في سبيل ثقافة نفطية: العلاقة بين الدولار والنفط

 

 

د. أنس بن فيصل الحجي

 

 

العلاقة بين أسعار النفط والدولار شائكة للغاية. ففي الوقت الذي يؤدي فيه انخفاض الدولار إلى رفع أسعار النفط، يسهم ارتفاع أسعار النفط في خفض الدولار بسبب ارتفاع فاتورة واردات النفط الأمريكية وزيادة العجز في ميزان المدفوعات. فك العلاقة بين الدولار وأسعار النفط يتطلب حلين جذريين بعيدين عن الواقع أحدهما تسعير النفط بغير الدولار. إن لم يكن هذا ممكنا فإن انخفاض اعتماد الولايات المتحدة على النفط سيخفف من هذه العلاقة بشكل ملحوظ.

المشكلة

يباع النفط ويشترى بالدولار. عندما تقوم دول نفطية بتصدير النفط، تتسلم عائداتها بالدولار. لكنها عندما تستورد سلعاً وخدمات، تستوردها من دول مختلفة، بما في ذلك الولايات المتحدة، الأمر الذي يضطرها في كثير من الأحيان إلى تحويل جزء من الدولارات التي حصلت عليها من بيع النفط إلى عملات أخرى. مع انخفاض الدولار ترتفع قيمة العملات الأخرى. هذا يعني أن الدول النفطية تحتاج إلى دولارات أكثر لشراء الكمية نفسها من السلع والخدمات من أوروبا وآسيا. هذه هي حالة "انخفاض القوة الشرائية لصادرات النفط".

مثال

لو افترضنا أن الدولار يساوي اليورو، وأن سعر النفط 80 دولارا للبرميل، فإن سعر النفط مقدراً باليورو يكون 80 أيضاَ. ولو افترضنا سعر ساعة سويسرية هو 800 يورو، فإننا نحتاج في هذه الحالة إلى تصدير عشرة براميل من النفط لشراء هذه الساعة (80 دولار أو يورو * عشرة براميل = 800). فإذا انخفض سعر الدولار بالنسبة لليورو بحيث أصبح كل يورو يساوي دولارا ونصف وبقيت أسعار النفط على حالها عند 80 دولارا للبرميل فإننا نحتاج إلى 1200 دولار لشراء هذه الساعة، أو 15 برميلا من النفط (15 برميل × 80 دولارا = 1200 دولار = 800 يورو). في هذه الحالة انخفضت القوة الشرائية لصادرات النفط بسبب انخفاض الدولار لأننا نحتاج إلى تصدير 15 برميلا لشراء الساعة نفسها التي كنا نشتريها سابقاً بعشرة براميل.

المشكلة أسوأ مما نتصور

إذا كانت الدول النفطية تتحكم في أسعار النفط فإن كل ما عليها هو رفع سعر البرميل ليعوّض عن خسائرانخفاض القوة الشرائية. حسب المثال السابق يجب أن يرتفع سعر البرميل إلى 120 دولارا للبرميل حتى يبقى سعر الساعة السويسرية مقدراً بعدد براميل النفط اللازم بيعها لشراء هذه الساعة نفسه (120 دولار × 10 براميل = 1200 دولار أو 800 يورو).

لكن الدول النفطية لا تستطيع التحكم في الأسعار، ولا تستطيع وقف الواردات من الدول الأوروبية واليابان فقط بسبب ارتفاع عملات هذه الدول، لذلك فإنها ستعاني التضخم بسبب عدم قدرتها على تحويل جزء من الواردات من بلد لآخر، خاصة قطع الغيار، كما أنها ستعاني رداءة السلع المستوردة بسبب تحولها عن منتجات أوروبية ويابانية إلى منتجات أقل جودة كبعض المنتجات الصينية والهندية والتايلاندية. هذا التوجه يفسر ارتفاع التضخم مع رداءة السلع المستهلكة في وقت يرتفع فيه الدخل الاسمي. إذن المشكلة لاتتعلق بانخفاض القوة الشرائية فقط وإنما تتعلق بنمط الحياة ككل.

