هل أصبحت الصين «حلم» المهاجرين الجدد؟

 

 

أريانا اونيونغ تشا

 

تتوفر فيها فرص العمل وتتم هناك مكافأة المشاريع الفردية مع وجود روح تسامح شاملة

قضى خالد رشيد وعائلته لياليَّ كثيرة، لابثين في بيتهم خوفا خلال ساعات الليل مع انفجار قنابل بالقرب من بيتهم في بغداد. ومثل أجيال من الأشخاص سبقوه في الهجرة ظل يحلم بحياة أفضل في مكان آخر. لكن أين؟ كان العثور على مكان آمن هو اولى أسبقيات رشيد لكن الانفتاح على الإسلام وآفاق اقتصاد مزدهر كانت مهمة أيضا بالنسبة له. ولم يمض وقت طويل عليه قبل الاستقرار في مكان تتوفر فيه العناصر التي يبحث عنها.. الصين.

بالنسبة لأعداد المهاجرين المتزايدة على المستوى العالمي، أصبحت الصين ـ لا الولايات المتحدة ـ الأرضَ التي تتوفر فيها فرص العمل بشكل غير محدود، وتتم هناك مكافأة المشاريع الفردية مع سيادة روح تسامح شاملة. وقال رشيد، 50 سنة، الذي انتقل هو وأسرته التي تضم 5 أطفال إلى مدينة ييوو في فبراير (شباط) الماضي: «في الصين الحياة جيدة بالنسبة لنا. فللمرة الأولى منذ فترة طويلة تشعر عائلتي كلها بالسعادة».

وبينما لا تشجع الصين رسميا قدوم المهاجرين إليها فإنها جعلت الأمور أكثر فأكثر سهلة لهم، خصوصا بالنسبة لرجال الأعمال أو أولئك الذين يمتلكون أحلاما بتحقيق مشاريع تجارية وصرف أموال عليها، وهذا ما يمكِّنهم من الحصول على السماح بالبقاء فترة طويلة في الصين. وعادة يتطلب الأمر الحصول على رسالة دعوة من شركة محلية أو دفع مبلغ 500 إلى مضارب كي يكتب واحدة لك.

وهناك حاليا أكثر من 450 ألف شخص في الصين مع فترات سماح بالبقاء فيها تتراوح ما بين سنة إلى خمس سنوات. وهذا العدد هو ضعف ما كان عليه عام 2003 حيث لم يتجاوز رقم 230 ألف شخص. ويحمل 700 أجنبي آخر البطاقات الخضراء المشتهاة كثيرا، والتي تم العمل بها لأول مرة منذ عام 2004.

ويمكن تلمُّس انفتاح الصين على الأجانب من خلال ظهور المناطق الخاصة بالكيانات الاثنية، وهي ظاهرة لم تكن معروفة منذ وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى الحكم عام 1949. وهذه المناطق الجديدة تذكّر بالمرحلة السابقة للصين الثورية حيث كانت مدن مثل شنغهاي تعج بالفرنسيين والبريطانيين واليابانيين.

وتشكل منطقة وانغ جينغ الواقعة شمال بكين مكانا لسكن أعداد كبيرة من الكوريين؛ وفيها مدارس ومحلات أغذية وكنائس وبارات وصحف يومية تخص هذه الجالية. وعلى بعد أميال قليلة هناك في مدينة ريتان بارك يعيش أناس يتكلمون الروسية؛ وهم قدموا إلى هنا من الجمهوريات السوفياتية. وفي ييوو يشم المرء رائحة شواء الكباب ودخان النارجيلات والشاي المحلى بالسكر والزبائن الذين معظمهم من العرب.

وإذا كانت الصين خلال الستينات والسبعينات قد حاولت إغراء العالم بآيديولوجيتها، فإنها اليوم تحاول كسب الدول النامية لأهداف استراتيجية محسوبة بدقة، فأكثر ما تسعى الصين إليه عقود طويلة الأمد للنفط والغاز والمعادن الطبيعية لتغذية اقتصادها المزدهر.

وخلال العشرين سنة الأخيرة، بدأت الحكومة وبشكل تدريجي بالسماح للأقلية المسلمة كي تعيد بناء مؤسساتها التي تم تدميرها خلال الثورة الثقافية. وأعيد فتح المدارس الإسلامية وتم تشجيع علماء الإسلام للذهاب إلى الخارج لمتابعة دراساتهم. وتتمتع الأقلية المسلمة التي يبلغ عددها حوالي 20 مليون نسمة بحماية وامتيازات خاصة.

وقال أدامو ساليسو، 25 سنة، من النيجر: «في أميركا الناس الذين هم من ديني يواجهون مشاكل كثيرة. فالصورة التي لديهم عن المسلمين هي أنهم إرهابيون والصينيون ليست عندهم مشكلة مع الدين. وهم يعتقدون: إنه دينك وهذا شيء مقبول». ويتابع ساليسو بمنحة دراسة من الحكومة الصينية دراسة الماجستير في علم الكيمياء الحيوية وعلم الأحياء الجزيئي في جامعة خيمان بإقليم فوجيان. وازدهرت في تلك المنطقة فئة من التجار العرب في القرنين السابع والثامن. وسيلتحق أخوه نور محمان، 23 سنة، هذا الخريف في دراسة الماجستير في مجال البتروكيمياء بشنغهاي.

