رومانو برودي... هل يقفز بإيطاليا على ظهر الحصان "الرابح"؟!

 

 

بعد حملة انتخابية محمومة شهدت استقطاباً وشداً وجذباً لا سابق لهما، تكللت مساعي زعيم تحالف وسط اليسار الإيطالي رومانو برودي أخيراً بالنجاح، وذلك بفوزه بفارق ضئيل للغاية، على منافسه رئيس الوزراء منتهي الولاية سيلفيو برلسكوني. وقد قاد برودي (66 عاماً) حملته الانتخابية تحت شعار "الصرامة والفاعلية في الحكم"، مركزاً على إثارة أكثر الموضوعات إدماءً لمنافسه، وفي مقدمتها الإخفاق الذريع الذي مني به أداء الاقتصاد الإيطالي تحت قيادة برلسكوني، الذي أثبتت الأيام أنه لم يجعل الإيطاليين أبداً أغنياء مثله. ولئن كان خيار الإيطاليين قد رجَّح الكفة بالكاد وبعد لأْيٍ شديد، لصالح برودي في النهاية، مع اعتراضات لا زالت متواصلة من قِبل برلسكوني على مصداقية نتائج الفرز، فما ذلك إلا لكون المعركة الانتخابية كانت مربكة حقاً للإيطاليين، وكان الاختيار صعباً للغاية، بمعايير تأثرهم بفنون الاتصال، وما تفرضه مقتضيات الترويج والعلاقات العامة. إذ كانت نقمتهم على برلسكوني وخيبة الأمل المُرة فيه تدفعهم بقوة في تجاه برودي، في حين كانت قلة جاذبية هذا الأخير الإعلامية والاتصالية تصدُّهم عنه هو الآخر بقوة أيضاً. فعلى عكس برلسكوني سليط اللسان، ذي الميول الشعبوية أحياناً، وصاحب الإمبراطورية الإعلامية، واللغة "غير الدبلوماسية"، والتصريحات الفجَّة الطَّنانة، وقبل كل شيء، الأناقة التي لا يُعلى عليها، يفتقر رومانو برودي إلى القدرة على توظيف الدعاية واقتحام الأضواء وإطلاق المزايدات الخطابية والتصريحات في عنان السماء، كما يبدو في مظهره متمرداً على أبسط متطلبات الموضة، وفي البال هنا خاصة نظارتاه السوداوان الخرافيتان، الخاليتان قطعاً من الرشاقة!. وعلى الأقل، فليس برودي رجل حملات انتخابية من الطراز الأول، بل يعتقد معظم المقربين منه أن أداءه الخطابي في المهرجانات العامة والجموع الحاشدة غالباً ما يكون مخيباً للآمال، إذ يفضل "البروفيسور" –كما يلقبه الإيطاليون- بدلاً من ذلك مخاطبة جمهور صغير متخصص، خاصة أن الرجل ظل دائماً في نظر كثيرين وفياً لمتطلبات كونه "أكاديمياً مُعاراً مؤقتاً للسياسة"! وعلى أية حال فإن رومانو برودي يبدو الآن في نظر قطاعات واسعة من الشباب الإيطالي، خاصة في الجنوب الصقلي الفقير -المطحون بخيبات أمل أصحاب المشروعات الصغيرة المفلسة، وضربات المافيا المستعصية على الترويض- بمثابة "غودو" آخر قادم للملمة هشيم اقتصاد عاثت فيه سياسات سلفه برلسكوني الاقتصادية إفلاساً وعجزاً وعطالة على نحو غير مسبوق. فهل يوظف برودي خبراته كواحد من أبرز اقتصاديي القارة العجوز والعالم، لإقالة عثرة الاقتصاد الإيطالي، بشكل حاسم؟ وهل تقفز إيطاليا في عهده من على ظهر الحصان الأطلسي "الخاسر" إلى صهوة الحصان الأوروبي "الرابح" قبل نهاية السباق؟

