخبراء الاقتصاديين البريطانيين الذي يفهم كلا من الصيرفة والاقتصاد الكلي الحديث، تراجع مذعوراً. كانت حجته الرئيسية في ذلك أن المودعين سيهرعون، بمجرد إحساسهم بأدنى إشارة عن المشاكل، بملايينهم من المؤسسات المالية المدرة للربح إلى هذه "المصارف الضيقة".

من المؤكد أنه يمكن صد هذا، إذا أقرض البنك المركزي، بصفته مقرض الملاذ الأخير، مبالغ كافية للمؤسسات الواقعة تحت التهديد، وبالطبع بسعر جزائي. ومع ذلك، فقد كنت أشعر برهبة كافية من محدثي، بأن يطلب تأجيل إثارة الموضوع.

ما أقنعني أخيراً هو الإدراك بأننا في بريطانيا نمتلك تقريباً بنكاً ضيقاً مدعوماً من الحكومة، اسمه مؤسسة الادخار والاستثمار الوطني National Savings and Investment - NS&I، وقد أنشئت بالأصل من قبل حكومة بالميرستون في 1861، بصفتها صندوق توفير البريد. وأصبحت في ظل الحكومة المحافظة الأخيرة "وكالة تنفيذية للخزانة". وحتى وقت قريب، كان كل وزير للمالية يضع في خطاب الميزانية الذي سيلقيه، عبارات شكر للورد ماكنتوش، لترأسه المؤسسة لفترة طويلة.

ويمكن صرف بعض أدواتها في وقت قصير، وبعضها مفهرسة ضد التضخم. وحتى الآن، نظر لها على أنها مملة مقارنة بعوامل الجذب الأوراق المالية القابلة للتسويق ذات الفائدة الثابتة. ولكن السلامة والنفور من المخاطر باتت الآن أكثر أهمية. وإذا كانت NS&I ستصبح "بنكاً ضيقاً"، فسوف يكون هناك حاجة إلى إجراء بعض التغييرات البسيطة، مثل تمكين المودعين من كتابة الشيكات مقابل بعض أدواتها على الأقل، وأن تكون أقل اهتماماً بصورة حصرية في التمويل الحكومي ستحتاج كذلك إلى الترويج إلى الطبيعة المصرفية لها، ويمكن عندئذ أن تصبح مساوية لمبدأ وضع "الأموال تحت الفراش".

إنها بحاجة ماسة إلى مدخل أكثر انفتاحاً من أرقام الحي المالي، الذي يعارض عمليات ضخ السيولة للمؤسسات المعرضة للإفلاس، ودعم الحكومة والصناعات الأخرى، ولكنها تدين بنك إنجلترا المركزي لعدم إقدامه على صفقات سرية لإنقاذ المؤسسات المالية المهددة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:صحيفة الإقتصادية الإلكترونية-6-11-2007