صندوق النقد والمصداقية المفقودة.. هل يعيدها ستروس؟

 

أنيسة مخالدي

 

 

أثار فوز رجل الاقتصاد والسياسة الفرنسي الاشتراكي التوجه دو منيك ستروس كان بمنصب المدير الجديد لصندوق النقد الدولي كثيرا من التساؤلات: هل يستطيع الرجل الجديد أن يغير شيئاً ما في الوضع الراهن؟ هل يستطيع بإصلاح هياكل هذه المؤسسة وإدراج لمسة «إنسانية» إنقاذ سمعة هذه المؤسسة التي فقدت كل مصداقيتها، حتى أصبح شعارها في محاربة الفقر ودعم تنمية الدول الفقيرة لا يعني شيئاً اليوم.

لا شك أن الإجابة على هذا السؤال يحتاج الى أن نُمْهل الرجل قليلا من الوقت خاصة انه سيّتسلم إرثاً ثقيلا وفي انتظار ذالك لا يسعنا إلا أن نعترف للمرة الألف بفشل المُقرضة الأولى في العالم في تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله: وهو محاربة الفقر...تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي أعطى نتائج كارثية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث يعرف المستوى المعيشي للسكان تدهورا خطيرا: غلاء في الأسعار واختفاء قطاع الخدمات وتراجع الدول عن دعم المرافق الحيوية في مجال الصحة والتعليم.

والأدهى أن كل هذه الإجراءات التي خنقت شعوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية وكسرت ظهر الدول المستدينة التي أضحت تحول كل قرش يدخل صناديقها لخدمة الديون، كل هذا لم يغير شيئا في الوضع، فالدول الفقيرة ما زالت على وضعها بل وهي تسوء وضعاً يوما بعد يوم وبدل مسح ديونها فإن القارضين يعرضون على أشدها فقراً برامج أخرى تزيد من الطين بلّة، كإعادة الجدولة و«الإحكام الهيكلي». حتى أصبح %80 من سكان الكون يعيشون تحت خط الفقر.

لا شك أن فساد الأنظمة الحاكمة في هذه الدول الفقيرة يساهم بنسبة كبيرة في بقاء الوضع على ما هو عليه، لكن من الملاحظ أيضا أن السياسات الاقتصادية التي يمليها الصندوق على هذه الدول لا تساهم في تحسين الأوضاع، ومعظم الدول التي حصلت على قروض من هذه الدول مقابل فتح أسواقها لم تعرف النمو الاقتصادي المنتظر ولنا في ذلك عدة أمثلة كغانا مثلا ذلك البلد الأفريقي الذي سمي قديما «ساحل الذهب»، والذي أصبح الآن بعد أكثر من عقدين من إشراف الصندوق الدولي على توجيه اقتصاده من أكثر الدول فقراً في العالم.

ولن نجد تفسيرا لمثل هذه الوضعية عند مسؤولي هذه المؤسسات العالمية الذين نادراً ما يتحدثون وإن حدث ذلك فلكي يَلقوُا باللوم على الدول الفقيرة ويتهمونها بعدم الالتزام باحترام التوصيات بحذافيرها. وهنا يحضرني قول رجل الاقتصاد المعروف جون كنيث غلبرايث صاحب الكتاب المعروف «نظرية فقر الجماهير» 1980: الذي يقول «الاقتصادي هو ذلك الرجل الذي لا يعرف عن ماذا يتحدث لكنه يحسّسك أنك السبب في ذلك.. ».

اليوم أكثر من أي وقت تعود مسألة فعالية المؤسسات المصرفية العالمية في محاربة الفقر إلى الواجهة ومعها أيضا التساؤل عن المغزى من استمرار وجودها. فبعض دول أمريكا اللاتينية مرورا بدول آسيا الشرقية ووصولا إلى روسيا أضحت اليوم تسدد ديونها ولا تلجأ لهذه المؤسسات ومعظمها استفاد من ارتفاع أسعار النفط، أو ما أصبحت عليه بعض الدول الفقيرة من تفضيلها الاستفادة من قروض دول غنية كالصين، فنزويلا أو المملكة السعودية على الاقتراض من هذه المؤسسات.

الأساليب التي يتبناها صندوق النقد والبنك الدولي في تطبيق سياسته هي الأخرى أضحت على المّحك، فاعتماده المطلق على خصخصة كل ما يمكن أن يخصّص، والضغوطات التي يمارسها على الحكومات لسحب الدعم من قطاع الخدمات فجرت أزمات اجتماعية كثيرة وأثارت عليه ثائرة المنظمات المناهضة للعولمة والرأي العام كما أسفرت عن ظهور نوع جديد من حركات التمرد الشعبية سميت «بانتفاضات صندوق النقد»، على غرار ما عرفته الأرجنتين من مظاهرات شعبية سنة 2001 وهايتي سنة 2004.

بقي أن نقول شيئاً عن هياكل هذه المؤسسة وطريقة تسييرها التي تحتاج لإصلاح حقيقي وهي التي بقيت دون أي تغيير يذكر مدة أكثر من نصف قرن أي منذ تأسيسها سنة 1945 وكأنه قدر محتوم أن تحتكر الولايات المتحدة تسيير البنك العالمي وأن تتولى المجموعة الأوروبية مهمة إدارة صندوق النقد الدولي، متجاهلة تماما المعطيات الاقتصادية الجديدة وأهمها الصعود الصاروخي للصين والهند.

فأين هي شرعية صندوق النقد ومجلس إدارته الذي يضم من بين أعضائه الأربعة والعشرين سبعة أوروبيين، لماذا تنحصر إدارة الصندوق على الأوروبيين فقط؟ وكيف يمكن أن تُصوت قرارات اليوم في مجلس هذه المؤسسة بحكم قوانين وضعت منذ أكثر من نصف قرن، يكون فيها صوت بلجيكا أكثر وزناً من صوت الهند؟؟ وهولندا التي يزن صوتها مرتين صوت البرازيل...؟؟.

لا شك أن ستروس كان الاقتصادي المُحّنك قد فهم صعوبة مسؤولياته وأنه سيتسلم منصبه وصندوق النقد الدولي يجتاز أزمة مصداقية خطيرة، وربما هذا ما جعله يتقدم لهذا المنصب تحت شعار «ستروس كان مرشح الإصلاح» لكن الكلام عن إصلاح صندوق النقد لا يمكن أن يكتمل إلا بفتح ملف البنك الدولي الذي يديره دائما مقربون من البيت الأبيض، وهو ما ينال من شرعيته هو الآخر، وربما كان الحل هو في إنشاء نماذج جديدة من المصارف الجهوية على غرار ما تفعله بعض دول أمريكا اللاتينية كفنزويلا، بوليفيا، نيكاراغوا والإكوادور التي تسعى الآن لإرساء قواعد «بنك الجنوب» بعد انسحابها من صندوق النقد والبنك الدولي.

* كاتبة جزائرية مقيمة في باريس

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-23-10-2007