تركز الثروة والهوس الاستثماري

 

ميشال مرقص

 

شيءٌ ما آخذٌ في الهذيان في هذا الكوكب الاقتصادي. الاضطراب يسود الموقف. محللو الشؤون الاقتصادية وحال المال لا يُصيبون، والاتجاهات تتعاكس في ذروةٍ من انعدام الثقة وتحت سقف القلق يسيطرُ خوفٌ ويُخيّم في النفوس، وتحت ضربات أزمات الاقتصاد العالمي، سقط رهان المؤسسات الدولية وانتكستْ توقعات مكاتب الدراسات والاستشارات.

منذ أيار (مايو) الماضي، ومع ذروة أزمة الرهن العقاري الأميركي العالي المخاطر، في آب (أغسطس)، أفلتت قيادة الاقتصاد العالمي من ضوابط السوق، وتحكمتْ بها، تحت قناع «الحريّة الاقتصادية»، قوّة رأس المال فالأسعار وجنون الاستثمار والبحث الشرِه عن مواطن استحواذٍ وتملك واحتكار وتفرّد، تدفع هذا «المناخ الاقتصادي الشامل» إلى عدم استقرار، وتُنذر بعواصف مدمّرة فيه.

فارتفاع أسعار النفط، واضطراب أسواق المال، في تموجٍ بين الأسعار والأرباح صعوداً وتراجعاً واستقراراً واهناً، ومضاعفة أسعار المواد الأولية المنجمية، وارتفاع المواد الأولية الغذائية، واختلال أسعار العقارات، وعرض الثروات للاستحواذ على شركات موصوفةٍ بأكثر من ضعف ثمنها الأساسي وتكلفتها الحقيقية، أمورٌ لا تستقيمُ مع منطق السوق، ولا مع النظريات الاقتصادية التقليدية أو تلك المرتكزة على معطياتٍ احتمالية.

والواقع أن تركزّ الثـــروة العالمية يكشـف عن الاعتلال غير العادل فيها، فالمعهد العالمي لأبحاث الاقتصاد التنـموي، التابع لهيئة الأمم المتحدة ومركزه هلسنكي، كشف قبل أقل من ســــنة، أن اثنين في المئة من سكان العالم البالغين يملكون أكثر من نصـف ثروة العالم وركّز في دراسته على ملكية الثروة من عقارات وأصول وأموال، وليس على توزيع الدخل أو الناتج المحلي وقـدّر أن خمسين في المئة من سكان العالم الأفقر لا يملكون أكثر من واحد في المئة من هذه الثروة ويتوزع الأثرياء في كل من أميركا الشـــمالية وأوروبا  ودول آسيا والمحيط الهندي، فيشكلون 26 في المئة من سكان العالم يملكون 90 في المئة من ثروته.

هذا التركّز في الثروة يدفع مالكيها إلى اقتحام ميادين التملّك والاستحواذ. وبمثل الإمبراطوريات الواقعية في التاريخ، تقتحم وتحارب وتتوسّع، تبني إمبراطوريات المال والثروات طموحها على التوسع والاستئثار وإلغاء الضعفاء من ممالك الكرة الاقتصادية، يدفعها حب المغامرة والسيطرة غير المحفوفة بالأخطار، لأن من يمتلك الثروات الكبيرة يضحي في جزءٍ منها لينافس في السوق، ويلغي منافساً آخر أقل متانةً منه.

وتتبلور مثل هذه الوقائع في جذب أقطاب المال للثروات الصغيرة من طريق تملك أساسيات في معترك الحياة اليومية الاقتصادية فالثروات التي تتولّد من ذاتها، هي في الوقت ذاته ثروات تأكلُ بعضها أو ذاتها، لا فرق. المتمكن المالي يسيطر على سوق الأسهم، يسيطر على سوق النفط يتحكم بأسعار المعادن الثمينة وسوق العقار والمواد الأولية المنجمية وتلك الغذائية، وتتراكم الثروات جرّاء الأرباح، فيما ينزف ضعفاء استثمروا ثرواتهم في وجه أقوياء لا ينهزمون.

يأتي دورُ أصحاب الثروة جلياً في سوق النفط. فارتفاع سعر البرميل وهو يقرع باب مئة دولار، لا يُعزى إلى نقصٍ في الإمدادات ولا في الإنتاج، على ما أكد مسؤولو منظمة «أوبك» مراراً، بل يكمن في عنصر المضاربة، وجني الأرباح السريعة، وهو أمرٌ يتبلور في زيادة العرض إثر ارتفاع غير مبرر، يخضع لدستور « اشترِ بسعرٍ رخيص وبع عالياً». وينعكسُ الأمرُ على أسواق المال والمعادن الثمينة أيضاً، لكنه لا يتبلور في أثمان المواد الأولية الغذائية التي تضاعفت في زمن قصير.

