الاحتياطات الدولية تخلصت من 69 بليون دولار في أيلول ... وتحولت الى الذهب كملجأ آمن

 

 

ذكاء مخلص الخالدي

 

 

خلال فترة السنوات العشر، تشرين الأول (أكتوبر) 1997 – تشرين الأول 2007، ارتفع سعر الذهب أكثر من 165 في المئة ليبلغ 795.5 دولار. وهو أعلى سعر تصله أونصة الذهب منذ 28 عاماً أي منذ 1979. لكن خلال السنوات الخمس الأولى من هذه الفترة أي 1997-2002  ظل سعر الأونصة يتراوح ما بين 300 -350 دولاراً قبل أن يبدأ في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 بالارتفاع في شكل متواتر حتى بلغ 660 دولاراً للأونصة في آب (أغسطس) 2007. ثم واصل ارتفاعه بعدها ليسجل 795.5 دولار في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2007. وما زالت التوقعات تشير إلى مزيد من الارتفاع في الفترة المتبقية من العام وحتى الربيع المقبل على رغم توقع حصول انخفاضات تصحيحية في الأمد القصير قد تصل إلى 30 دولاراً للأونصة قبل أن يعاود الاتجاه التصاعدي مساره.

في ضوء هذه الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار الذهب، يطرح السؤال عن أسبابه. هل تعود لانخفاض في قيمة الدولار، أو لارتفاع في أسعار النفط، أم لانخفاض في أسعار الفائدة على الدولار، أو الخوف من شبح تضخم عالمي، أم لانخفاض في المعروض من الذهب، أم للمضاربة؟ أم لهذه الأسباب كلها؟ يعتبر الذهب كما هي الحال منذ آلاف السنين الملجأ الآمن في أوقات الأزمات الاقتصادية. ويشير التحول الحالي نحو حيازة الذهب وشراء أسهم شركات عاملة في استخراجه بعد أن أدرك عدد أكبر من المستثمرين هذه الحقيقة.

مما لا شك في أن الانخفاض الذي يشهده الدولار منذ فترة تجاه العملات الرئيسية الأخرى يعتبر سبباً أساسياً في ارتفاع أسعار الذهب. فمنذ عام 2001 نفذ مجلس الاتحاد الفيديرالي (البنك المركزي للولايات المتحدة) سياسة نقدية توسعية لتجنب حصول انكماش اقتصادي بعد انهيار مؤشر الناسداك NASDAC (وهو المؤشر الذي يقيس نشاط شركات التكنولوجيا في بورصة نيويورك). ثم جاءت الإدارة الأميركية الحالية في عام 2002 بتوجيهات عسكرية لمحاربة ما يسمى بالإرهاب فأشعلت حربين في أفغانستان والعراق ما وسع كثيراً الإنفاق الحكومي واستدعى استمرار السلطة النقدية الفيديرالية في اصدار الدولار لتمويل نفقات هذين الحربين وتمويل بقاء قواتها العسكرية في هذين البلدين. وبسبب هذا التوسع في ضخ النقود يحمل العالم اليوم خارج الولايات المتحدة كمية غير مسبوقة من الدولارات تعادل 6 ترليون دولار(1). ولا يرى محللون أي مؤشر لتوجه مختلف في السياسة النقدية للولايات المتحدة لأن أي تحرك باتجاه تشديد السياسة النقدية سيؤدي إلى انهيار أسعار العقارات وإقفال مصانع وتسريح عمال. وقد تتعدى النتائج احتمال حصول ركود إلى كساد اقتصادي قد لا ينحسر أثره على الولايات المتحدة وحدها.

وانعكس الانخفاض الكبير الذي يشهده الدولار في الوقت الحاضر تجاه سلة العملات الرئيسة إيجاباً على نشاط الشركات الأميركية المتعددة الجنسية أو العابرة للحدود وأرباحها ما يساعدها على زيادة صادراتها وزيادة أرباحها مستفيدة من النمو الاقتصادي في أجزاء أخرى من العالم مثل الصين والهند والبرازيل. وأدت أرباح هذه الشركات إلى ارتفاع مؤشر «داو جونز» Dow Jons (وهو المؤشر الذي يقيس نشاط الشركات الصناعية المهمة في الولايات المتحدة) في بورصة نيويورك على رغم تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي. ويتوقع مراقبون مزيداً من الارتفاع في هذا المؤشر في الفترة المتبقية من عام 2007 وفي عام 2008 إذا واصلت الشركات الأميركية جني مزيد من الأرباح. وإذا ما تحقق ذلك يتوقع ارتفاع «داو جونز» بطريقة دراماتيكية قد يصل معها إلى 22000(2).

وإذا ما تحقق ارتفاع بهذا الحجم وحتى أقل منه في أداء الشركات الأميركية العابرة للحدود، ترتفع أسعار الذهب والفضة والنفط وأنواع الموارد الطبيعية والسلع نتيجة زيادة حجم الطلب في مقابل العرض المحدود بحيث يتوقع أن يصل سعر الذهب إلى 1500 دولار للأونصة في ربيع 2008.