لكن قبل هذا وذاك.. من هو رومانو برودي نفسه... الرجل والأعمال؟ ولِد رومانو برودي يوم 9 أغسطس 1939 في بلدة سانديانو بمنطقة "ريجيو أميليا"، بضواحي مدينة بولونيا الإيطالية التي ظلت هي عنوان إقامته الدائم حتى الآن، هو وزوجته فلافيا وابناه. وبعد طفولة عادية في أسرة متديِّنة، تخرج في سنة 1961 من كلية القانون بجامعة ميلانو الكاثوليكية، ليلتحق بعد ذلك بمدرسة لندن للاقتصاد الشهيرة، وبعد عودته تولى تدريس الاقتصاد والسياسات الصناعية بجامعة بولونيا، كما درَّس بمعهد لومبارد، وانتدب للتدريس في أعرق الجامعات الأميركية مثل استاندفورد، وهارفرد. وشغل كذلك لفترة معينة منصب المستشار الاقتصادي للبابا يوحنا بولس الثاني لشؤون أوروبا الشرقية. وفي سنتي 1978 و1979 استلم حقيبة وزارة الصناعة في الحكومة الإيطالية.

كما تولى من 1982 إلى 1989 منصب رئيس المعهد الإيطالي لإعادة البناء الصناعي، وهي الوظيفة التي عاد ليشغلها مرة أخرى سنتي 1993 و1994 أيضاً. ومع حلول سنة 1996 تمكن برودي من قيادة تحالف "الأوليفييه"، الذي يتزعمه، للفوز بالانتخابات ليستلم رئاسة الحكومة الإيطالية للمرة الأولى، حتى سنة 1998. وفي السنة التالية، سبتمبر 1999، كانت تنتظره مهمة أخرى لا تقل جسامة، هي رئاسة المفوضية الأوروبية في بروكسل، التي شهدت في عهده بعض أبرز إنجازاتها القارية، وأيضاً بعض أشد إخفاقاتها مرارة، خاصة فيما يتعلق بتمرير الدستور الأوروبي الموحد، في فرنسا وهولندا. وبعودته الآن ليشغل -على الأرجح- منصب رئاسة الحكومة في روما للمرة الثانية في حياته، يجد رومانو برودي نفسه في وضع صعب، ليس فقط لثقل التركة التي خلفها له برلسكوني، خاصة في يتعلق بتردي الاقتصاد، وإنما أيضاً لطبيعة التحالفات الصعبة التي سيتعين عليه الدخول فيها لتشكيل الحكومة أصلاً، طالما أنه لا يريد تكرار السيناريو الألماني بالتحالف مع برلسكوني، ولكونه أيضاً لا يتمتع وحده بأغلبية مريحة في البرلمان.

ففي مجلس الشيوخ لا تزيد أغلبيته على المعارضة إلا بصوتين فقط، أما في مجلس النواب، فمع أن أغلبيته أرْيح قليلاً، إلا أن خريطة التحالف الذي يقوده مُعقدة أصلاً بشكل ينذر مُسبقاً بانفراط عقد أية حكومة، خاصة في بلد غير مستقر حزبياً، ويكاد يكون حلُّ وتشكيل الحكومات رياضته الصباحية الأولى، منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن. ولا تنتظر التحديات الداخلية وحدها رومانو برودي، بل ينتظره ما هو أكثر تعقيداً أيضاً فيما خصَّ السياسة الخارجية. فإعلانه المبكر عن نيته سحب قواته من العراق، بدا مؤشراً سريعاً على معالم خروج إيطالي وشيك من حظيرة التبعية الأطلسية التي وصلت فيها روما تحت حكم برلسكوني درجة من الارتهان أثارت سحباً من الشك حول استمرارية دورها المحوري في المشروع الأوروبي، الذي كان أبرز طرفين آخرين فيه، وهما باريس وبرلين، قد أخذا مسافة أمان واضحة من المواقف الأميركية- البريطانية.

ولأن رومانو برودي، ليس اشتراكياً على طريقة خوزيه لويس ثاباتيرو في إسبانيا، فإن خروجه المرتقب من فيلق أتباع واشنطن ربما لن يكون صاخباً واستعراضياً، بل الأرجح أن تعرف مواقف روما زحزحة سلسة، ذات طبيعة هادئة ومستمرة، ليس في اتجاه ما كان قبل سنتين، محور باريس- برلين، بل للإسهام فقط في ترسيخ دعائم محور أوروبا البازغ الجديد الذي تتزعمه أحزاب الوسط ذات الخلفيات أو الأهواء الديمقراطية- المسيحية أساساً، ابتداءً من أنجيلا ميركل في ألمانيا، والآن مع رومانو برودي في إيطاليا، والسنة القادمة –وفق أقوى الاحتمالات- مع وصول آخر العنقود نيكولا ساركوزي إلى قصر الأليزيه في باريس.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-15-4-2006