هذه العمليات تقود أصحابها إلى زيادة الإثراء، من دون إدراك مكامن النزف في الثروة فازدياد الثروة يتأتى من ابتكار المال، من ضخ سيولة ليست ناتجة من نشاط إنتاجي بقدر ما هي نتيجة نشاط خدمات، أي أن العملة في هذا المسار، هي نتيجة تضخمية وليست نتيجة نشاطٍ اقتصادي فعلي. والتضخم يأكل الثروة، وبما أنه فاعلٌ في ازديادها ، بات يشكل عنصر تآكل ذاتي داخلي. هكذا تُقاس الأسعار، وتالياً الثروات. معدّل التضخم هو ذاته معدّل حسمٍ من قيمة الثروة وحجمها.

بمقياس هذا التهوّر، وإسقاطه على ما يجري على صعيد الفورة المالية الحالية، تمكن الملاحظة أن عالم المال، المهيمن على النشاط الاقتصادي العالمي، يدمّر ذاته. انهيارُ الأسواق يلحق ضرراً بالجميع، ارتفاع أسعار المواد الأولية والنفط يزيد التضخم ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي العالمي وثروات الدول وتكلفة الخدمات والمضاربة على مستوى أسواق المال والنفط ومنتجات المناجم والغذاء تُعتبرُ وسيلة سيطرة القوى المالية العظمى على موارد العالم.

الهوس المالي يزيد تركز الثروة، هي تزيد في السنة أكثر من 40 تريليون دولار تتراكم من فوائض عالم التنافس. فقبل عامين كانت الزيادة في مستوى 33 تريلوناً ونحو عشرة ملايين ثري من سكان العالم المشرفين على 500 مليون نسمة فوق البلايين الستة، يملكون 80 في المئة منها.

هذا التركز في الثراء يفعّل المعيار الهوسي، وجلياً في دول ناشئة. ففي الصين (للمثال)، بات الحجم الترسملي لبورصة شانغهاي يوازي الناتج المحلي للعملاق الاقتصادي الناشئ. فالصينيون الأفراد يستثمرون بلايين الدولارات في أصول أجنبية، بدعمٍ من السلطات النقدية الراغبة في تنويع الاستثمار، وشراء أسهم شركات أجنبية.

وعندما أطلق، في الصين، أول صندوق استثماري دولي مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي، جمع في يوم واحد أربعة بلايين دولار. ومذّاك جمعت أربعُ شركاتٍ صينية تدير صناديق استثمار، نحو 30 بليون دولار، ويُتوقع أن يتدفق 500 بليون دولار إليها وهي ثروة توازي ما يقارب 20 في المئة من مدخرات الصينيين، لتستثمر في الأسواق الدولية ويربط محللون مصير الأسواق الصينية بمصير الأسواق الأميركية نظراً للتلاصق في الشراكة التجارية وإذ يتخـوف آخرون من أن يحوّل التضخم الصيني الازدهارَ إلى ازدهار زائف، يرى رئيس قسم الأسواق الناشئة في شركة «مورغان ستانلي إنفستـمنت مانجمنت» روشير شارما، أن قياس الاقتصاد الزائف يأتي نتـيجة مقارنة أسعار الأسهم في سنةٍ محددة، بالدخل المالي المـتوقع في العام الذي يلي، على أن تفوق النتيجة 50 ضعفًا. ففي عام 1989 كان ازدهار «ناسداك» زائفًا ومثله ازدهار هونغ كونغ في 1973 ووصلت مقارنة أسعار الأسهم بالدخل إلى معدل قياسي بلغ 55. اليوم بورصة الصين هي في معدل 35 (مجلة نيوزويك).

هوسٌ آخر، يتمثل في المنافسات القوية بين صناديق استثمار خليجية وعالمية لتملك مؤسسات أو شركات عالمية، تدفع بهم إلى رفع قيمة المؤسسات موضوع التملك إلى أضعاف حجمها الحقيقي فهل يقود هذا الهوس إلى التدمير الاقتصادي الذاتي، أم يتحوّل إلى تركز الثروة أكثر فأكثر لدى قلّة من الأشخاص والمؤسسات؟

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-5-11-2007