ويرى محللون أن الارتفاع الحالي في أسعار السلع وخصوصاً المعادن يتقدمها الذهب نوع من الفقاعة Bubble سببها زيادة عرض النقد في مقابل الطلب نتيجة السياسات النقدية التوسعية للولايات المتحدة. بينما لا يرى آخرون ذلك وإنما يعتبرون انه نتاج لسوق صاعد Bull Market في السلع سببه قوى جوهرية تؤثر في العرض والطلب. ففي كل مكان توجد زيادة في الطلب تأتي من دول آسيا الناشئة كالهند والصين يقابله عدم قدرة في العرض على مواكبة الزيادة في الطلب. ويرجح محللون انخفاض العرض إلى زيادة موجات التصنيع في الدول النامية المكتظة بالسكان وزيادة التحضّر Urbanization. وفي الوقت الذي يزداد الطلب على الذهب ينخفض عرض الذهب بسبب تراجع مناجم الذهب عن الإنتاج وتسليمه بالكميات المطلوبة. ولم يستمر برنامج التعاون المشترك الذي تبنته مجموعة من البنوك المركزية لزيادة المعروض من الذهب من طريق بيع جزء من احتياطاتها من الذهب لأغراض امتصاص الزيادة في الطلب بسبب ضخامة الأخير.

إلى جانب ذلك يوجد ارتباط موجب بين أسعار النفط وأسعار الذهب فعندما ترتفع أسعار النفط ترتفع بعدها أسعار الذهب كما أن ارتفاع موارد النفط يزيد من الطلب على الذهب لأغراض صناعية (بما فيها صناعة الحلي) ولأغراض رفد الاحتياط النقدي. ويتأثر الارتفاع الحالي في أسعار النفط بعوامل جيوسياسية حيث زادت مخاوف العالم من تأثر عرض النفط بسبب احتمال نشوب الحرب في الشرق الأوسط إثر ضربة عسكرية توجهها الولايات المتحدة إلى إيران. كما ارتفع النفط إثر التوتر الذي حصل بين تركيا والعراق في أعقاب هجمات حزب العمال الكردستاني. وعادةً فأن أية زيادة في أسعار النفط نتيجة مخاوف على كميات المعروض منه تنعكس بعدها على أسعار الذهب.

ويعتبر الذهب ملجأً آمناً في أوقات التضخم ولكن بسبب تلاعب الجهات الرسمية بأرقام التضخم التي تصدرها الدول لم يتنبه الأفراد أو المستثمرون للآن إلى حقيقة الارتفاع الحاصل في الأسعار، ولكن عندما يدرك الناس أن معدلات التضخم الفعلية هي أعلى بكثير من التقديرات الرسمية، سترتفع أسعار الذهب والفضة في شكل حلزوني.

وجدير أن انخفاض سعر الدولار مقابل العملات الأخرى بسبب السياسة النقدية السهلة للولايات المتحدة أثر سلباً على صادرات الدول الأخرى التي ارتفعت عملاتها نتيجة لانخفاض الدولار، وكان هذا التأثير على مستوى الطلب عند سلعها في الأسواق الخارجية وحتى في أسواقها الداخلية ما دفعها الى تبني سياسات نقدية سهلة. وتشير معلومات إلى أن روسيا تزيد عرض النقد بمعدّل 50 في المئة سنوياً. وتزيد بعض الدول الآسيوية إصدار النقود بما بين 12- 20 في المئة سنوياً، وأن ضخاً للنقود بهذا المستوى لا يمكن أن يستمر من دون أن تنتج منه عوارض تضخمية. ولم يعد ارتفاع سعر الذهب فقط تجاه الدولار، وإنما يرتفع الآن تجاه العملات الأخرى كلها ما يشير إلى ارتفاعه أكثر في المستقبل.

يضاف، إلى كل ما ذكر، التحوّل الذي بدأت تظهره اليابان والصين، وهما المقرضان الأكبر للولايات المتحدة، للتخلص من السندات وأذونات الخزينة الأميركية بأسرع ما يمكن بسبب الانخفاض المستمر في قيمتها، الأمر الذي بدأ يخلق مزيداً من الضغط على الذهب طالما أنه البديل للدولار في الاحتياطات الدولية. وتذكر التقارير أن ما يعادل 69 بليون دولار من أوراق الحكومة الأميريكية المالية تم التخلص منها في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي كحركة جديدة للابتعاد عنها.

ويرى محللون أنه لا يمكن تصور بيئة أكثر صعوداً بالنسبة لأسعار أنواع السلع كلها مثل الطاقة، والمعادن، والغذاء عما يتم حالياً. وبما أن المعادن الثمينة كالذهب والفضة هي نقود حقيقية لا ترتبط بأية ديون مقابلة أو خطر، لذلك يلجأ إليها المستثمرون في الأزمات للحفاظ على قيمة استثماراتهم.

................................................

الهوامش:

(1) David Galland, “What is going on With Gold” www.caseyrearch.com 18 October ‏2007‏‏

(2) Dudley p. Baker, Jr. “Dow 22000 VS Gold $ 1500 www.preciousmelaswarrants.com 16 October ‏2007‏‏

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-6-11-2007