والجوامع في مناطق مثل ييوو، حيث يتركز الأجانب، منحت حرية أكبر من جوامع أخرى تخضع لسيطرة الدولة الصارمة. ويقدر المسؤولون في الجامع هنا ان أكثر من 20 ألف مهاجر مسلم، بينهم حوالي ألف من العراق، استقروا في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية.

وقال الامام ما تشونزيم «الشعور الرئيسي هو انهم أحرار هنا. الناس يشترون الشقق والسيارات ويريدون ان يعيشوا هنا بشكل دائم». وقال ما انه عندما وصل أول مرة الى ييوو قادما من بكين عام 2001 كان هناك ما يزيد على 100 فقط في جامعه.

وكانت الطقوس تقام في مكان مستأجر بغرفة فندق. أما في الوقت الحالي، فهناك ما يصل الى ثمانية آلاف ممن يشاركون في صلاة الجمعة في الجامع الجديد المضاء الذي جرى تحويله من مستودع في مصنع للحرير بأموال من الأجانب الذين كانوا قد استقروا في المدينة.

ومن بين مساعي الصين لتعزيز الأواصر مع العالم النامي البعثات الدراسية، وهو برنامج بدأ عام 1949 عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية، ولكن ذلك زاد بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة. وفي عام 1996 وفرت الصين حوالي 4200 بعثة. وفي العام الماضي كان العدد 8500.

ومن بين الحاصلين على المنح الدراسية، أطفال النخب في البلدان التي تأمل الصين صياغة علاقات صداقة معها. فوالد ساليسو، على سبيل المثال، يعمل في مكتب البروتوكول الرئاسي في النيجر. والنيجر بلد غني باليورانيوم الذي تحتاجه الصين لمشاريعها النووية وسمع بنجامين امادي، 21 عاما، الذي يسعى الى الحصول على درجة البكالوريوس في الادارة العامة في جامعة خيامين، عن البعثات عبر عمه، وهو سفير لدى موزمبيق حيث تشتري الصين الخشب الذي تحتاجه الصين في البناء.

وتغذي اهتمام الطلاب بالصين قصص المقاولين الذين خلقوا ثروتهم بأنفسهم. وتعتبر قصة معتصم أنور نموذجية وأنور، الأصغر بين 12 طفلا، نشأ في الشمال العراقي الذي يقطنه الأكراد خلال حكم صدام حسين. وكانت عائلته تكسب عيشها المتواضع من خلال بيع الجوارب في سوق بأربيل. وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة كانت لدى أحد اشقائه الكبار فكرة محاولة البدء بمشروع عبر استيراد السلع من الصين الى العراق. وجاء انور الى الصين في أكتوبر(تشرين الأول) 2003 لهذا الغرض. وعندما وصل الى مطار يتسم بروائح ومشاهد غريبة كان رد فعله الأول «أعتقد أنني سأبقى اسبوعا واحدا فقط ثم أعود سريعاً). ولكن القيام بمشروع مع الصين تحول الى شيء افضل مما تخيله أي امرئ.

وبالأرباح الأولى التي حصلت عليها العائلة اقامت العائلة محلا في أربيل. وسرعان ما توسع العمل الى عشرة محلات. ثم شيدوا مصنعا وخمسة مستودعات. وقال انور «في الوقت الحالي لدينا بناية من ستة طوابق ونحن نؤجر أماكن لآخرين». ولم يكن لدى العائلة مشروع فقط وانما شركة حملت اسم «السبيل للتجارة العامة».

وكانت لدى أنور، 29 عاما، أموال تكفي لنقل نفسه وزوجته بالا بارزام، 27 عاما، وهي معلمة سابقة في مدرسة ابتدائية، الى الصين. وهو يعتزم ارسال طفليه، وهما سافا البالغة عامين واحمد، ثمانية اشهر، الى مدرسة صينية والتحق به ايضا شقيقه الأكبر واثنان من ابناء عمه وعوائلهم في مدينة ييوو. وكانت لدى رشيد، المقيم السابق في بغداد، فرصة جيدة مماثلة في الصين.

وقال انه عندما ابلغ اطفاله بأنهم سينتقلون الى الصين كان الجميع يبكون. فما كانوا يريدون مغادرة بيتهم. ولكنه قال ان الحياة اصبحت مريحة خلال الأشهر الثمانية الماضية. وقال رشيد «أحب السلام لا أريد ان اسمع القنابل والكراهية».

غير أن هناك حدودا لترحيب الصين. فمن المستحيل تقريباً على الأجانب الذين لا يتحدرون من اصل صيني الحصول على المواطنة، وكما هو الحال في دول اخرى، فان لدى الصين حصتها من سوء الفهم والصدامات العنصرية مع الأجانب.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-خدمة «واشنطن بوست» ـ 22-10-2007