أسباب الارتفاعات في أسعار النفط الخام وآثارها

 

وليد خدوري

 

تتعدد وجهات النظر وتختلف في اسباب الارتفاعات القياسية والسريعة في اسعار النفط الخام. فبعضهم يعزوها الى عوامل جيولوجية بحتة، معتبراً ان الدول النفطية الكبرى وصلت الى ذروة طاقتها الانتاجية ولا تتوافر لها احتياطات جديدة يمكن استغلالها، وبعضهم ينسبها الى اسباب اقتصادية، منها النمو المستدام في الصين والهند، وآخرون يشيرون الى «الايادي الخفية» في الاسواق التي تنتهز هذه الفرص لتحقيق مكاسب مالية خيالية كالمضاربين مثلاً. وهناك من يتكلم عن زيادة الطلب عن الاستهلاك بسبب كميات التخزين الاضافية قبيل الصدام العسكري بين ايران والغرب. ويحصر بعض المراقبين النفطيين سبب التقلبات الاسبوعية بمستوى المخزون التجاري الاميركي للنفط الخام. وهناك طبعاً مشكلة التأخر في تشييد مصاف جديدة في الدول الصناعية. وأخيراً، ازداد الحديث عن تأثير ضعف قيمة الدولار على زيادة الاستهلاك، لكن من دون اي معلــومات مؤكدة، وارتفاع الطلب على النفط في اوروبا أو اليابان.

في الواقع تتعدد الاسباب، ومن الصعوبة حصر ظاهرة ارتفاع الاسعار لعامل واحد واساسي، ومن ثم اختلاف وجهات النظر حتى ضمن معسكر كل من المنتجين والمستهلكين، ناهيك عن الخلافات الواسعة في الرؤيا بين الطرفين الناتجة من تباين المصالح بينهما.

لكن الحقيقة هي ان من غير الممكن استمرار هذه الظاهرة الى فترة طويلة. والسبب ليس في مستوى الارتفاع فقط الذي وصلت اليه الاسعار أخيراً، اذ تجاوز سعر النفط الاميركي الخفيف الاسبوع الماضي مستوى 96 دولاراً للبرميل، بل في سرعة وتيرة هذه الزيادات يوماً بعد يوم من دون أسباب واضحة لذلك. بمعنى آخر من دون بروز عوامل جديدة في الاسواق تدعو الى بروز هذه الارتفاعات اليومية.

من نافل القول، ان هذه الزيادات ستكون لها انعكاسات اقتصادية سلبية في الكثير من الدول المستهلكة، خصوصاً في الدول النامية، اذ ان العبء على ميزان المدفوعات لهذه الدول سيتفاقم، ناهيك عن الصعوبات التي سيواجهها المواطن الذي يضطر الى ان يستعمل سيارته للتنقل والحصول على لقمة عيشه. فارتفاع سعر البنزين، بخاصة بعد ان قرر الكثير من الحكومات زيادة الضرائب عليه، سيزيد من ثقل هذه الزيادة على موازنة العائلة.

وتأتي هذه الزيادة في الوقت الذي يعاني الاقتصاد الاميركي ازمة ديون الرهن العقاري. وبدأ الكلام هذه الايام في الولايات المتحدة عن احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي.

وحتى لو كان الموضوع يتعلق بالوضع الداخلي الأميركي فلا يمكن غض النظر عن آثار هذا التباطؤ وانعكاساته على الاقتصاد العالمي عموماً، كآثاره على قيمة الدولار وسعر الفوائد، وحجم الصادرات اليها، خصوصاً من الصين. فهذه الاثار ستنعكس عاجلاً أم آجلاً على الطلب على النفط، ومن ثم على اقتصادات الدول المنتجة نفسها.

ولا يجب أن ننسى الأوضاع السلبية التي مرت بها الدول المنتجة بعد كل ارتفاع شديد وسريع في الاسعار، ومن ثم انعكاسات الانخفاض الذي يلي هذه الزيادات، من دون توقع الوصول الى المستويات الدنيا التي وصلت اليها اسعار النفط آنذاك وهي نحو 10 دولارات. ولا اعتقد بأن التجارب ما بعد انخفاض اسعار النفط في 1986 و1998 غائبة عن ذهن المسؤولين السياسيين والاقتصاديين في بلادنا.

