الهند وتجاوز تحدي الطاقة... من أجل تنمية متوازية

 

توماس فريدمان

 

 

من بين الأشياء التي لا تُرى كثيراً ما شاهدته لدى زيارتي لإحدى القرى الهندية التي تبعد حوالي 350 ميلاً عن مدينة حيدر أباد. فقد رأيت مُسنّاً يُجري فحصاً على القلب في إحدى العيادات النائية بينما يقوم اختصاصي على بعد مئات الأميال في بانجالور بمشاهدة تخطيط القلب عبر الأقمار الاصطناعية، ومن ثم يشخِّص الحالة ولاشك أن هذا النوع من الطب عبر التلفزيون يؤشر على قدرات تكنولوجيا المعلومات في أفضل نماذجها.

لكنَّ ما أذهلني فعلاً هو العدد الكبير للبطاريات -16 بطارية- الموضوعة أسفل التلفزيون لضمان وصول الطاقة، وهو ما يمثل للأسف ثورة الطاقة في أسوأ نماذجها. فالهند تضم اليوم 250 مليون مستخدم للهاتف النقال، العديد منهم لا يكسب سوى دولارين أو ثلاثة في اليوم، كما أن أعداداً متزايدة تستخدم الكمبيوتر والإنترنت حتى في القرى البعيدة لكن مع ذلك لا تصل الكهرباء سوى إلى 85% من القرى الهندية، وحتى ذلك يُعد تقديراً متفائلاً لأن الكثير من القرى لا تحصل على الكهرباء طيلة 24 ساعة في اليوم.

ولو استطعنا فقط تحسين جودة الكهرباء وتوزيعها بشكل أفضل لكان بإمكاننا دفع تكنولوجيا المعلومات إلى جميع أصقاع العالم لخلق الوظائف وإنارة المدارس واستغلال الطاقات الكامنة لسكان القرى مثل 700 مليون قروي الذين يعيشون في الهند. فكم من "إديسون" يترعرع الآن في تلك القرى، لو فقط وفرنا لهم الإضاءة ليتعلموا.

وللتأكد من الإمكانات الهائلة التي تزخر بها القرى الهندية، ما عليك سوى أن تنظر إلى حجم العمل المبذول بوسائل متواضعة مثل البطاريات ومولِّدات الديزيل، فضلاً عن شبكة الربط الكهربائي المتهالكة في القرى. وخلال تواجدي بالهند زرتُ مجموعة من القرى رفقة فريق من مؤسسة "بيراجو" غير الربحية التي أسسها "رامالينجا راجو" وعائلته، والرائدة في مجال تصدير الوظائف.

وقد أرادت شركة "ساتيام"، التي أسسها "راجو" وأخوه وتتخذ من حيدر أباد مقراً لها، أن تخدم بلدها ليس فقط من خلال بناء المستشفيات وتزويد المدارس الابتدائية بأجهزة الكمبيوتر، بل أيضاً من خلال إقامة مراكز للشركة الأم في القرى الهندية النائية.

وهكذا وفي إحدى القرى المحاطة بأشجار الموز والغابات يقوم 120 قروياً من خريجي الجامعات، بعد خضوعهم لتدريب في الكمبيوتر واللغة الإنجليزية، بمعالجة البيانات الخاصة بإحدى شركات النشر البريطانية، كما يبيعون الخدمات نيابة عن إحدى شركات الهاتف الهندية ويعمل القرويون بنظام المناوبة، ثماني ساعات لكل فريق، ولو كانت الكهرباء متوفرة طيلة ساعات النهار لأضافوا فريقاً ثالثاً يعمل فترة ثماني ساعات أخرى وبالحديث إلى العمال في مركز "إتاكوتا"، وهو واحد من ثلاثة مراكز أنشأها الأخوان في قرية "بيراجو" يمكننا الاطلاع على ما يمكن أن يفعله اندماج تكنولوجيا المعلومات مع تكنولوجيا الطاقة، بحيث تستطيع أعداد متزايدة من الهنود البقاء في القرى، وفي الوقت نفسه الانخراط في الاقتصاد العالمي.

"سوريش فارما"، أحد موظفي الشركة، ويبلغ من العمر ثلاثين عاماً، كان يعمل في إحدى شركات النفط الأميركية بحيدر أباد، ثم قرر في النهاية الانتقال إلى القرية التي ينحدر منها والداه. وعلل انتقاله بقوله: "إنني أتمتع بمستوى حياة أفضل من أي منطقة حضرية في الهند"، مضيفاً أن "المدينة ليست سوى كتلة من الخرسانة يمضي فيها المرء معظم وقته في المواصلات للذهاب من منطقة إلى أخرى.

أما هنا فأنت تذهب إلى العمل مشياً على الأقدام، كما أني أبقى على اطلاع على ما يجري في المدينة، وفي الوقت نفسه متابعة تطوري المهني... إن الأمر يشبه الانتقال من وادي السليكون في أميركا إلى وادٍ حقيقي".

وفي هذا السياق يؤكد "فريجيس جاكوب"، الذي يرأس مؤسسة "بيراجو" أنه خلافاً للمدينة، حيث يغادر الموظفون الشركات ويأتون "في القرية لا أحد يتخلى عن وظيفته"، مضيفاً أن "القرويين يمتلكون حساً إبداعياً عالياً ولأن بعضهم لم يستخدم قط جهاز الكمبيوتر فإن احترامهم للفرصة التي أتيحت لهم للعمل في الشركة يفوق نظراءهم في المدن الذين ينظرون إليها كمكتسب بديهي" وعندما يُشرع في ربط القرى بالكهرباء وخطوط الإنترنت فإنك لا تعرف مع من ستلتقي، وهذا ما حدث لي في قرية "بوداجتلبالي"، حيث التقيت "شا يو"، الفتاة الصينية خريجة جامعة بكين التي تطوعت في هذه المنطقة الهندية النائية لتعليم طلبة المدرسة الثانوية كيف ينتجون جريدتهم بواسطة الكمبيوتر. وقد أوضحت ذلك بقولها: "لقد شعرت بأن الناس في الصين لا يعرفون الكثير عن الهند، لذا قررت المجيء إلى هنا ومعرفة ما يجري"، مضيفة: "وقد لاحظت أن تكنولوجيا الاتصالات مازالت غير متطورة في المناطق القروية بالهند، لذا أطلقت جريدة خاصة بالمدرسة الثانوية وإذا استطعت تعلم شيء من هنا، والذهاب به إلى الصين، فإنني أستطيع إفادة الحكومة الصينية بأفكار جديدة. وأعتقد أنه إذا تم ربط هذه القرية بشبكة الكهرباء فإن ذلك سيكون رائعاً بالنسبة للعالم".

والواقع أن الأمر سيكون رائعاً بالفعل بالنظر إلى الضغوط الكبيرة التي تعاني منها المدن الهندية مثل مومباي وكالكوتا واستحالة نموها أكثر. وحسب تقديرات السيد "جاكوب" يستطيع مركز واحد من مراكز شركته التي أحدثها في القرى أن يخلق من الوظائف ما يكفي لحرث 400 هكتار من الأراضي الفلاحية. وبعبارة أخرى تستطيع الهند خلق المزيد من الأراضي المستصلحة في القرى، لكنها لا تستطيع ذلك من خلال البطاريات، بل يحتاج الأمر إلى ثورة حقيقية في مجال الطاقة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-1-11-2007