أزمة الأسواق المالية...مســوخ خفـيـة

 

إريك شاني

 

الأزمة الحالية التي تشهدها الأسواق المالية شبيهة بفضائح القرن الـ19، عندما فقد العلماء ثقتهم بالرياضيات

في أواخر القرن الـ19، أصبح التقدم في الرياضيات مصدر فضائح هزت مجال العلوم وغيره من المجالات. فكبار الباحثين في الأمور النظرية مثل جوسيبي بيانو وجورج كانتور كانوا يتوصلون إلى "وحوش"، أي معادلات حسابية تتخطى المنطق، مثل منحنى لامتناه يملأ الفراغ ومفارقات منطقية محيرة، مثل عدم وجود المجموعة التي تضم كل المجموعات. كانت هذه المسوخ تتكاثر، مهددة الثقة التي كان العلماء يضعونها في الرياضيات.

للأزمة الحالية التي تشهدها الأسواق المالية قواسم مشتركة مع تلك الحقبة. فالمنتجات المالية الرديفة المعقدة،مثل القروض الممنوحة لغير المؤهلين المتداولة بشكل أسهم أو المشتقات المالية الائتمانية، هي "مسوخ" اليوم. تماما مثلما شكك بعض العلماء في أسس اختصاصاتهم آنذاك، فإن بعض المصرفيين اليوم لم يعودوا يثقون بأندادهم أو حتى بالأسواق. ومثلما طالب علماء الرياضيات بـ"توضيحات"، يطالب صانعو السياسات والمستثمرون بـ"الشفافية" الآن.

الأزمة خطيرة. بعد عشرة أسابيع من نضوب السيولة في بعض الأسواق المالية الأمريكية والأوروبية، ما زلنا بعيدين عن تخطي الأزمة. البنوك لا تثق بالبنوك الأخرى وكل منها يشك في أن الآخر تورط في الكثير من المعاملات التي تنطوي على مخاطر. ونتيجة لذلك، تفرض البنوك رسوما إضافية على زبائنها من شأنها تغطية التكاليف المترتبة عليها من جراء التمويل وتحمل المخاطر، إما من خلال جعل القروض أكثر كلفة أو من خلال اتباع معايير انتقائية أكثر تشددا. وهذا يؤثر في الاقتصاد الحقيقي: في منطقة اليورو مثلا، 75 بالمائة من الديون المترتبة على الشركات منذ عام 1997 مؤلفة من ديون مصرفية تقليدية. لذلك، فإن الأزمة المالية تجبر البنوك على اتباع معايير صارمة لمنح القروض، ما سيؤثر بدوره في الاقتصاد الحقيقي وربما أيضا في الوظائف.

هذه الأزمة بحد ذاتها هي فصل جديد في المعركة بين الابتكار والتنظيم التي تحصل مرة في كل قرن. لقد أدت الأزمات المصرفية في القرن الـ19 وخلال فترة الركود الكبير إلى معايير تنظيمية أكثر صرامة. وفي الآونة الأخيرة، لم تكن الأسواق المالية تخضع لتنظيم كبير بعد سياسة "بيغ بانغ" التي اتبعتها مارغريت تاتشر. والنتيجة هي مجموعة كبيرة من النظريات والمنتجات المالية، بما فيها (حديثا) مشتقات مالية ائتمانية أو أسهم اصطناعية مدعومة بالأصول. هذه المنتجات ساهمت بشكل عام في توزيع المخاطر والموارد بشكل أكثر فعالية. لكن كانت هناك عقبتان.

أولا، أدى تعقيد المنتجات الجديدة إلى تفاوت كبير في فهمها بين منتجيها ومشتريها. فقد اشترى عدد كبير من مديري الصناديق الاستثمارية منتجات لم يفهموها جيدا. والكثيرون من الذين باعوها لم يستطيعوا ترجمة المخاطر الكامنة في معادلات مالية غامضة إلى جُمل بسيطة. كان تقدم الابتكار يتخطى خبرة المسؤولين الماليين، ومؤسسات تقييم الجدارة المالية وحتى المشرعين، وكان ذلك جليا في إفلاس بنكين ألمانيين. هذا التفاوت في المعرفة سيصحح نفسه ولا يستدعي التنظيم» فالمنتجات المالية المعقدة أكثر من اللازم ستتضاءل بسبب عدم رغبة المستثمرين في التداول بها.

العقبة الثانية أكثر إثارة للقلق. فانهيار سوق القروض الممنوحة لغير المؤهلين أظهر حقيقة مقلقة بشأن الأسهم المدعومة بأصول: لم تكن مسعّرة بشكل صحيح لأن البيانات المستعملة لتقدير احتمالات التخلف عن الدفع لا تعود إلى الوراء لدرجة تتيح لها أن تأخذ بعين الاعتبار أزمات كثيرة شبيهة بمشاكل القروض الممنوحة لغير المؤهلين اليوم. إن تخفيض قيمة أصولها المحفوفة بالمخاطر من القيمة المقدرة في النماذج الحسابية إلى أرقام أكثر واقعية يقبل بها الباعة والمشترون الحقيقيون، سيكون عملية طويلة وشاقة، لأنها ستتطلب أعدادا أكبر من المتخلفين عن الدفع لتقدير الثمن العادل للمخاطر. وقد يكون هذا غير مقبول من الناحية السياسية.

لا شك في أن المزيد من الشفافية في المعاملات المصرفية سيكون أمرا جيدا، وأن اعتماد تسعير أكثر واقعية سيكون منطقيا، وأن التنافس بين شركات تقييم الجدارة الائتمانية سيساعد أيضا. هذا باختصار ما اتفق وزراء المالية في الاتحاد الأوروبي على اعتماده كخارطة طريق للاستقرار المالي. لكن تعهدهم بـ"التدقيق في أسواق القروض غير المنظمة" يلمح إلى أنهم سيلجأون إلى الترهيب بالقوانين لاستبدال الأدوات المالية المصنوعة حسب الطلب بأسهم يتم تداولها في أسواق مالية منظمة. ومن شأن ذلك أن يحد بشكل كبير من مرونة وتنوع المنتجات المالية التي تستعملها الشركات حاليا للحد من المخاطر. ردة الفعل الصارمة هذه سيكون لها تأثير معاكس: في اقتصادات السوق الحرة، لا شيء يمكنه وقف الابتكارات، لكن الإفراط في التنظيم قد يحول دون انتشار الابتكارات ويجعل استعمالها يقتصر على الشركات المشكوك في نزاهتها.

تصوروا ما كان سيحدث لو أن السياسيين قرروا عام 1900 منع نشوء المسوخ الحسابية وتنظيم عملية انبثاق النظريات خوفا من أن تؤدي إلى مزيد من الفضائح. طبعا، لم تحصل هذه الترهات. بدلا من ذلك، تطلب تحديد المسوخ والسيطرة عليها واستعادة الثقة في الرياضيات سنوات عدة من الانضباط الذاتي والعمل الدؤوب. التعبير الأساسي هنا هو الانضباط الذاتي. لا يمكن للمرء سوى أن يأمل بأن يظهر القطاع المالي قدرا كافيا منه للحد من تدخل السياسيين.

*شاني هو كبير خبراء الاقتصاد المختصين بشؤون أوروبا في شركة "مورغان ستانلي".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:مجلة نيوزويك-23-10-2007