الآثار المترتبة على العقود النفطية لحكومة إقليم كردستان العراق

 

وليد خدوري

 

 

وافق برلمان إقليم كردستان العراق في منتصف آب (أغسطس) الماضي على قانون النفط والغاز لإقليم كردستان، وكانت حكومة الإقليم وافقت على ثمانية اتفاقات لمشاركة الإنتاج مع شركات نفطية أجنبية حتى قبل صدور هذا القانون، أو حتى قبل الموافقة على القانون النفطي الاتحادي الذي لا يزال قيد البحث في البرلمان العراقي في بغداد. ووقعت حكومة الإقليم ثلاثة اتفاقات لمشاركة الإنتاج في 2 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري مع كل من شركة «هيرتج» الكندية لقطعة ميران، التي يقدر الاحتياط النفطي فيها بنحو بليون برميل من النفط الخام. وتبعد هذه المنطقة 30 كيلومتراً عن حقل طق طق.

ووافقت شركة «هيرتج» التي لديها امتياز سابق في الإقليم على تشييد مصفاة نفط صغيرة في منطقة امتياز ميران بطاقة 20 ألف برميل يومياً على أساس تقاسم الملكية 50 - 50 في المئة مع حكومة الإقليم وبشرط الانتهاء من إقامة المصفاة خلال سنتين من تاريخ التوقيع. ومنحت حكومة الإقليم الشركة الفرنسية «بيرينكو» امتياز تطوير قطعة سندي – أميدي المحاذية للحدود التركية. ومنحت حكومة الإقليم اتفاقاً لمشاركة الإنتاج إلى شركة «هنت أويل» الأميركية (وهي أول شركة أميركية تحصل على عقد من هذا النوع في الإقليم). ولكن على خلاف بقية الاتفاقات التي تم الإعلان عنها حتى الآن، لم تنشر حكومة الإقليم أو الشركة المعنية معلومات عن منطقة الامتياز المعنية.

وأثارت اتفاقات حكومة إقليم كردستان هذه معارضة واسعة النطاق في العراق، ويشارك في حملة الانتقادات هذه وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني الذي صرح بعد التوقيع على آخر ثلاثة اتفاقات أنها «غير شرعية» وانه لن يسمح بتصدير أي نفط سيتم العثور عليه واستخراجه من قبل هذه الشركات. وأشار الى ان الشركات التي تتعاقد بهذه الطريقة مع الإقليم لن يسمح لها بالعمل في سائر أنحاء العراق. وأكد هذه المعارضة المتحدث الرسمي لوزارة النفط العراقية عاصم جهاد بقوله ان مسودة قانون النفط الاتحادي تنص على وجوب منح كل اتفاقات التطوير إلى الشركات الأجنبية في مزاد علني شفاف وليس عبر محادثات ثنائية. وكانت حكومة الإقليم طالبت علانية ومنذ فترة بإقالة الشهرستاني بسبب مواقفه هذه واتهمته «بالتدخل» في شؤون الإقليم.

وأثارت وسائل الإعلام العالمية ضجة كبيرة حول الاتفاق الأخير مع شركة «هنت»، ليس فقط لأنه أول اتفاق للإقليم مع شركة أميركية، ولكن لأن راي هنت، رئيس الشركة وصاحبها صديق قديم للرئيس الأميركي جورج بوش وعضو في مجلس استشاري للرئيس حول الشؤون الخارجية. إلا ان المشكلة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تكمن هنا فقط، واكتشف وزير النفط العراقي الأسبق عصام الجلبي، ودوّن هذا الأمر في رسالتين، أحدهما موجهة إلى هنت شخصياً في 4 تشرين الأول، والثانية إلى رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني في 6 تشرين الأول.

وتفيد المعلومات التي حصل عليها الجلبي والتي دونها في رسالتيه ان الاتفاق مع شركة هنت «يشمل القطع 6 و7 و8 بموجب الترقيم المعتمد من قبل الإقليم والتي تبدو لنا من الخرائط الرسمية بأنها تقع داخل حدود محافظة نينوى وخارج حدود إقليم كردستان المعترف بها حالياً». ويضيف الجلبي ان «هذه القطع الثلاث تتضمن أربعة تراكيب جيولوجية هي جبل قند وفجر ونرجس وعين سفنى حيث يقع تركيب جبل قند على بعد 35 كيلومتراً شمال غربي الموصل باتجاه عين زالة. وبالنسبة إلى تركيبي فجر ونرجس فهما يمثلان امتداداً لجبل مقلوب باتجاه الشمال الغربي ويمكن التأكد من ذلك من المختصين في وزارة النفط العراقية».

ويذكر الجلبي في مذكرته لرئيس مجلس النواب العراقي الآتي: «باتصال مباشر لي مع شركة هنت أويل رفضَت الإقرار أو النفي (لهذه المعلومات حول مواقع القطع)، وبينَت ان مثل هذه الأمور يتم الرجوع في شأنها إلى سلطة الإقليم، وأنها تعاملت مع الأمر في شكل سليم وقانوني وشفاف». ويقول الجلبي في رسالته: «ربما ولغرض الحصول على تأكيد صحة المعلومات أعلاه، فإن سلطة الإقليم مطالبة بتوضيح رسمي ومعلن لذلك الأمر».

مع الأسف الشديد، كانت هذه المشاكل والخلافات في وجهات النظر متوقعة منذ ان أُعلن عن الدستور العراقي وبنوده الغامضة في الصلاحيات بين وزارة النفط العراقية والأقاليم والمحافظات في إدارة الثروة الهيدروكربونية في البلاد. وما هذه الخلافات التي نشهدها اليوم إلا نتيجة للطريقة والأسلوب التي صيغت بهما البنود الدستورية المتعلقة بقطاع النفط وقوانينه، والتي نتجت منها خلافات في وجهات النظر بين وزير النفط من جهة وإقليم كردستان من جهة أخرى، أو بين خبراء النفط العراقيين البارزين والإقليم من جهة أخرى، ونحن لا نزال في أول الطريق. والخوف كل الخوف ان تكبر العراقيل أمام التطور الطبيعي لقطاع النفط والغاز في العراق في ظل هذه الأوضاع القانونية المبهمة والغامضة، فهذه الخلافات تشكل نذر سوء لأهم قطاع اقتصادي في العراق، وكأنه لا تكفي المشاكل الأمنية لعرقلة قيام قطاع نفطي حديث، فابتُكرت أيضاً مشاكل قانونية معقدة أيضاً. وما هذا المثال الذي أمامنا اليوم إلا خير شاهد على ذلك.

فمن هو المسؤول في التفاوض مع الشركات الأجنبية؟ وما هي الصلاحيات المتوافرة للسلطات المحلية؟ ومن يحدد رقعة القطع الممنوحة؟ وماذا يحدث عندما يمنح إقليم مناطق امتياز خارج صلاحيته، كما هو الحال هنا - إذ يتبين ان المواقع الممنوحة لشركة هنت، في حال التأكد من صحة هذه المعلومات، هي في محافظة نينوى (الموصل) وليس ضمن الحدود الحالية لإقليم كردستان؟ وما هي الانعكاسات الإقليمية لهذا النوع من الخلافات الداخلية ضمن بلد واحد على قطاع النفط في بقية دول الشرق الأوسط، في حال نقل هذه التجربة لبلدان مجاورة؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-14-10-2007