ان احتمال تقلص النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة يطرح مسألة مهمة امام منظمة «اوبك». فهي اذا زادت الانتاج بصورة كبيرة الان في الوقت الذي يتوقع حدوث انحسار اقتصادي اميركي، سيؤدي الى انهيار الاسعار، وسيجعل صعباً التحكم بسرعة الانحدار، كما نجد ان من الصعب التحكم بوتيرة الصعود الحالية كما تعلمنا من تجربة الانهيار الاقتصادي الآسيوي في العقد الماضي.

لكن في الوقت ذاته، من الصعب جداً على منظمة «أوبك» ان تتجاهل الانعكاسات السلبية للارتفاعات الاخيرة، إن على اداء الاقتصاد العالمي، او على ادائها بالذات. فالاعتراف العلني من قبل بعض المسؤولين ان ما باليد حيلة، وان «أوبك» غير قادرة على وضع حد لهذه الارتفاعات هو في شكل أو آخـر، اعتراف بعدم التمكن من وضع حد لتقلبات السوق اليومية.

من الامور الخطرة، في هذه الاوضاع الدقيقة، محاولة تسييس القرار، أي محاولة تحقيق مآرب سياسية من خلال استغلال ارتفاع اسعار النفط. فالكرة ستعود الى اصحابها من خلال هذا النوع من التفكير، خصوصاً بعد الاستثمارات الضخمة من قبل الدول المنتجة في طاقات انتاجية عالية، والتي ستتوقف عن العمل في حال تقلص الطلب بسبب ارتفاع اسعار النفط والآثار السلبية التي ستخلفها هذه الظاهرة على الاداء الاقتصادي العالمي، وبعد ان اعتادت موازنات الدول المنتجة على ايرادات نفطية عالية. والمهم هو تحقيق الاستقرار في الاسعار مع ارتفاعات تدريجية معقولة تعكس المتغيرات الاقتصادية العالمية وموازين العرض والطلب في الاسواق.

اما الذي يحدث من ارتفاعات للاسعار هذه الايام، فمرده في نهاية المطاف، عوامل الخوف والقلق التي تسود الاسواق من احتمال انقطاع في الامدادات من الشرق الاوسط في المستقبل المنظور.

فأهمية الارقام الاسبوعية عن مستوى المخزون التجاري الاميركي للنفط الخام، مبالغ فيها. فأحدث المعلومات الرسمية عن مستوى هذا المخزون تشير الى ارتفاعه عن مستوى بليون برميل (1014 بليون برميل) تشكل 18 مليون برميل زيادة عن معدله في السنوات الخمس الماضية. طبعاً، نحن نتكلم هنا عن المخزون التجاري فقط، وليس المخزون الاستراتيجي الذي يصل مستواه ايضاً الى نحو بليون برميل تقريباً. والفارق بين المخزونين ان «التجاري» هو من مسؤولية شركات النفط ويستعمل في توازن العرض والطلب الاميركي اليومي، بينما «الاستراتيجي» هو من مسؤوليات الحكومة الفيديرالية ومهمته تعويض السوق الأميركية في حال انقطاع الامدادات. وبما ان الولايات المتحدة تستهلك نحو 22 مليون برميل يومياً، تنتج منها نحو 9 ملايين، وتستورد 13 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتوجات البترولية نحو2،50 مليون برميل يومياً منها تأتي من الدول العربية، فتبين من هذه الارقام الحجم الضخم للمخزون النفطي الاجمالي المتوافر في الولايات المتحدة والمدة الطويلة التي تستطيع ان تصمد خلالها على رغم انقطاع الامدادات من الخليج.

لكن طبعاً، اي انقطاع محتمل في الامدادات من الخليج بسبب نشوب صدام عسكري بين الولايات المتحدة وايران سيؤثر على السوق النفطية العالمية، على رغم المخزونات الاميركية، لأن سوق النفط تشبه توازن السوائل في الاواني المتصلة، اذ ان اي انقطاع مهم في الامدادات سيؤثر على الاسعار في مجمل انحاء العالم.

اعلنت منظمة «أوبك»، بعيد الاجتماع الوزاري الأخير في ايلول (سبتمبر) الماضي في فيينا، انها ستعمل لتحافظ على مستوى للاسعار لا يتجاوز 80 دولاراً للبرميل. ومن الواضح الآن ان الامور أفلتت من يدها الى حد كبير، وانه يجب التعامل معها بجدية، للمحافظة على صدقية المنظمة من جهة، وصحة كل من سوق النفط والاقتصاد العالمي من جهة اخرى.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-5-11-2007