انخفاض الدولار والمضاربات

يتمثل الأثر المباشر، أو القريب المدى، لا نخفاض الدولار في أسواق النفط في زيادة حدة المضاربات في عقود النفط، الأمر الذي يسهم في ارتفاع أسعار النفط. فالنفط، كغيره من المواد الأولية المسعّرة بالدولار، يصبح رخيصاً مقارنة بالاستثمارات الأخرى مقدرة بالعملات الأجنبية، لذلك يقبل عليها المستثمرون. في هذه الحالة لا يمكن لوم المضاربين على رفع سعر النفط كما يفعل بعض مسؤولي أوبك، وإنما يجب لوم الدولار المنخفض أو بالأحرى سياسات أوبك التي تتضمن تسعير النفط بالدولار. المضاربون رجال أعمال مهمتهم تحقيق الربح، وهم يفعلون ذلك كلما سنحت لهم الفرصة بناء على المعلومات المتاحة والتصريحات المختلفة، بما في ذلك تصريحات مسؤولي أوبك. إذا صرح مسؤول في أوبك في الأجواء الحالية بأن أوبك لن تزيد الإنتاج، ماذا سيفعل المضاربون؟ من هو المسؤول عن رفع الأسعارفي هذه الحالة؟ وإذا صرح مسؤول بأن أوبك ستزيد الإنتاج بمقدار مليوني برميل يومياً، ماذا سيفعل المضاربون؟ من المسؤول عن انخفاض الأسعار في هذه الحالة؟

انخفاض الدولار يغير أساسيات السوق

يتمثل الأثر غير المباشر، أو البعيد المدى، لانخفاض الدولار في أسواق النفط العالمية في تغيير أساسيات السوق عن طريق تأثيره في العرض والطلب على النفط. فمن نتائج انخفاض الدولار على المدى الطويل انخفاض الطاقة الإنتاجية، أو عدم نموها بشكل يتناسب مع الزيادة في الأسعار بسبب انخفاض القوة الشرائية للدول المصدرة، والتي لن تمكنها من توفير الأموال اللازمة لزيادة الطاقة الإنتاجية. هذا يعني انخفاض المعروض مقارنة بالطلب، وبالتالي ارتفاع أسعار النفط. الأمر نفسه ينطبق على شركات النفط العالمية اللي تتسلم عوائدها بالدولار، ولكنها تدفع تكاليفها بعملات مختلفة. فشركات النفط في بحر الشمال مثلاُ تدفع أجور عمالها باليورو في الوقت الذي تتسلم فيه عائداتها بالدولار. هذا يعني ارتفاع التكاليف مقارنة بالعائدات، الأمر الذي يمنعها من زيادة الاستثمار في طاقة إضافية، رغم ارتفاع أسعار النفط. هذا أيضاً يخفض المعروض، ويرفع أسعار النفط.

في الوقت نفسه يؤدي انخفاض الدولار إلى زيادة الطلب على النفط ويقصر أثر ارتفاع أسعار النفط في الولايات المتحدة والدول التي تثبت أسعار عملاتها بالدولار. ينتج عن انخفاض الدولار انخفاض أسعار النفط نسبياً في الدول الأوروبية والآسيوية. إن لم يشجع هذا الانخفاض على زيادة نمو الطلب في النفط فإنه على الأقل سيمنع أسعار النفط المرتفعة من التأثير بشكل ملحوظ على الطلب على النفط في هذه الدول. هذا أحد التفسيرات لا ستمرار الطلب على النفط في النمو في الوقت اللذي استمرت فيه أسعار النفط في الارتفاع. لكن حتى الطلب في الولايات المتحدة لم يتأثر لأسباب عدة أهمها أن انخفاض الدولار منع مئات الأولوف من الأمريكيين من قضاء إجازاتهم السنوية في أوروبا، الأمر الذي جعلهم يقضونها في الولايات المتحدة والسفر داخلها. نتج عن ذلك زيادة في الطلب على البنزين، والطاقة بشكل عام. إضافة إلى ذلك فإن أسعار الفائدة المنخفضة وارتفاع الإنفاق الحكومي والإعفاءات الضريبية جعلت النمو الاقتصادي الناتج عنها أكبر بكثير من الأثر السلبي لارتفاع أسعار النفط في النمو الاقتصادي الأمريكي.

الخلاصة

هناك علاقة عكسية بين قيمة الدولار وأسعار النفط ولا يمكن فصل هذه العلاقة لأن الحلول المتمثلة في تسعير النفط بغير الدولار أو تخفيض اعتماد الولايات المتحدة على النفط غير ممكنة حالياً. على المدى القصير، يسهم انخفاض الدولار في تشجيع المضاربين على دخول أسواق النفط، والذي يسهم بدوره في زيادة أسعار النفط وزيادة ذبذبتها. على المدى الطويل يسهم انخفاض الدولار في تخفيض نمو الإنتاج بينما يسهم في زيادة النمو في الطلب على النفط، الأمر الذي ينتج عنه ارتفاع أسعار النفط. هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة أن يكون نافعاً للدول المنتجة لأن العبرة بما يمكن أن تشتريه عوائد النفط، وليس بسعر البرميل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:صحيفة الإقتصادية الالكترونية -6-11-2007